استبقت دمشق استجواب لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس اللبناني الأسبق رفيق الحريري خمسة من مسؤوليها في فيينا وقدمت للإعلام »الشاهد السوري المقنع« الذي كشف عن هويته في دمشق التي وصل إليها فاراً من لبنان، منقلباً على التحقيق ومتهماً النائب اللبناني سعد الحريري وأطرافاً لبنانية أخرى بإجباره على الإدلاء بشهادة مزورة أمام لجنة التحقيق برئاسة ديتليف ميليس، وهو ما اعتبرته سوريا ضربة قاضية لتقرير ميليس الذي قدمة لمجلس الأمن الدولي. وسارع سعد الحريري ولجنة التحقيق إلى نفي صحة تصريحات الشاهد السوري. لكن وسط هذا الضجيج الإعلامي بين دمشق وبيروت التقى وزير الخارجية السوري فارق الشرع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة على هامش قمة برشلونة أمس وأعلنا أنهما وضعا أسساً جديدة للعلاقات بين بلديهما.
وقال الناطق باسم اللجنة القضائية السورية إبراهيم دراجي في مؤتمر صحافي في دمشق أمس تكلم خلاله الشاهد السوري هسام طاهر هسام، ان »تقرير ميليس قام على شاهدين أساسيين: »الصديق (زهير) وروايته باتت معروفة وهو مسجون في فرنسا وهسام الذي عرض الآن الحقيقة كاملة وهو طرف أساسي فيها«.
وأكد انه »بعيدا عن السياسة والإعلام ومن ناحية قانونية اذا كان التقرير يقوم على هاتين الشهادتين فقد انهار تماما، التقرير الذي قدمه سقط سياسيا وإعلاميا وقضائيا بالضربة القاضية وبشكل كامل«. وأضاف »ان كانت لدى ميليس معلومات وأدلة أخرى فنحن بحاجة إلى قراءتها«. وظهر هسام الكردي السوري أحد الشهود في اغتيال الحريري الليلة قبل الماضية على شاشة التلفزيون السوري من دمشق وأكد انه أدلى بشهادة مزورة تحت الضغط.
وقال انه أخضع لمخطط محكم من التعذيب والتهديد والرشوة أجبره على الشهادة زورا أمام ميليس. وجاء ظهوره على التلفزيون السوري بعدما وافقت دمشق على السماح لميليس باستجواب خمسة مسؤولين سوريين في مكاتب الأمم المتحدة في فيينا. واتهم هسام الصحافي اللبناني فارس خشان بأنه اجبره على القول انه شاهد سيارة »الميتسوبيشي« التي استخدمت في اغتيال الحريري في 14 فبراير في بيروت، واصفا خشان بأنه »مستشار سعد الحريري« (نجل رفيق الحريري).
وأكد أيضا انه سجن في »المديرية العامة لقوى الامن الداخلي« في بيروت.
وأضاف »أعطوني معلومات تمس بضباط سوريين كبار واحضروا إلى طبيبا أعطاني إبرة ترخي الجسم«.
ومضى هسام يقول انه تعرض للتعذيب وتم حقنه بمادة مخدرة وعرض عليه وزير الداخلية اللبناني حسن السبع 1.3 مليون دولار ليبلغ المحققين بأنه رأى الشاحنة التي استخدمت في قتل الحريري في منشأة عسكرية تابعة لسوريا، مضيفاً انه التقى سعد الحريري »نحو ربع ساعة وقال لي ابق مع فارس خشان وافعل ما يقوله لك«، وتابع ان »ماهر الاسد (شقيق الرئيس السوري) وآصف شوكت مدير الاستخبارات العسكرية كانا الأكثر استهدافاً«، وأضاف انه »الشاهد المقنع« الذي تحدث عنه ميليس في تقريره الذي رفعه في اكتوبر إلى مجلس الأمن واشار فيه إلى ضلوع مسؤولين أمنيين سوريين في اغتيال الحريري، وقد تمت مواجهته بجميل السيد، المدير العام السابق للامن العام الذي لا يزال موقوفا.
وأوضح انه فر من لبنان وتوجه إلى سوريا. وقال هسام ان المسألة برمتها مجرد »لعبة« وانهم يسعون إلى الإيقاع بسوريا. واتهم وليد جنبلاط ووزير الاتصالات مروان حمادة اللبنانيان بترتيب شهادة شهود آخرين زوراً ضد سوريا في تحقيقات ميليس. وفي المقابل، أوضحت لجنة التحقيق الدولية ان الشاهد السوري جاءها بمحض إرادته ولم يتلق منها أية مكافأة على المعلومات التي أدلى بها.
وأشارت اللجنة في بيان إلى ان هسام اتصل بها للمرة الأولى في آخر يونيو وعرف عن نفسه بأنه »ضابط سابق للمخابرات السورية في لبنان«. وشددت في بيانها على انها »لم تعرض ولم تقدم مطلقا أي تعويضات مقابل هذه المعلومات«. واعتبر النائب سعد الحريري، ان إعلان الشاهد هسام يشكل »محاولة لتضليل التحقيق«، نافياً تماماً حصول أي اتصال »مباشر أو غير مباشر« معه.
وأعرب الحريري في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي عن أسفه »لهذه المحاولة اليائسة«، داعياً جميع الأطراف إلى »التعاون الصادق مع التحقيق الدولي عوضاً عن اختلاق الشخصية الوهمية تلو الأخرى والرواية الكاذبة تلو الأخرى«. وأضاف: »كل ما ورد على لسان هذا الشخص في هذا المجال هي أقوال كاذبة وعارية عن الصحة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة«.
ورغم هذه الحرب الإعلامية بين دمشق وبيروت، التقى رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في برشلونة على هامش القمة الأورومتوسطية وزير الخارجية السوري فاروق الشرع.
وقال الشرع للصحافيين ان اللقاء كان »ايجابياً وبناء«، موضحاً ان المحادثات تناولت حرص سوريا على »أمن لبنان واستقراره« في إطار استقلال البلدين. وأضاف: »لقد وضعنا أسساً جديدة للعلاقات بين بلدينا والرئيس بشار الأسد سيسر بمعرفة مضمون لقائي مع رئيس الوزراء السنيورة«.
وأوضح السنيورة من جهته ان لبنان يرغب في إقامة »علاقات صحية وجيدة مع سوريا لما فيه مصلحة البلدين«. وعلى صلة اعتبر مسؤول سعودي ان الوساطة التي قامت بها بلاده في الأزمة بين دمشق ولجنة التحقيق الدولية جنبت سوريا والمنطقة »أزمة لا أحد كان يعلم إلى أين ستؤدي مخاطرها«.
وأعرب المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة »فرانس برس« عن ارتياح بلاده للتجاوب السوري، مؤكداً »ان التجاوب السوري مع الحل الوسط جنب سوريا والمنطقة أزمة لا أحد كان يعلم إلى أين ستؤدي مخاطرها«. من جهته قال مصدر دبلوماسي عربي في الرياض للوكالة نفسها ان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز تدخل لإيجاد مخرج للأزمة بعدما طلب منه الرئيس السوري بشار الأسد بإلحاح ذلك مؤكداً للملك عبدالله، حسب المصدر، »نحن نقبل بالحل الذي ترتضونه«.
دمشق ـ تيسير أحمد:
بيروت ـ البيان والوكالات:
