وجه سمو الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان رئيس دائرة المالية كلمة بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين للاتحاد.وفيما يلي نص الكلمة التي وجهها سموه عبر مجلة »درع الوطن«.في حياة الأمم والشعوب أيام خالدة تظل على مدى الدهر نبراساً ينير طريقها ورمزاً يجسد آمالها وتهفو إليه قلوبها وتستمد منها النفوس كل ما يشحذ الهمم ويحشد الطاقات للانطلاق نحو آفاق المستقبل بخطى ثابتة لتحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها وآمالها المنشودة.
ولا شك أن يوم الثاني من ديسمبر عام 1971 قد أحدث تحولاً جذرياً في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة ففي هذا اليوم الأغر وبعد أن حبا الله الوطن قائداً متفرداً في فكره ورؤيته ونظرته وبعزيمة صادقة وبعد أن اجتمعت كلمته، رحمه الله، وكلمة إخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات أشرقت شمس الاتحاد على ثرى أرضنا المباركة وانطلقت إلى العالم دولة تحمي ولا تهدد تصون ولا تبدد تقوي ولا تضعف هي للشقيق سند وللصديق معين، دولة جعلت اللحاق بركب التقدم هدفاً ثابتاً حتى صارت دولة الإمارات اليوم بما حققته من إنجازات عملاقة هي أشبه بالمعجزات التي شملت كل مجالات الحياة على أرضها.
لقد استطاعت القيادة الحكيمة استنهاض همم الشعب وبعث الحميّة بين أبناء الوطن رجالاً ونساء للمشاركة في مسؤوليات العمل الوطني وأولت عناية خاصة للنهوض بالمرأة وتشجيعها على تحصيل العلم والمعرفة وعلى الالتحاق بميادين العمل المختلفة ومساندتها في شغل أرفع المناصب الوظيفية ودخول معترك الحياة السياسية حتى أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة بحق رائدة المنطقة في هذا المجال.
إن صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ومن خلال قربه ومرافقته للقائد المؤسس رحمه الله على مدى مسيرة التنمية والبناء كان له دوره المؤثر والفعّال في صنع مسيرة التحضر والتطور والرخاء في دولة الإمارات العربية المتحدة فهو لم يكن شاهداً على كل ما تقدم بل كان شريكاً فاعلاً في تحقيق تلك الإنجازات وفي صنع الحياة الأفضل والغد الآمن على أرض الإمارات .
وبفضل الرؤية المستقبلية الشاملة للقيادة الحكيمة أصبح أبناء الوطن قادرين على شغل المناصب القيادية وتحمل أعباء المسؤولية في كل مواقع العمل والإنتاج بل والانطلاق في بعض الميادين إلى آفاق العالمية. وإذا كنا اليوم على مشارف مرحلة جديدة في مسيرة التنمية والعمل الوطني فإن قيادتنا الحكيمة قد حددت نظرتها المستقبلية من خلال التأكيد على أن العمل المطلوب لاستمرار التطور والنمو بالبلاد يرتكز على محورين أحدهما يتمثل في السعي الجاد والدؤوب من أجل مواصلة تطور المجتمع وحركة تقدمه وازدهاره والآخر يتمثل في أهمية المراقبة الصارمة لمستجدات وحركة التطور العالمي على مختلف أوجهه وذلك حتى تظل الإمارات على صلة وثيقة بعالمها ومواكبة لكل الأحداث والتطورات.
إن التمسك بالقيم الروحية والموروثات الثقافية والمفاهيم والمبادئ التي أرستها دولة الإمارات يعد الضمان الدائم لاستمرار وسلامة وتيرة التطور الاجتماعي وترسيخ واستقرار المرتكزات التي قامت عليها خطط التنمية المستقبلية.إن التقييم الإيجابي لما أنجز ومراجعة ما تحقق من إنجازات يتيح المجال أمام كل المسؤولين للتمسك بعناصر التميز والعمل على تطويرها وتعزيزها باعتبارها دعامة للحاضر وأساساً للمستقبل وإفساح المجال للمراجعة والتخطيط لعمل أكثر فاعلية وتأثيراً وأكثر وعياً وقدرة على مواكبة المستجدات في عالم متسارع الخطى والتحولات.
لقد كان إنسان الإمارات وما زال يتقدم كل ما سواه في عملية التنمية الشاملة فهو إلى جانب دوره في استمرار البلاد في اتباع سياسة الاعتماد على الذات في صنع حركة تقدمها فإنه هو أيضاً الركيزة الأهم من ركائز النهضة الشاملة والنقلة الحضارية غير المسبوقة.وإذا كانت البلاد »عبر المبادرات المختلفة« قد تمكنت من توفير أفضل الظروف التي تجعل من المعرفة ورفع المهارة العلمية والعملية والكفاءة التدريبية والمشاركة السياسية وتنشيط الحياة البرلمانية وتطوير الخطط والبرامج والآليات أهدافاً قابلة للتحقيق فإنها تدرك أنه ما زال أمامها شوط طويل وجهد وعمل كبيران ينبغي القيام به على أحسن وجه حتى يمكنها مواكبة إيقاع التطور المتسارع الخطى في مجال التعليم والثقافة والصحة والحياة الاجتماعية ومشاركة المرأة في الحياة السياسية وغيرها.
وقد تعددت وسائل تدعيم حركة التقدم والتطور على أرض الإمارات فأقيمت بنية أساسية حديثة تستجيب لتسارع إيقاع حركة النشاط الاقتصادي والتجاري بالبلاد وانطلقت البلاد بقيادة صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله نحو آفاق جديدة من المشاريع العملاقة التي استهدفت تعزيز سياسة تنويع مصادر الدخل وتحويل البلاد إلى مركز رئيسي للاستثمارات المحلية والأجنبية وسوق رئيسي للتجارة في المنطقة وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية.
كما أعطت الدولة عناية كبيرة للقطاع الخاص وهي تعمل على تمكينه من القيام بدور أكبر في خدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز الوضع الاقتصادي للبلاد على خارطة الاقتصاد العالمي.ولا شك أن تكاتف وتعاون القطاعين العام والخاص وقيامهما بتنفيذ عدد من المشاريع المشتركة وخاصة في المجال الصناعي سوف يشكل رافداً رئيسياً من روافد الدخل القومي يدعم خطط التنمية الشاملة ويعزز سياسة تنويع مصادر الدخل التي ظهرت أهميتها في السنوات الماضية عندما تقلبت وتذبذبت أسعار النفط في السوق العالمي وتقلصت المداخيل من هذا القطاع الحيوي بل والرئيسي للثروة الوطنية.
ومن هنا فقد أولت البلاد اهتماماً خاصاً ومتزايداً للتنمية الصناعية وأدركت أهمية وضرورة بناء قاعدة صناعية إنتاجية حديثة ومتطورة توفر بديلاً مضموناً للدخل الوطني في حال تقلص أو نضوب الدخول النفطية.إن حركة التطور والتحديث لم تقتصر على مجالات الحياة المدنية فحسب بل امتدت لتشمل قواتنا المسلحة وضرورة أن تواكب هذه القوات بمؤسساتها ووحداتها وأفرادها وكوادرها وضباطها حركة التطور العالمي في مجال التسلح والتدريب والتنظيم حتى أصبحت قواتنا المسلحة بحق قوات حديثة تشكل درعاً واقياً للوطن تصون أمنه وإنجازاته ومكتسباته وتسهم بفاعلية مع شقيقاتها في دول مجلس التعاون في توفير الأمن والأمان والاستقرار للمنطقة وتشارك بفاعلية في الجهود الدولية من أجل حفظ الأمن والسلم الدوليين.
إن ما تحظى به دولة الإمارات من مكانة دولية رفيعة وثقة وتقدير إقليمياً ودولياً لهو خير دليل على نجاح سياستها الخارجية التي تتمسك بمبادئ الحق والعدل واحترام المواثيق والقوانين الدولية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ونبذ العنف والتطرف والإرهاب وعدم اللجوء للقوة في حل المنازعات الدولية ومراعاة علاقات حسن الجوار.
إننا إذاً ندعو الله عز وجل في هذه المناسبة العزيزة أن يتغمد فقيد الوطن والأمة والإنسانية المغفور له بإذن الله تعالى الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه ونرجوه سبحانه وتعالى أن يحفظ صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع وأن يحقق الوطن على أيديهم كل ما يصبو إليه من دوام التطور والرخاء والتقدم والرقي والازدهار وأن يعم ربوع الوطن الأمن والأمان والاستقرار ودوام العزة والمجد إنه سميع مجيب.
(وام)