مشاعر مفعمة بالحب عبرت عنها الألسن بالمدح والخير المستطاب وتزامنت مع الذكرى الرابعة والثلاثين لقيام دولة الاتحاد التي غيب القدر مؤسسها وقائدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي نهل في بداياته من فيض الحكمة وقوة الإرادة وصدق الإيمان وحب الوطن، وأنارت كلماته طريق الشباب، فساروا على نهجه، وقالوا له:
على دربك سائرون يا زايد، سنكون حماة للوطن ودرعه المتينة كما أردت لنا، وهم الذين راهن ـ رحمه الله ـ عليهم واعتبرهم أساس بناء الأمة وجوهر تقدمها، فعمل جاهداً على مساعدتهم والأخذ بأيديهم وتأمين حياتهم. المغفور له ربط العزة والمجد بالتعليم لا بالمال وأكد أن أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق الأجيال من المتعلمين والمثقفين.
فالاستثمار في بناء البشر لا في بناء الحجر في فكره رحمه الله أفضل أنواع الاستثمار لأن هذا النوع من الاستثمار قادر على تحقيق التطور والتنمية. برحيله فقدنا الكثير، لكننا لم نفقد ما صنعت يداه، لم نفقد عرق جبينه وهمة ساعده وسهر ليله، لم نفقد المصنع الذي خلفه، مصنع الرجال والعزة والإباء، مصنع الحضارة والإنجاز.ا
كثيرون هم الرجال الذين يصنعهم التاريخ فيتوارون خلف الهامش، وقلة من الرجال يصنعون الأحداث فيخلدهم التاريخ، وكان نصيب وقدر دولة الإمارات أن أنعم الله على شعبها بواحد من رجالات هذا العصر الذين كتب التاريخ أسماءهم بأحرف من نور، وهيأ لهم خالد الذكر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه وغفر له وسجل أفعاله في سجل حسناته.
عن زايد القائد الأبوي، زايد الإنسان، زايد الأمن والأمان، زايد الأخلاق والجود.. تروى القصص والحكايات التي يرويها الآباء والأجداد لتنعم بها الأجيال وترسم ملامح الطريق الذي أرساه زايد.
الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لوزارة شؤون الرئاسة والذي عمل مستشاراً للمغفور له الشيخ زايد 25 عاماً، قبل أن يشغل وظيفة ثاني مدير لجامعة الإمارات، خلال الفترة من 1981 ولغاية 1984، خلفاً للدكتور عبدالعزيز البسام الذي شغل منصب أول مدير للجامعة عام 1977.
يقف الدكتور عز الدين أمام نخبة من طلابه الذين أصبحوا الآن يتولون مهام القيادة الوطنية متذكراً بعضاً من المواقف الإنسانية الخالدة واللحظات التي عاشها والكلمات التي سمعها من زايد: إنه رحمه الله، ما كان يحب أن تذكر إنجازاته، بقدر ما كان يريد ثواب الله، وأن يحقق لأهله وشعبه ما أنعم به الله عليه، مشيراً إلى أن زايد من أصدق الرجال الذين «عاهدوا الله» وسوف يذكره التاريخ بمواقف لن تنساها الشعوب والدول.
ويضيف: لن أتحدث عن إنجازات زايد فهي أكبر وأكثر من أن تحصى وليس بحالها لأنها متشعبة في مختلف المجالات، ولكنني أريد أن أقف أمام فكر الشيخ زايد رحمه الله وفلسفته، ورؤيته الأبوية لبعض القضايا المهمة في حياتنا والتي تركت أثراً كبيراً وأعطت بعداً وطنياً وقيمة أخلاقية لبعض القرارات.
* التصدي لحملات التبشير
والكلام على لسان الدكتور عز الدين: أول القصص التي وردت في شريط الذكريات هي أنني رفعت ذات يوم تقريراً عن عدم وجود رياض للأطفال في الدولة، وأن الأطفال لهذا السبب يذهبون إلى رياض الأطفال الخاصة، وأشرت في التقرير إلى أن بعض هذه الرياض جيد وبعضها الآخر دون المستوى من حيث الإمكانات.
وبعضها الثالث في ذلك الوقت تشوبه نوايا تبشيرية، فانزعج رحمه الله وقال: «نحن المسؤولون عن هذا الخلل، ويجب علينا أن نحمي الأطفال الصغار، كما نحمي الكبار وعلى الفور استدعى رحمه الله عبدالملك الحمر (رحمه الله) والذي كان يشغل حينذاك منصب مدير التعليم في إمارة أبوظبي قبل أن يصبح وكيلاً لوزارة التربية وأمر بافتتاح، رياض الأطفال فوراً للأسباب التي تم ذكرها ووضع خطط لمناهجها وبرامجها تتفق وثقافتنا العربية والإسلامية.
وعلى الرغم من ان عبدالملك، كان مرحباً بالفكرة وبتنفيذ القرار كونه أحد رجالات التربية والتعليم المرموقين، فانه ذكر للشيخ زايد بعض الصعوبات المالية لهذه الإضافة التربوية.
وهنا اعتدل الشيخ زايد في جلسته وبصوت جهوري مشيراً بيده قائلاً: «يا عبدالملك، افتح رياض الأطفال مهما كانت الظروف، وأنا سوف أتكفل بسداد العجز المالي إذا ما وجد، ولا تتأخر، وراقب أيضا رياض الأطفال المشبوهة، فنحن نؤمن بحرية التدين، ولكن لا نوافق على التبشير المقنع، خاصة مع الأطفال الصغار».
وعلى الفور اعد عبدالملك الحمر القرارات الخاصة بتنظيم عمل رياض الأطفال والاشراف عليها من حيث المناهج والبرامج والكوادر التربوية وان يتمتع أطفالنا بخدمات تربوية «حكومية» مرموقة تؤكد على ثوابتنا وقيمتنا الدينية والاجتماعية والتراثية.
ويذكر الدكتور عز الدين هذه القصة لما تحمله من معان تربوية ورؤية بعيدة ومعان شخصية حيث كانت له طفلة صغيرة في الرابعة من عمرها أخذها إلى واحدة من تلك الرياض التي تم افتتاحها في الأسبوع نفسه وشعر بسعادة كبيرة وطمأنينة على مستقبل الأولاد طالما ان هناك رجلاً مثل زايد بعيد الرؤية ويزن الأمور بموازين دقيقة ويتخذ من اجلها قرارات حكيمة.
* اهتمام ببنات الإمارات
وموقف ثان يرويه الدكتور عز الدين من مواقف زايد الرائعة، انه حينما افتتح نظام الانتساب الموجه في جامعة الإمارات، ذاك الصرح الحضاري والثقافي الذي بناه زايد وحرص على اختيار موقعها وقياداتها الأكاديمية من النخب العربية والإسلامية المثقفة، وكان المقصود من ذاك النظام إيصال التعليم الجامعي إلى الشباب والشابات الذين لا يستطيعون الوصول إلى مباني الجامعة في مدينة العين وإما لكونهم نساء وأمهات إما لكونهن مسؤولين عن إعالة أسرهم.
ويذكر الدكتور عز الدين انه عرض الأمر على الشيخ زايد «رحمه الله» في قصر المقام وقال معقباً عليه «هذا نظام مفيد وجيد، ولكن يجب ان يطبق على النساء فقط، لان النساء قد لا يستطعن الوصول إلى الجامعة، بسبب الزواج والحمل او رعاية الأطفال، وبما أنهن لا يحضرن إلى الجامعة، فعلى الجامعة ان تذهب إليهن، أما الذكور، فلا والذي يحتاج منهم إلى إجازة دراسية نعطيه إجازة فتزول مشكلته».
ومنذ ذاك الاجتماع بدأت جامعة الإمارات تطبيق نظام الانتساب الموجه حاملة هذه التسمية الإماراتية اما التسمية العالمية، فهي التعليم العالي عن بعد، والجامعة المفتوحة.
وأشار الدكتور عز الدين إلى انه يوجد في مجتمع الإمارات العديد من النساء يشهدن بهذه الانجازات وهذا الكسب وتلك الخدمة التي قدمها لهن زايد رحمه الله.
وأضاف انه عندما تولى معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان مهام رئاسة الجامعة تفهم أهمية ذاك النظام وأيده بشده ولكن بحدود تعليمات الفقيد بجعل الأولوية للنساء، ثم أجازة بشروط خاصة لبعض الشباب، فانتفعت منه وبه أعداد كبيرة من ابناء وبنات الإمارات الذين يحملون الان راية البناء والتطوير وبهذا تكون جامعة الإمارات أول جامعة في الوطن العربي تطبق نظام التعليم العالي عن بعد.
* تشجيع الأبناء
ولم يشأ الدكتور عز الدين التوقف عن استرجاع بعض المواقف نظراً لضيق الوقت وكثرة المواعيد التي حالت دون استمرار الحوار إلا انه ختم بحالتين من جامعة الإمارات حيث ذكر ان معدلات القبول في الجامعة كانت 44 في المئة وأردنا رفع المعدل عند الانتساب للجامعة حتى يرتفع مستوى الخريج.
وأشار ان الشيخ زايد رحمه الله قال لهم في إدارة الجامعة حينذاك ان القبول في الجامعة جاء من باب الضرورة حينذاك لاستيعاب الطلبة وتشجيعهم وإعداد الكوادر الوطنية اللازمة والتدرج برفعها واجب وأعطى التوجيهات بافتتاح فصول تقوية واقامة برامج خاصة للطلبة ضعاف المستوى حتى يتمكنوا من مواكبة التحصيل العلمي واستمرت الجامعة على هذه السياسة برفع المعدلات وإقامة برامج التقوية المعروفة حالياً بالتعليم الأساسي مع فوارق بسيطة.
التعليم والأخلاق
يتذكر الدكتور عز الدين ابراهيم انه في ذات ليلة وفي مجلس الشيخ زايد بقصر البحر في أبوظبي قال رحمه الله: التعليم وحده لا يكفي، ولابد لنا من العناية بالأخلاق، فراقبوا انظمتكم التعليمية لتشمل الأمرين معاً، العلم والأخلاق وعقب هذا الحديث بأيام، زار جامعة الإمارات، الملك خوان كارلوس، ملك اسبانيا وبرفقته الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ وبهذه المناسبة كان لابد من القاء كلمة ترحيب بالضيوف باسم الجامعة.
وأردت أن اطمئن الشيخ زايد على توجيهاته وان كلامه لم يتعرض للنسيان أو الاهمال، وأردت تأكيد ترجمة ذلك فقلت والكلام مازال للدكتور عز الدين ابراهيم: «نحن نعنى بالعلم والمعرفة والأخلاق معاً وفق رؤية ثاقبة للشيخ زايد، فسر رحمه الله من الكلام وهز رأسه، واظنه قال لمترجمه شيئا نقله لضيفه لم أسمعه ولكنه أراد أن يؤكد له ثنائية العلم والأخلاق معاً كمنهاج عمل.
* عطاء بسخاء
واستطرد الدكتور عز الدين في استذكار بعض مواقف الانسانية، انه في احدى زياراته لباكستان، طلب منا ان نذكره ببعض المشاريع التي تم تنفيذها والتي تحتاج إلى متابعة وعددنا له المشاريع لا سيما في مجال الاسكان والتعليم والصحة والزراعة ضحك رحمه الله وطلب منا عدم نشر أية أخبار عن تلك المشاريع وقال «انا اريد ثواب الله ورحمته.
لعين ـ داوود محمد:
