تمثل حركة التعليم في دولة الإمارات منذ بداية القرن العشرين وحتى قيام الدولة الاتحادية نموذجاً لمواجهة التحديات، لأنها تعطي صورة حقيقية لوعي المجتمع بأهمية التعليم، ذلك الوعي الذي سبق الامكانات المتاحة لها داخل الدولة ما دفع العديد من الطلاب للسفر بحثاً عن العلم أنى تسنى لهم ذلك. فمنهم من سافر إلى الأزهر الشريف وتخرج منه، ومنهم من سافر إلى الهند وآخرون ارتحلوا إلى الكويت وقطر والبحرين، وغيرهم من سافر إلى البلدان العربية والأجنبية.

كما تمثل الوعي بأهمية التعليم في قيام العديد من التجار بتحمل تكاليف انشاء المدارس والانفاق عليها، كمدرسة ابن خلف التي افتتحها التاجر خلف بن عتيبة في أبوظبي، والمدرسة الأحمدية التي أنشأها أحمد بن دلموك في دبي عام 1912، كما تحمل بعض التجار تكاليف سفر بعض الطلاب واقامتهم على الرغم من قلة الدخل منذ بداية القرن العشرين.ويتاح لمن يدرس تاريخ التعليم في الدولة الاطلاع على مراحل تطور التعليم من خلال الاحتكاك الثقافي الذي ساد منطقة الخليج العربي، فمعظم المدرسين الأوائل الذين تحملوا مسؤولية التعليم بداية هذا القرن جاءوا من العراق وشبه الجزيرة العربية.

ولهذا فإن حركة التعليم في الدولة تعطي للتعاون العربي أصدق صورة، حيث تحملت دول الكويت وقطر ومصر الكثير من الأعباء في سبيل نشر التعليم في هذا الجزء من الوطن العربي.ويعتبر عام 1953 البداية الحقيقية لانشاء المدارس النظامية بالامارات، حيث افتتحت أول مدرسة بإمارة الشارقة وهي القاسمية والتي ضمت نحو خمسمئة طالب من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثاني المتوسط، حينما وفدت أول بعثة تعليمية من دولة الكويت إلى مدينة الشارقة بناء على رغبة حاكمها.

ويعتبر هذا التاريخ الحد الفاصل بين الدراسة الدينية المحضة أو مدارس المطاوعة (الكتاتيب) التي تعتبر المرحلة الأولى من مراحل التعليم في الإمارات وبين المدارس النظامية الحديثة التي تعددت فيها الدراسات والمناهج.أما الانطلاقة الكبرى للتعليم، فجاءت منذ الثاني من ديسمبر عام 1971 وهو اليوم الذي أعلن فيه عن قيام دولة الإمارات، فتأسست الوزارات الاتحادية ومنها وزارة التربية والتعليم والشباب، التي تولت الاشراف على التعليم في مراحله المختلفة،

ولقي التعليم في الدولة اهتماماً ورعاية خاصة منذ الأيام الأولى لدولة الاتحاد، واتجهت الجهود لاتاحة التعليم في مراحله وأنواعه المختلفة لكافة أبناء الدولة، مما أدى إلى تحقيق توسع كمي كبير في معدلات انشاء المدارس والفصول الدراسية، وجهزت بأحدث الأجهزة والوسائط العلمية، والمناهج المتطورة، واستقبلت الدولة البعثات التعليمية من مختلف البلدان العربية والأجنبية لتساهم في حركة تطور التعليم الحديث.

ولا يمكن لنا في هذا المقام أن ننسى ما قام به الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ من جهود جبارة من أجل التعليم، فقد اعتبر التعليم من أولويات التنمية، اذ قال: «ان الشباب هم ثروة الأمم الحقيقية» فلم يبخل رحمه الله على جميع المشاريع الجبارة التي أخذت تنهض بالتعليم شيئاً فشيئاً، لينشئ جيلاً مؤهلاً قادراً على العطاء وخدمة بلاده بكل ما يملك. فمنذ تأسيس الاتحاد المبارك والدولة لم تبخل بجهد أو دعم متواصل لنشر نور المعرفة في كل مدينة حاضرة أو قرية نائية ولكل رجل أو امرأة حتى لمن فاته ركب العلم،

حيث فتحت المراكزوالجمعيات النسائية والتنمية الاجتماعية وجمعيات التراث لكي لا يحرم أي مواطن أو مقيم من فرص التعليم النظامي. ان دستور دولتنا قد ضمن حق التعليم للجميع، وهذا هو نهج قائدنا الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ اذ نهل هذا النهج من مبادئ ديننا الحنيف الذي فرض العلم على كل مسلم ومسلمة. لقد آمن الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ على الدوام بأن رصيد أية أمة متقدمة هم ابناؤها المتعلمون.. لأن مستوى تقدم الشعوب مقياسه مستوى التعليم وانتشاره، ولهذا فإن قطاع التربية والتعليم حقق تطورات كمية ونوعية سريعة تعكس حجم الانجازات الهائلة التي جعلت من دولتنا نموذجا يحتذى،

فمن الإمارات كانت أعظم تجربة وحدوية امتدت آثارها إلى العالم أجمع، وكان للمسيرة التربوية عمقها ونتاجها، وبكل الايمان كان المنتسبون لها جنودها. فتحية لكل طالب ومعلم وولي أمر، والى كل من ساهم في وضع لبنة في هذا البنيان الشامخ للمنظومة التعليمية. ونقول ختاماً انه ما زال لدينا الكثير من الطموحات المستقبلية في ايجاد الكوادر العلمية التي تستحق من أبنائنا أن يقدموا لها جهودهم بالمشاركة والتواصل حتى يصبح التميز العلمي شعارنا ودربنا ومسعانا وسلاحنا في انجاز مشروع النهضة لوطننا، ورد الجميل لقادتنا وحكامنا.