وجهت أميركا لوماً شديداً إلى الحكومة العراقية في فضيحة تعذيب معتقلين عراقيين في سجن تابع لوزارة الداخلية العراقية، فيما تقدم نائب أميركي للمرة الأولى باقتراح رسمي لانسحاب فوري للقوات الأميركية من العراق، وسعت حكومة رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري إلى امتصاص صدمة الفضيحة محملة ضباطاً بعثيين المسؤولية عنها، لكن ذلك لم يحل دون تحولها إلى كرة ثلج، حيث أكد صالح المطلق رئيس الجبهة العراقية للحوار الوطني ان عدد المعتقلين في قبو الجادرية الذي شهد الانتهاكات زاد على ألف شخص وان القبو شهد تعذيب عدد من المحتجزين حتى الموت.
وفي القاهرة أكد أمين عام الجامعة العربية وجود توافق إقليمي واسع حول مؤتمر المصالحة الذي يبدأ في القاهرة غداً، لكنه حذر من المبالغة في التوقعات والآمال المعلقة على المؤتمر. وفي بيان قرأه جيم بولوك الناطق باسم السفارة الأميركية في بغداد على الصحافيين أكدت أميركا انها لن تتسامح إزاء الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون ولا بتدخل الميليشيات في الاعتقالات، وقال بولوك أوضحنا بجلاء للحكومة العراقية انه يجب ألا تكون هناك سيطرة للميليشيات أو الطوائف على قوات الأمن والمنشآت والوزارات العراقية.
وقال البيان »ندين بقوة إساءة معاملة المعتقلين في أي مكان« وأن الحكومتين الأميركية والعراقية تتخذان موقفاً موحداً باستنكار مثل هذه الممارسات. مشيراً إلى أنه لن يتم التساهل معه أيضاً في المستقبل. وقال البيان إن الحكومة العراقية تتمتع بصلاحية التحقيق ومقاضاة من يشتبه في تحملهم مسؤولية أي انتهاك لحقوق المعتقلين أو إساءة معاملتهم وتقديمهم للعدالة. وأشار البيان إلى أن الولايات المتحدة ستساعد الحكومة العراقية بكل السبل لاجراء تحقيق عادل.
وكان اللواء حسين كمال وكيل وزارة الداخلية العراقية لشؤون الاستخبارات أعلن أن السجن الذي كشف تعرض معتقلين عراقيين للتعذيب فيه كان يديره ضباط عراقيون يرتبطون به »إدارياً وفنياً«. وأضاف »قمت بزيارة المعتقل بعد اكتشافه.. وكانت هناك انتهاكات لحقوق الإنسان«. وأثار الكشف عن السجن غضباً دولياً حيث دعا كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة إلى تحقيق شامل.
وجاء بيان السفارة الأميركية بعد أقل من ساعتين من تصريحات لوزير الداخلية العراقي وبدا أنه يهدف لمواصلة الضغوط على الحكومة للتحقيق في الأمر دون تأخير. وقال بولوك »وافق رئيس الوزراء على خطة من ست نقاط للتعامل مع جميع الادعاءات بتعرض المعتقلين لانتهاكات«، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستساعد في التحقيقات.
وكان وزير الداخلية العراقية بيان باقر جبر صولاغ قد نفى أمس، أن يكون من بين المشرفين على معتقل وزارة الداخلية الذي شهد عمليات تعذيب وسوء معاملة لمعتقلين في منطقة الجادرية في بغداد أي شخص إيراني، وقال للصحافيين: »إن الذين يديرون السجن هم 29 ضابطاً عراقياً غالبيتهم من الجيش العراقي السابق والذين حصلوا على استثناء من لجنة اجتثاث البعث لعودتهم ولا يوجد بينهم أي إيراني«.
وأضاف ان المعتقلين في السجن هم من: »الإخوان العرب الذين ينفذون أعمال قتل العراقيين، وهم أخطر الإرهابيين بينهم معوق نفذ أربع عمليات إرهابية بوساطة تحكم عن بعد لسيارات ملغومة قتل خلالها 66 عراقياً مقابل مبلغ 1000 دولار عن كل عملية إرهابية«.
وقال إن الجيش الأميركي زار موقع السجن في بغداد بعد اتفاق سابق وعثر خلال الزيارة على »7 أشخاص وليس 170 شخصاً تعرضوا لآثار ضرب كما ذكرت وسائل الإعلام«. وأضاف »ان لجنة التحقيق التي أوعز بتشكيلها رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري برئاسة نائب رئيس الوزراء روز شاويش باشرت أعمالها أمس وسينال المقصرون جزاءهم وفق القانون العراقي«. وتابع أن »السجن الذي تم الإعلان عنه كان مكتباً لوزير الداخلية السابق وهو عبارة عن ملجأ محصن شيد في زمن صدام«.
وأضاف: »ان بقاء هؤلاء المعتقلين في هذا الملجأ جاء بسبب عدم وجود مكان لايوائهم حيث إن سجن بوكا مليء بـ 12 ألف عراقي تحت حراسة القوات متعددة الجنسية وكذلك سجن أبو غريب ولو كان لدينا سجن خاص لنقلناهم إليه«.
وبعد الكشف عن أبعاد الفضيحة، قالت وزارة الخارجية الأميركية في وقت متأخر أول من أمس انها لا تعتبر أن من الضروري إجراء تحقيق دولي. وقال الناطق باسم الوزارة آدم ايريلي إن »الحكومة العراقية تتخذ تدابير ضرورية نرحب بها، وسنعمل معها لنتأكد من أن التحقيق تام ومعمق وشفاف وفعال«. ورداً على مطالبة السنة بإجراء تحقيق دولي، أضاف ايريلي »نعتقد أن التدابير التي تتخذها الحكومة العراقية فعالة وكافية«.
في غضون ذلك، اتهمت هيئة علماء المسلمين السنة التي تعد أكبر المراجع الدينية السنية في العراق أمس القوات الحكومية العراقية بقتل أحد أعضائها. وقالت انه »في صباح الأربعاء (أول من أمس) عثر على جثث أربعة في مستشفى الطب العدلي (في بغداد) من بينهم جثة الشيخ ياسر صلاح السامرائي وعليها آثار التعذيب«.
وحملت الهيئة في بيانها »الحكومة والاحتلال المسؤولية الكاملة عن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق«. وأشارت إلى أن »القوات التابعة للحكومة الحالية لا تزال مصرة على مواصلة سياستها الإرهابية العنصرية في التمييز والتصفية الطائفيين وتأبى العمل بتعاليم الإسلام«. وكررت هيئة علماء المسلمين السنة مطالبة المجتمع الدولي »بإجراء تحقيق دولي مستقل ليس للحكومة العراقية أي طرف فيه في انتهاكات حقوق الإنسان في العراق«.
وتزامن مع الفضيحة تقدم النائب الأميركي الديمقراطي جون مورتا أمس باقتراح رسمي لانسحاب »فوري« للقوات الأميركية من العراق، لأن »الولايات المتحدة لم يعد في إمكانها أن تنجز شيئاً عسكرياً« في هذا البلد. وقال مورتا، المحارب السابق في فيتنام وأحد المسؤولين عن موازنة وزارة الدفاع في مجلس النواب، »أعتقد أنه يجب إبلاغ الشعب العراقي والحكومة المقبلة قبل الانتخابات العراقية المقررة في منتصف ديسمبر، بأن الولايات المتحدة ستنفذ إعادة انتشار فوري«.
ويهدف اقتراح القرار إلى إعلان أن »انتشار القوات الأميركية في العراق انتهى بناء على أمر من الكونغرس«. وينص الاقتراح على نشر قوة تدخل سريع في المنطقة وعلى أن تواصل واشنطن جهودها من أجل أمن واستقرار العراق »من خلال الدبلوماسية«.
وعلى صعيد الاجتماع التحضيري لمؤتمر القاهرة للمصالحة، أكد الأمين العام للجامعة العربية أن هناك توافقاً إقليمياً كبيراً بشأن المبادرة العربية لعقد مؤتمر للوفاق الوطني في العراق من أجل التغلب على الصعاب التي يواجهها الشعب العراقي والانطلاق إلى مرحلة جديدة.
وقال موسى في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية (أ.ش.أ) أمس إن التأييد العربي للمؤتمر الذي يبدأ أعماله السبت »مسألة واضحة لأنها باسمهم جميعاً وموجهة إلى كل العراقيين«. وأشار إلى أن هناك تأييداً إقليمياً كبيراً أيضاً حيث سيشارك في الجلسة الافتتاحية عدد كبير من الوزراء العرب وممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول دائمة العضوية بمجلس الأمن ووزير خارجية إيران منوشهر متقي. وقال إن المؤتمر من الناحية الموضوعية »هو مؤتمر عراقي ـــ عراقي فقط وهو يعتبر خطوة أساسية نبدأ بها وننطلق منها«.
إلا أن موسى دعا إلى عدم المبالغة في التوقعات في شأن النتائج المنتظرة للاجتماع التحضيري وقال: »إن هذا الاجتماع خطوة أولى في مسيرة طويلة لتحقيق الوفاق الوطني العراقي وبداية لحوار عراقي ـــ عراقي«. وأضاف أرجو ألا نبدأ بتوقعات عالية ومبالغ فيها لكنه استطرد »نحن مطمئنون إلى هذه الخطوة«.
وأوضح موسى »أن هناك توافقاً على عقد المؤتمر التحضيري في القاهرة والمؤتمر الجامع في العراق« مشيراً إلى أنه تم توجيه الدعوات للمدعوين بناء على ترشيحات القوى العراقية. وفيما شهدت الجامعة العربية اجتماعاً على مستوى المندوبين أمس استعداداً لاجتماع الغد، أبدى عدد من القادة الشيعة ترددهم حيال المشاركة في أعمال اللجنة التحضيرية بسبب احتمال حضور بعثيين.
وقال الناطق الإعلامي باسم التيار الصدري الشيخ عباس الربيعي لوكالة »فرانس برس« أمس إن »مقتدى الصدر لن يحضر الاجتماع التحضيري بل سيحضر نيابة عنه سلام المالكي وزير النقل ممثلاً عن التيار الصدري بصفة مراقب وليس مشاركاً«. وعن تحفظات الصدر قال: »كنا نشترط تعهداً واضحاً بعدم حضور البعثيين والإرهابيين لكنهم يتهربون ويصرون على أن أحداً منهم لن يحضر خلافاً للواقع الذي يقول إنهم يوجهون دعوات إلى بعثيين ومن ضمنهم ناجي صبري« وزير الخارجية العراقي السابق. وأكد أن »إرسال المالكي هو بهدف استطلاع الوضع فإن كان حقاً هؤلاء مستبعدين من المؤتمر فإننا سنشارك وبقوة في مؤتمر الوفاق الوطني الواسع«.
من جهته، أكد مصدر من مكتب رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أن »عبد العزيز الحكيم طلب قائمة بأسماء المشاركين في الاجتماع ليحدد على ضوئها مسألة مشاركته من عدمها«. وأوضح أن »هذا هو شرط السيد (الحكيم) للمشاركة فإذا احتوت القائمة على أسماء بعثيين وإرهابيين فإنه لن يشارك«.
في غضون ذلك، استبعد الرئيس العراقي جلال طالباني في مقابلة مع صحيفة »دير شتاندرد« النمساوية تقسيم العراق وقال »لا العراقيون ولا المنطقة ولا دول الجوار سيقبلون بهذا الأمر (تقسيم العراق).. إنه أمر مستحيل. العراقيون ملزمون بالعيش معاً«.
بغداد، القاهرة ـــ »البيان« والوكالات: