قال سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس دائرة التخطيط والاقتصاد إن حكومة أبوظبي ستستثمر موارد الطاقة في إقامة صناعة ثقيلة بالإمارة. وأضاف سموه في حديث أجرته معه »أبوظبي الواعدة 2006« وهو تقرير اقتصادي للإمارة تصدره مجموعة اوكسفورد بيزنيس بالتعاون مع شركة مبادلة للتنمية نحن مهتمون بتطوير صناعة ثقيلة كالالمونيوم والحديد والصلب والبتروكيماويات والصناعات الأخرى ذات الصلة مثل السيارات«..
مشيراً إلى ان مثل هذه الأنواع من الصناعات بدأت توصد أبوابها الآن في الولايات المتحدة وأوروبا بسبب الكلفة العالية للإنتاج هناك رغم حاجة السوق العالمية لهذه المنتجات.
وأكد أن منطقة الشرق الأوسط يمكنها أن تلعب دورا أفضل في تلك المجالات نظرا لموقعها في منتصف الطريق بين الأسواق العالمية ورخص الطاقة فيها وتميزها ببيئة خالية من الضرائب.. موضحاً انه على بعد ألف كيلومتر من دولة الإمارات العربية المتحدة تقع سوق قوامها 1.5 مليار نسمة تقريباً يسهل الوصول إليها براً وبحراً وجواً.
وقال »اننا نحتل موقعا أفضل بكثير من الناحية اللوجستية من مناطق كأوروبا الشرقية مثلاً.. كما يعتبر رخص الطاقة عنصراً أساسياً في الصناعة الثقيلة«.
وشدد سمو الشيخ حامد بن زايد على أن حكومة ابوظبي ستواصل خلال عام 2006 جهودها الرامية لتنويع الاقتصاد والخصخصة وبناء علاقة متينة مع القطاع الخاص.
وأضاف سموه ان تنويع الإيرادات بدلاً من الاعتماد على النفط وحده هو بمثابة تحد ظللنا نواجهه لعقود خلت.. مبدياً اعتقاده بأن الفرصة حاليا في صالحنا ذلك ان المزايا الرئيسية التي تتمتع بها الإمارة وتكمن في الطاقة ورأس المال ستمنح أبوظبي ميزة تنافسية كبيرة في الصناعة الثقيلة.
ونوه سموه إلى أن الوقت قد حان للشروع في برنامج الخصخصة مشيرا إلى ان الحكومة ظلت طوال خمسة وثلاثين عاما تأخذ بيد هذا البلد حتى حولته من دولة مصنفة ضمن المجموعات الأقل دخلا إلى واحدة من الدول الأعلى دخلاً في العالم.
وذكر سموه ان تطوير البنية التحتية والاقتصاد تطلبا من القيادة مزيدا من الاهتمام تماما مثل تربية الطفل حيث لا يتوقع الأب من طفله اليافع ان يكون مصدر دخل إضافياً له لكنه يستثمر في صحته وتعليمه وحينما يشب عن الطوق يصبح رجلا مستقلا وقادرا على كسب رزقه بنفسه.
وأشار إلى أن تلك كانت فلسفة الفقيد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وهي نفسها التي يمضي على نهجها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة »حفظه الله« والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وقال ان الناس مهيأون الان لتطبيق الخصخصة ذات الأهداف المتعددة وان الخصخصة ينظر إليها كونها وسيلة لتوزيع الثروة وتوفير فرص اقتصادية للمواطنين. وأضاف »اننا في الإمارات نؤمن بالتخصص وهو ما يطلق عليه في القطاع الخاص مصطلح التعهيد«.
وأشار إلى أن الشركات حينما تقوم بتعهيد خدماتها مثل تكنولوجيا المعلومات أو المحاسبة فإن ذلك يتيح لها التركيز على مجال عملها الرئيسي والاهتمام برفع الكفاءة وتقليل التكلفة. وأبدى سموه رغبة الحكومة في انتهاج نفس المنحى وخصخصة كل الخدمات والصناعات التي ليست من صميم عملها.
غير أنه قال ان الخصخصة لا تعني ان الحكومة بصدد بيع كل حصصها في الصناعة المحلية.. وأضاف اننا حينما نتحدث عن الصناعات الاستراتيجية فإن هنالك مبرراً لكي تحتفظ الحكومة بحصة معينة فيها فالنفط والغاز والطاقة والمياه وبعض البنوك تعد من القطاعات الاستراتيجية.. مؤكدا انه عندما يتعلق الأمر بالسلع والخدمات الأساسية فإنه لا يرى مناصاً من أن تمتلك الحكومة حصة في الشركات العاملة في مثل هذه القطاعات على المدى الطويل.
وأضاف »نحن لسنا في عجلة من أمرنا فيما يتعلق بالخصخصة كيلا نعيق الأداء«. وذكر سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان أن برامج الخصخصة في العديد من البلدان باءت بالفشل واتهمت الحكومات فيها بالتصرف ضد مصلحة المواطنين وضرب أمثلة على ذلك بعدد من الدول.
وقال »اننا في الإمارات ماضون في برنامج الخصخصة خطوة بخطوة بالاشتراك مع القطاع الخاص«.. كاشفا عن أنه في المستقبل سيتم البت في أمر طرح مزيد من حصص الحكومة للخصخصة مبررا ذلك بأن السوق لا تستطيع استيعاب كل تلك البرامج في وقت واحد«.
ونوه سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان إلى أنه لا يرى ثمة مجازفة ذات شأن في تطبيق سياسة تعنى بالتوسع السريع في القطاع الصناعي في وقت تسعى فيه دول أخرى لاتباع نفس الأسلوب.
وقال »التوسع الصناعي في هذه المنطقة يخلق مصدرا بديلا للمواد الخام الرخيصة للسوق العالمية ونحن سنكون المنقذين لتلك الصناعات المنهارة«.. موضحا أنهم سيكونون في عداد من أخفق في واجباته تجاه السوق العالمية إذا لم ينتجوا هذه المواد الخام بأسعار تنافسية تلبي الطلب العالمي«.
وأشار سموه إلى أن صناعات عديدة في أوروبا والولايات المتحدة لم تعد تحظى بالقدرة على المنافسة بسبب الضرائب المرتفعة والتكلفة الباهظة للمواد الخام والعمالة، فدولة مثل بريطانيا خسرت مؤخرا آخر أكبر شركات تصنيع السيارات فيها بسبب التكاليف العالية.
وأكد سمو الشيخ حامد أن صناعة السيارات ليست إلى زوال إذ يتسنى لها في الحالة هذه الانتقال إلى مكان أخر. وقال »نحن نريد جذب أولئك المستثمرين الذين تأثروا بأجواء المنافسة وفي ظل اقتصاد متين وبيئة سياسية مستقرة وتكاليف إنتاج متدنية وموقع استراتيجي وسط الأسواق الرئيسية فانه لا يوجد مكان أفضل للاستثمار من دولة الإمارات العربية المتحدة وبقية بلدان مجلس التعاون الخليجي الأخرى«.
وأعرب سموه عن رغبة الدولة في جذب مزيد من تلك الاستثمارات وقال »لكننا دولة مصدرة لرأس المال مثلما نحن مستوردون له«.. مشيرا إلى أن الأمر يتطلب أولاً إقناع مواطنينا بإعادة أموالهم من الخارج واستثمارها في الداخل وهو ما بدأ يحدث بالفعل خلال العامين الماضيين في كل من الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي«.
وأضاف »حالما ننجح في جذب استثمارات مواطنينا يمكننا عندها ان نتمكن من إقناع المستثمرين الأجانب«.وأكد أن الحكومة تدرس إصدار قوانين تسمح للأجانب بتملك شركات وأراض مما سيجعل من الإمارات أكثر جذبا للاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا السياق أشار سموه إلى ان المفاوضات الجارية حاليا مع الولايات المتحدة بشأن اتفاقية التجارة الحرة وأخرى مماثلة تجري أيضاً مع الاتحاد الأوروبي واستراليا ستعود بالنفع على الإمارات من حيث جعلها أكثر جذبا للاستثمارات الأجنبية.
وقال ان رسالتنا في غاية البساطة وهي ان ابوظبي إمارة مفتوحة للعمل التجاري.ونصح سموه أولئك الذين لا يودون الاستثمار في الدولة الآن بأن يراقبوا على الأقل أداء إمارة ابوظبي والإمارات ككل خلال السنوات الخمس القادمة ليتأكدوا بأنفسهم مما نعنيه بالنمو الاقتصادي.
وحول ما اذا كان هناك تنسيق مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي للمضي قدما في خطط توسعة القطاع الصناعي قال سمو الشيخ حامد ان طبيعة المسألة هي المنافسة اكثر منها الحوار.
وأضاف ان هناك فرصا كبيرة والكل يتنافس لجذب اكبر عدد من الصناعات والخدمات والاستثمارات المتنوعة.. واصفا هذه المنافسة بالصحية ذلك انها ستعلمنا كيف نؤسس اقتصادات أفضل وتشجعنا على تقليل اللوائح لجذب مزيد من الأعمال مما سيؤدي إلى تنويع الموارد في خاتمة المطاف. وأعرب سموه عن اعتقاده بأن العولمة نعمة كبيرة علينا اغتنامها فهي تمنحنا فرصة كبيرة.
وقال »كان من السهل عليك في السابق ان تضع مصنعك في السوق لكن الأمر يتطلب منك اليوم قدرة تنافسية اكبر لوضعه في سوق تكون تكلفة الإنتاج فيه ارخص حيث انه لم تعد هناك حواجز كثيرة اليوم.. ولم يعد الدخول إلى السوق مشكلة.. والرابحون هم من يقفزون سريعا إلى المناطق ذات تكلفة الإنتاج الأقل«.
وذكر سموه ان التنمية التي تمضي على قدم وساق في مختلف إمارات الدولة هي عملية مكملة لبعضها البعض وليست تنافسية.
وقال إننا نحاول ان نفعل شيئا مختلفا عما تقوم به دبي ولكننا نكمل جهود بعضنا البعض في التنمية فدبي ركزت على قطاع العقارات والتجارة والإمدادات في حين إننا سنستغل مواردنا للطاقة في تطوير الصناعة والناس يميلون للاعتقاد بوجود تشابه في الأنشطة التي تضطلع بها ابوظبي مع تلك التي تجري في دبي والشارقة والإمارات الأخرى ويرون في ذلك ضربا من التكرار الا ان الحقيقة غير ذلك فإذا كانت تلك منافسة فإنها أمر طيب للبلد.
وأكد ان لكل إمارة قوانينها لجذب الاستثمار ولعل هذه المرونة الاقتصادية الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط هي سر نجاح الإمارات فهي تعزز الوحدة السياسية وتشجع النمو الاقتصادي وتزيد من ميزاتنا التنافسية في المنطقة.