وجه سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي كلمة بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد.وفيما يلي نص كلمة سموه التي وجهها عبر مجلة »درع الوطن«.في لحظة تاريخية فارقة حملت معها بشائر فجر جديد على أرض الإمارات انطلقت إلى الآفاق في الثاني من ديسمبر عام 1971 دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة المغفور له بإذن الله تعالى الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته.

وفي الذكرى الرابعة والثلاثين لعيدنا الوطني المجيد ما زالت راسخة في ذاكرة أبناء الوطن وفي ذاكرة العالم أجمع تلك الصورة الحضارية النموذجية لقيام دولة الاتحاد حيث التقت الإرادة الخيّرة لفقيدنا الغالي مع إرادة إخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات حفظهم الله وانطلق الجميع (تحدوهم عناية الله) بعزيمة وإرادة قوية للعمل صفاً واحداً خلف القائد الذي نذر نفسه وحياته لتحقيق طموحات وتطلعات أبناء وطنه والذي ملك رؤية مستقبلية واضحة لتحقيق ذلك الحلم الذي ظل يراود الجميع سنوات وسنوات.

وإذا كان رحيل فقيدنا الوالد المؤسس قد فطر قلوب أبناء وطنه وحزن وتألم لفقده أبناء أمته العربية والإسلامية والعالم أجمع فإن أفكاره وآراءه وحكمته وتوجهاته سوف تظل شعلة نهتدي بها ونبراساً يضيء لنا الطريق في كل قول وفعل وسيتحول بإذن الله إلى قوة لتحريك كامن قدراتنا وإمكاناتنا وهذا ما أكده وشدد عليه صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله.

وهكذا أصبح الاتحاد واقعاً ملموسا وشهد العالم سطوع شمس دولة الإمارات العربية المتحدة وتحققت للوطن وحدة الأرض وللمواطنين وحدة الانتماء والهدف والمستقبل والمصير وساد البلاد الأمن والأمان والرخاء والازدهار والاستقرار دولة متميزة في حركتها سخية في عطاءاتها أمينة على مبادئها وتوجهاتها الخيّرة التي تصب في صالح الوطن والمنطقة والعالم أجمع دولة حظيت بتقدير واحترام وثقة العالم في كل أرجاء المعمورة.

لقد قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة بمبادئها الإنسانية النبيلة ومواقفها الشجاعة وقدرتها الفائقة على المزج بين الأصالة والمعاصرة نموذجاً فريداً للتنمية والبناء والتطور والرخاء حيث أن تجربة البناء التي خاضها أبناء الوطن خلف قائدهم وبرغم ما تضمنته من تحولات ضخمة اقتصادياً واجتماعياً لم تكن منفصلة عن ثقافة الآباء والأجداد وقيمهم وأخلاقهم وعقيدتهم وانتمائهم العربي تجربة استوعبت روح العصر بنظمه ومواثيقه ومؤسساته وتقنياته ولكنها لم تتجاهل ماضيها العريق بل عمّقت مفاهيمه وزادت إحساس الأجيال الجديدة به فتمثلوه قيماً وأخلاقاً وسلوكاً فكان هذا الإنسان الذي نفخر به..وهذا الوطن الذي نعتز بالانتماء إليه.

إن بناء الإنسان ورفاهيته وتطوره ورقيه كان وما زال هو محور الاهتمام الأول لقيادتنا الحكيمة باعتبار أن الإنسان هو الركيزة الأساسية لإقامة صرح حضاري على أرض الإمارات وهو الثروة الحقيقية الباقية على مر الزمان وأساس كل رقي وتقدم وازدهار.

إن أشد ما لفت الانتباه عند الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في فترة السبعينات التي حكمتها ظروف التكتلات الاقتصادية والسياسية وسادتها ثقافة المعسكرات والانحيازات وفقدان الثقة بالآخرين والنفس والذات هو أنها قدمت للعالم نموذجاً لدولة تملك إرادتها ولديها القدرة على الخروج من شرنقة التحالفات والتكتلات بل وبناء دولة عصرية اعتماداً على الموارد المحلية والقوى الذاتية وجهود أبناء الوطن .

إن دولة الإمارات العربية المتحدة تمضي في طريق التنمية وفق استراتيجية شاملة من أبرز معالمها استقلالية سياسية إيجابية ومؤثرة في صنع الأحداث وهيكلية اقتصادية رصينة مدعومة بتنويع مصادر الدخل وآليات عمل متنوعة ومتطورة واضحة البرامج والأهداف وسياسة اجتماعية قائمة على التكامل والتكافل .

وقد أثبتت الشواهد والأحداث في كل المناسبات أن المسيرة المباركة لبناء وترسيخ دولة الإتحاد هي مسيرة حاضر مثابر مستند إلى ماضٍ عريق ومتوجهة لمستقبل واعدٍ وأكثر إشراقاً.لقد أدرك صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله من واقع تجربته وخبرته الثرية بعد أن رافق قائد المسيرة، رحمه الله، ومنذ اللحظة الأولى في كل مراحل عملية بناء الدولة الحديثة والتخطيط الناجح لصنع نهضتها وازدهارها ان المرحلة الحالية من منظور اقتصادي عالمي تتطلب الدخول إلى آفاق جديدة من المشاريع الاقتصادية الضخمة التي تدعم التوجه الاستراتيجي الرامي إلى الاحتفاظ للبلاد بدور مؤثر في حركة الاقتصاد العالمي.

وهكذا وانطلاقاً من الحرص على مواكبة الإيقاع العالمي المتسارع الخطى في كافة المجالات وانسجاماً مع معطياته ومتطلباته فقد توسعت دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة سموه في إقامة المشروعات الاقتصادية والاستثمارية والإنتاجية الضخمة ذات الأبعاد الاستراتيجية التي تخدم برامج وخطط التنمية الشاملة بالبلاد.

واتخذت البلاد المزيد من الإجراءات التي تيسر وتسهل حركة النشاط الاقتصادي والتجاري بالبلاد كما أولت عناية خاصة بتعزيز دور القطاع الصناعي باعتبار أن الصناعة بمجالاتها المتعددة أصبحت تشكل اليوم ركيزة أساسية من ركائز صنع التقدم والرخاء كما شهدت البلاد طفرة كبرى في مجال التطور العمراني والسياحي.

لقد قطعت دولة الإمارات المتحدة على امتداد أرضها في السنوات الأخيرة أشواطاً بعيدة وحققت قفزات ضخمة ونوعية في كافة المجالات وفي طليعتها حرية الاقتصاد وتيسير وتسهيل حركة النشاط التجاري والاستثماري المتعدد الأهداف والأغراض والتوسع في تبني سياسات نقدية متحررة مما جعل الإمارات مركزاً مهماً من مراكز التجارة والمال والنقد وإعادة التصدير في المنطقة والعالم.

وقد أولت البلاد اهتماماً متزايداً بتفعيل عمل الهيئات البرلمانية كمجالس الشورى والمجلس الوطني الاتحادي وإعطاء الصحافة الحرية في التعبير والنقد ومناقشة كافة القضايا التي تهم حياة الوطن وحياة المواطنين ومساءلة ومحاسبة المقصرين.كما أولت البلاد عناية خاصة للمجالات الاجتماعية والتعليمية والصحية ورعاية الشباب والأسرة والمجال الرياضي لما لهذه المجالات من أهمية خاصة في البناء الفكري والذهني لإنسان الإمارات الذي هو عدة الوطن وذخيرته للمستقبل.

وقد حرصت دولة الإمارات على مد جسور الصداقة مع الدول الشقيقة والصديقة وذلك من خلال التوسع في إقامة المشروعات الخيرية والتي تعدت في كثير من الأحيان أشكالها النمطية حيث تكفلت البلاد بإقامة مشروعات اقتصادية وعمرانية كبيرة في هذه الدول ولصالح شعوبها كما دعمت مشروعاتها الاقتصادية والاستثمارية سواء عبر توجيه الاستثمارات الإماراتية إليها أو من خلال إقامة المشروعات المشتركة معها.

لقد أدت التحولات الضخمة التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز دورها وموقعها في المنطقة والعالم.وقامت المؤسسات والهيئات العالمية والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بوضع دولة الإمارات في موقع الصدارة في المنطقة وذلك وفقاً للتقييمات والتصنيفات المبنية على التقارير الدقيقة عن واقع الحياة بأنشطتها المختلفة في كل دولة.

ولا شك أن استمرار دولة الإمارات في الاحتفاظ بمكانتها وموقعها المتقدم على خارطة المنطقة والعالم يضع مسؤولية أكبر على عاتق أبناء الوطن ويتطلب منهم مشاركة أوسع في مسيرة التنمية ومجالات العمل الوطني بأنواعها وهو ما أكد عليه صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله عندما شدد ووجه بضرورة تهيئة المناخ الجيد لتمكين أبناء الوطن من الإسهام والمشاركة بفاعلية في مختلف مجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والمعرفية والسعي للارتقاء بأساليب الإدارة وتنفيذ خطط الإصلاح الجذري للتعليم بالبلاد حتى تظل الإمارات مواكبة لعالمها الذي شهد طفرات متلاحقة بسبب التقدم التقني وما تزامن معه من توجه دولي نحو الانفتاح والتحرير وتكامل عمليات الإنتاج عبر الدول وترابط الأسواق المالية وغيرها ودعا سموه كذلك إلى تعزيز دور المرأة والشباب في خدمة خطط التنمية مشيراً سموه إلى أن تنمية لا تشارك فيها المرأة هي تنمية تبقى غير مكتملة ونهضة لا يتولى شباب الوطن موقع القيادة فيها تبقى منقوصة.

وانطلاقاً من الإيمان الراسخ بأن الإنجازات العظيمة لا بد لها من قوة تحميها فقد حرصت الدولة على أن تواكب قواتنا المسلحة التقدم العلمي في مجالات التسليح والتدريب والتخطيط والتنظيم والتعبئة والقدرة القتالية.وفي سبيل الحفاظ على استقلال الإرادة الوطنية فقد كرست دولة الإمارات العربية المتحدة نهج تنويع مصادر السلاح والسعي لنقل وتوطين التكنولوجيا العسكرية والمدنية من خلال برامج المبادلة »أوفست« المطبق حالياً بالبلاد في مجال اتفاقيات التسليح والمعدات.

كما توفرت للبلاد مظلة أمنية داخلية متطورة كما تركت آثارها الإيجابية في جعل الإمارات واحة أمن وأمان واستقرار الأمر الذي عكس حكمة التوجهات السياسية الداخلية.إن ما تحقق من إنجازات على أرض الإمارات لم تقتصر آثاره الإيجابية على حدود الوطن بل تعدتها لتشمل عدداً من الدول العربية والإسلامية والصديقة من خلال العديد من الوسائل والأساليب الخيّرة كما حرصت دولة الإمارات على الشراكة الفاعلة مع الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث تحقيق أمن واستقرار المنطقة ودعم مؤسسات العمل الخليجي المشترك وكذلك دعم مؤسسات الجامعة العربية والأمم المتحدة

وأيضاً حرصت الإمارات على تقديم يد العون والمساعدة للدول الشقيقة والصديقة، ولا شك أن الثقة والاحترام والمكانة المتميزة التي تحظى بها دولة الإمارات العربية المتحدة في محيطها الخليجي والعربي والإسلامي والدولي تقدم دليلاً ملموساً على نجاح سياستنا الخارجية القائمة على مبدأ احترام القوانين والمواثيق والأعراف الدولية ونبذ العنف والتطرف والإرهاب وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتبني سياسة حسن الجوار وعدم اللجوء للقوة في حل المنازعات والدعوة لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في العلاقات الدولية والمساهمة بدور إيجابي في تخفيف المعاناة عن الشعوب التي تعاني من الكوارث الطبيعية والحروب وذلك من خلال المساهمة العملية والفعالة في عمليات حفظ السلام الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة.

وإذا كنا نحتفل اليوم بالذكرى الرابعة والثلاثين لقيام دولة الإمارات في غياب صانع نهضة الوطن الراحل الكبير الوالد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه فإن جميع أبناء الوطن يعاهدون صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله بأنهم سوف يظلون على الدوام جنوده المخلصين وفي طليعة العاملين من أجل تحقيق أهدافه الطموحة بالاستمرار في احتفاظ الإمارات بمكانتها المتميزة على خارطة العالم وتعزيز دورها من أجل رفعة الوطن ورقيه ورفاهية أبنائه إقليمياً ودولياً.

ولا يسعني في هذه المناسبة العظيمة إلا أن أتقدم بتحية التقدير والاعتزاز والعرفان إلى صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وإلى صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإلى إخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات وإلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وإلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع داعين الله عز وجل أن يحفظهم ويرعاهم

وأن يحقق على أيديهم كل ما يصبو إليه شعب الإمارات من دوام التطور والرخاء والتقدم والرقي والازدهار وأن يعم ربوع الوطن كما كان دائماً الأمان والاستقرار ودوام العزة والمجد كما نرفع أكف الضراعة ونتوجه بالدعاء إلى المولى عز وجل أن يتغمد فقيدنا الغالي وفقيد الوطن والعروبة والإسلام والإنسانية الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بواسع رحمته ورضوانه وأن يسكنه فسيح جناته في عليين مع الأبرار والشهداء والصديقين.