أكد الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي أن أزمة الإنسان العربي هي أزمة ثقة بالنفس، يجب العمل على استعادتها بالتنمية البشرية وبإدماج أجيال الشباب في النقاش والحوار، وفتح الفرصة أمامهم للمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وأشاد في حوار خص به جريدة »البيان« بتجربة إمارة دبي التي بنت نفسها حضارياً خلال السنوات العشر الماضية، مستندة إلى الثقة بالنفس. ونوه بالإعلام الخليجي والسعودي تحديداً الذي أثبت خلال الفترة الأخيرة أنه أكثر حرية من بعض الإعلام العربي الذي يدعي ذلك.

وهنا نص الحوار مع الأمير خالد الفيصل:

٭ منذ أكثر من 4 سنوات وتحديداً منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 يعيش الوطن العربي أزمات فكرية واجتماعية وسياسية وأمنية، هل بالإمكان تحديد السبب أو الأسباب التي أوصلت الوضع العربي إلى هذه المآزق؟

ــ أنا دائماً أقول إن أزمة العالم العربي هي أزمة ثقة، وللأسف الشديد نحن نعيش أزمة ثقة منذ أيام الاستعمار.

وكل ما حدث في العالم العربي من أزمات وانقلابات وثورات سببه أزمة الثقة بين الإنسان العربي ونفسه، وبين القيادات السياسية والقيادات الفكرية، وبين الشعوب والقيادات الفكرية، وبين الدول العربية وبعضها البعض كانت هناك مشكلات فكرية وقيادات فكرية متضاربة.

لذلك أشعر أن الأزمة الحقيقية في العالم العربي هي أزمة ثقة إلى أن وصلت إلى أزمة ثقة في النفس وأصيب الإنسان العربي نتيجة آثار الهزائم التي تكررت عليه بفقدان الثقة بنفسه، لذلك يجب تخطي هذه المرحلة من خلال إعادة الثقة بالنفس والثقة بالآخر.

والمضي قدماً في مسيرة التنمية ولا أقصد بالتنمية الاقتصادية وإنما التنمية الفكرية والثقافية وحتى السياسية، وتحديداً تنمية الإنسان وأعتقد أن المسألة مقدور عليها.

وعندما أتحدث عن أهمية استعادة الثقة في النفس أحب أن أضرب مثالاً بدبي كوني موجوداً فيها، ولأنني أعتقد أن دبي تخطت عقدة الثقة بالنفس، ودبي تطورت كثيراً منذ 10 سنوات حتى اليوم، وقبل كان الكثيرون من الناس لا يعرفون دبي ولكن اليوم أصبحت دبي في كل عاصمة من العواصم.

وفي كل منتدى ومؤتمر وميناء ومطار، أصبحت دبي حاضرة، ولذلك هي مثال للثقة في النفس، والجرأة المحسوبة أخذت بها دبي حكومة وشعباً، لذلك وصلت إلى هذا المستوى الذي يعتبر مدعاة للفخر.

٭ لماذا لم تظهر أزمة الثقة بهذا الحجم إلا بعد أحداث 11 سبتمبر؟

ـــ إطلاقاً، هي موجودة منذ أيام الاستعمار ولكنها بدأت تستفحل، وتظهر بعد 11 سبتمبر لذلك لا يجب أن نرمي كل أعذارنا على هذا التاريخ الذي أصبح كقميص عثمان وكل من يريد ان يتخلص من مسؤولية يلجأ الى حجة 11 سبتمبر وهذا غير حقيقي لأن مشكلة الإنسان العربي قائمة منذ ما قبل 11 سبتمبر وليس بعده.

٭ من هي الجهة أو الجهات المعنية بإعادة بناء الثقة المفقودة في العالم العربي؟

ــ كل الجهات من دون تحديد ولا يجب ان نرمي المسؤولية على جهة محددة، الحكومات والشعوب مسؤولة عما حدث، إضافة الى الأوساط الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية كلها مسؤولة، وبكل اختصار الإنسان العربي هو المسؤول.

٭ ما هي نوعية المفكر العربي الذي تسعى إليه مؤسسة الفكر العربي؟

ــ نحن لا نصنع مفكراً ولا يمكننا ذلك ولكننا نستطيع ان نمنح المفكر المنبر والمسافة ليتقدم من خلالهما المفكر العربي إلى العالم ونحن نحتاج لكل مفكر عربي يحمل الهم العربي.

اعتقد أن المفكر كان يفتقد للحضور في السابق، فهو إما مسيس أو مناصر أحد التيارات أو متبع ايديولوجية معينة، ولذلك مؤسسة الفكر العربي مؤسسة فكرية مستقلة ولسنا تابعين لأي تيار ثقافي أو حكومي، ولذلك نمنح المثقف الفرصة ليعطي آراءه من دون ضغط.

٭ تحدثت سابقاً عن فجوة بين المفكر والمثقف والحكومات، أي دور منوط بالمفكر لردم الفجوة بين الحكومات والشعوب؟

٭ المفكر هو القائد الفكري والثقافي والأوطان لا تحكمها القيادات السياسية فقط بل توجد إلى جانبها القيادات الفكرية وكذلك الاقتصادية وجميعها، قيادات مؤثرة في المجتمع، لأن السياسة بدون اقتصاد وثقافة لا تستطيع ان تستمر.

٭ هل القيادات الفكرية قادرة على ترميم الوضع؟

ـ بالتأكيد ولكن إذا توفرت الإدارة واقصد القيادات الفكرية بالتعاون مع القيادات السياسية.

٭ منذ فترة والإعلام العربي يركز على موضوع الحوار مع الآخر، هل الحوار هو السبيل الوحيد لتوضيح صورة العرب والمسلمين في العالم؟

ـ ليس كافيا لأن الغرب لا يزال يجهل عن مجتمعاتنا الكثير وليس لديه إلا الصورة التي نقلت إليه من غيرنا عنا، والكثير من الشعوب في الغرب والشرق على حد سواء لا تعلم عنا إلا الذي يصلها من قبل غيرنا.

٭ شهد الإعلام العربي والخليجي تحديدا فورة خلال السنوات العشر الأخيرة إلا أن تحميله بعض المسؤولية في الأزمات مازال قائما؟

ـ بالتأكيد هي فورة إعلامية، ولكن السؤال هل وسائل الإعلام الموجودة أوصلت صورة ايجابية أم صورة سيئة وسلبية؟

٭ هل تُحمِّل الإعلام مسؤولية الصورة السلبية؟

ـــ أنا لا أحمل الإعلام وإنما السؤال الذي يطرح نفسه ماذا وصل عنا؟ وهل تم تقديم الحقيقة والصورة الايجابية؟

٭ هل السبب يتمثل بأزمة في توظيف رأس المال العربي في الإعلام أم هي أزمة كوادر إعلامية بشرية؟

ـــ رؤوس الأموال متوفرة ولاشك ان هناك أزمة كوادر مهنية ولكن الكثير من الإعلام العربي الموجود موجه ويخدم توجها معينا.

٭ الأزمة لا تكمن عندنا فقط، بل الغرب وها هي بعض وسائل الإعلام الأميركية الناطقة بالعربية موضع محاسبة حول فشلها؟

ـــ أكيد وقد قرأنا في الأمس القريب ان الأميركيين يقدمون رشاوى حتى تكتب الصحافة العراقية بشكل ايجابي عنهم، ولذلك فإن الإعلام العالمي ليس برئياً من هذه التبعية، والإعلام العالمي يعاني أزمة معنا ومع نفسه.

* يجري الحديث كثيراً عن ضياع الشباب أو انحرافهم في فكر متطرف، على من تقع المسؤولية في ذلك؟ وكيفية مواجهة هذه الظاهرة؟

ـــ يجب فتح المجال أمام الشباب للتحدث والتعبير عن الرأي والحوار، ونحن نحرص على إشراك الشباب في جميع مؤتمراتنا ونحرص على دعوتهم وحتى الفئات العمرية الصغيرة لدمجهم في نقاش مع مفكرين كبار، فالشباب هو مستقبل الأمة، لذلك يجب تهيئته لأن يكون أكثر ثقة بالنفس من أجداده.

كيف يمكن

على أرض الواقع، كيف يمكن منحهم هذه الثقة؟

ـــ بكل بساطة، عبر منحهم الفرصة للحوار والعمل والإبداع والمشاركة في صنع القرار وتقرير المصير.

* أين كانت تكمن الثغرة في فترة انخراط عشرات الشباب في الفكر المتطرِّف؟

ـــ للأسف في تلك الفترة كان هناك ابتعاد عن الشباب، ولم تتح أمامهم الفرصة لفتح الحوار والنقاش، وهذا جعلهم يرتمون في أحضان الجماعات المتطرِّفة في تستُّر تام.

* من خلال متابعتكم، هل أنتم راضون عن مسار الإعلام الخليجي وتحديداً السعودي؟

ـــ بكل صراحة الإعلام السعودي والإعلام الخليجي لديه حرية أكثر من بعض الإعلام العربي الذي يدّعي الحرية، وهذا كلام حقيقي. نعم جميع الإعلام الخليجي والسعودي أصبح يتمتع بحرية أكثر من بعض الدول العربية التي تدّعي الحرية.

٭ بالعودة للحديث عن الأزمة الفكرية المستفحلة في العالم العربي، ما هي الحلول برأيكم؟

ــ اعتقد ان الأزمة الحقيقية تكمن في مسألة التنمية، ولا أقصد تنمية المدن والشوارع إنما تنمية الإنسان ثقافياً وتقنياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

٭ من هي الجهة المخولة برسم خطط التنمية البشرية، هل هي الأنظمة والحكومات أم الأمم المتحدة؟

ــ تنمية الإنسان العربي يجب ان تبدأ من الداخل لأنه حتى الأمم المتحدة واقعة تحت تأثير القوى العظمى وسيطرة الدول المهيمنة، لذلك علينا ان نشخص أمراضنا ووضع وصفة الدواء من قبل أطبائنا لا ان نستورد الحلول.

٭ هل بإمكان كل دولة عربية بمفردها تشخيص أوضاعها ووضع خطط التنمية الخاصة بها أم يفترض إيجاد آلية عربية موحدة للتنمية البشرية؟

ــ المفروض ان تخرج الحلول من الدول العربية مجتمعة، فلماذا لا يتم تفعيل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، لو استطعنا تفعيلهما لاستفدنا بشكل كبير، والتفعيل يجب ان يشمل كل القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

٭ ما هي طبيعة العلاقة التي تربط بين مؤسسة الفكر العربي وجامعة الدول العربية؟

ــ هناك عمل مشترك بيننا وتحديداً في المجال الثقافي، والدليل تواجد الأمين العام للجامعة العربية بشكل دائم معنا، ومن خلال التنسيق ستكون هناك مشاريع كثيرة بيننا.

٭ هل هناك من نية لافتتاح فروع لمؤسسة الفكر العربي في العواصم العربية إلى جانب المركز الرئيسي في بيروت؟

ـــ الإدارة متواجدة في بيروت، ولكن العمل الميداني في جميع الدول العربية، إضافة إلى أننا نعيش ثورة الاتصالات، حيث لا تحتاج المؤسسات إلى موظفين في دول مختلفة، وحيث يمكن إدارة المؤسسة وعقد الاجتماعات عن طريق شبكة الإنترنت، وما نحتاجه هو النشاط وتفعيل العمل دائماً.

٭ أخيراً، ما هي دعوتكم إلى المؤسسات الفكرية والثقافية العربية من خلال تجربتكم؟

ـــ مشكلتنا فكرية علمية ثقافية ولا تزال مدارسنا وجامعاتنا في بداية الطريق، وهي ليست على مستوى العالم، ومؤخراً قرأت خبراً نشر عن 500 جامعة هي الأولى على مستوى العالم، ولم يكن بينها أي جامعة عربية وهذه قضية خطيرة.

ولذلك فإن المفروض أن يكون هناك أكثر من مؤسسة تعنى بالفكر العربي على جميع المستويات، ونأمل في تواجد مؤسسات أهلية تعمل في اتجاه تنمية الفرد العربي فكرياً وإعادة الثقة بنفسه وبثقافته وبفكره إليه.

وما أود أن أقوله أخيراً إنه في حقيقة الأمر كان هناك تشكيك قبل قيام مؤسسة الفكر العربي بعدم إمكانية نجاح مؤسسة فكرية مستقلة ومن دون أن تكون تابعة لحكومة معينة أو فكر معين.

ولكن المؤسسة أثبتت العكس والحمد لله وأثبتت أن المفكر العربي يستطيع أن ينشئ مؤسسة أهلية مستقلة وان يسجل حضوراً ونجاحاً يشهد له أهل العلم والمعرفة، من غير أن تكون بالضرورة مناهضة لأي حكومة أو دولة، لأن المؤسسة جاءت لخدمة الوطن العربي والأمة العربية.

كما أود في المناسبة وعبر منبركم بالتأكيد وعن طريق »البيان« الإماراتية أن أناشد الأثرياء العرب الذين يقدمون الهبات الكبرى في أوروبا وأميركا أن يساووا مؤسسة الفكر العربي بالمؤسسات الأوروبية الأميركية التي يقدمون لها الأموال.

حوار ـــــ أمينة عماري