تكشفت أمس فصول فضيحة تعذيب جديدة بحق المعتقلين العراقيين وهذه المرة على يد عناصر وزارة الداخلية العراقية، التي تبين امتلاكها معتقلات سرية تقوم فيها بسلخ جلود المعتقلين وصعقهم بالكهرباء، بالتزامن مع إعلان التحقيق في فضيحة أميركية ثانية تتعلق بوضع معتقلين عراقيين في قفص للأسود، في وقت تتجه الأنظار إلى القاهرة حيث ينطلق السبت المقبل مؤتمر الحوار والوفاق، والذي يتوقع أن تلقي الفضيحة بظلالها عليه، بعد تذليل مسألة مشاركة أعضاء سابقين في حزب البعث فضلاً عن وفد إيراني.

واعترفت الحكومة العراقية بحصول انتهاكات لحقوق المعتقلين في المعتقل السري في حي الجادرية التابع لوزارة الداخلية، فيما أعلن رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري تشكيل لجنة تحقيق للبحث في هذا الموضوع، بعدما فضح إثر مداهمة القوات الأميركية المعتقل السري في أحد أقبية منطقة الجادرية في بغداد لتكتشف وجود 173 معتقلا في حالة صحية مزرية، وجميعهم من العرب السنة، تعرضوا لأبشع حالات التعذيب منها الثقب بأجهزة كهربائية وسلخ الجلود والحرق بالمذيبات، وأن بعضهم أصيب بالشلل التام وعاهات.

وأفادت المصادر بأن هذا المعتقل الذي كان محاطا بحماية أمنية مكثفة مرتبط بحالات القتل والتعذيب لعشرات الجثث التي تم العثور عليها في أنحاء متفرقة من العراق في الآونة الأخيرة. وكان نائب وزير الداخلية العراقي حسين كمال صرح لوكالة "رويترز" أن عدد المحتجزين هو 161 وأنهم كانوا يتعرضون لمعاملة غير لائقة وكانت ترتكب بحقهم انتهاكات، وقال لشبكة "سي.ان.ان" الأميركية "لم أر مثل هذه الحالة قط خلال العامين الماضيين في بغداد.. هذه أسوأ حالة".

وفي هذا الشأن طالبت أحزاب وهيئات سنية عراقية نافذة بفتح تحقيق دولي في القضية – الفضيحة، ودعت المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني إلى إدانة هذه الفظائع التي تتجه أصابع الاتهام فيها إلى ميليشيا شيعية متغلغلة في وزارة الداخلية، في وقت نفت »منظمة بدر« التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق علاقتها بهذا القبو التعذيبي. وقال رئيسها هادي العامري إن المعتقل "تديره وزارة الداخلية وان الأميركيين هناك كل يوم".

على الجانب السني الذي استفزته تفاصيل الجريمة، دعا الأمين العام لمؤتمر أهل العراق عدنان الدليمي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى إرسال وفد للتحقيق، فيما وقال الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي إياد السامرائي لوكالة "فرانس برس": "أعتقد أن من الأفضل إجراء تحقيق دولي محايد. لقد بدأنا نشك بمسؤولية أو تورط جهات على مستوى عال في السلطة".

من جانبها اتهمت هيئة علماء المسلمين السنة في العراق "أجهزة وزارة الداخلية العراقية بممارسة عمليات تعذيب لمعتقلين وبالتالي إطلاق سراحهم مقابل مبلغ من المال". وقال الشيخ عبد السلام الكبيسي القيادي في الهيئة إن "الحكومة هي الخصم وتشن حملة لا سابق لها في التاريخ"، وأكد امتلاك الهيئة "من الوثائق الكثير بالصوت والصورة لمعتقلين تم تعذيبهم... ونحن أعطينا هذه الوثائق للامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى" خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، موضحا أن »عناصر وزارة الداخلية يأخذون الناس في الليل من بيوتهم ويبقونهم شهرا أو شهرين قبل الإفراج عنهم مقابل مبالغ مالية".

وقال إن وزارة الداخلية أطلقت قبل أسبوعين معتقلا "شبه ميت... عبارة عن هيكل عظمي وكانت على جسده آثار سكاكين كهربائية وأطلق سراحه مقابل 110 آلاف دينار عراقي". واتهم قوات الأمن العراقية بـ»إجبار المعتقلين على الإدلاء باعترافات تحت التعذيب وعرض قسم منها على التلفزيون الحكومي العراقي".

وكان رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري أمر بتشكيل لجنة تحقيق على أمل أن تقدم نتائج عملها خلال أسبوعين، واعدا باتخاذ "الإجراءات الصارمة بحق المسؤولين" عنها.

كما أكد أنه "شكل لجنة ثانية للتعرف على عدد السجناء وطبيعة وظروف المسجونين". وفي واشنطن، وصف الناطق باسم وزارة الخارجية آدم إيريلي فضيحة الجادرية بأنها "مثيرة للقلق"، وقال إن الولايات المتحدة تريد من العراق أن يعاقب الجناة إذا ثبت صحة الاتهامات.

وأضاف: "نحن لا نمارس التعذيب. ولا نعتقد انه ينبغي للآخرين أن يمارسوا التعذيب" لكن تصريحات ايريلي هذه تزامنت مع إعلان الجيش الأميركي أنه يحقق في اتهامات بان قواته في العراق وضعت سجناء في قفص مع أسود خلال العام 2003 لكن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وصف المزاعم التي أدلى بها معتقلان عراقيان سابقان بأنها "غير مقنعة".

وعلى صعيد مؤتمر الحوار والوفاق العراقي، أكدت مصادر مصرية وعربية مطلعة في القاهرة أن بعثيين سابقين سيشاركون في أعمال المؤتمر الذي سيعقد في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة بحضور نحو 70 شخصية تمثل كل أطياف وقوى الشعب العراقي السياسية والدينية، ونحو 30 شخصية عربية ودولية أخرى بينها وفد برلماني إيراني.

وقالت المصادر لـ "البيان" انه "تمت حلحلة" المشكلتين اللتين كانتا تواجهان المؤتمر: تمثيل حزب البعث والمقاومة، حيث جرى "التوافق" على مشاركة "أعضاء سابقين في حزب البعث.. لكن بصفتهم الحالية "كقياديين في أحزاب وتنظيمات سياسية أخرى قائمة. ورغم عدم تسميتها لهؤلاء الأعضاء، أشارت المصادر إلى أن هذا الحل حظي بموافقة سائر الأطراف بما فيها تلك التي كانت ترفض بشدة الجلوس أو التفاوض مع البعثيين وممثلي المقاومة، مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأكد حضور رئيسه عبد العزيز الحكيم.

وأوضحت المصادر أن قضية "تمثيل المقاومة" حلت عبر تكليف الفصائل المسلحة شخصيات سياسية مشاركة في المؤتمر التحدث باسمها وعرض مطالبها، وأهمها: انسحاب قوات الاحتلال إلى خارج المدن مؤقتا مع وضع جدول زمني للانسحاب الكامل.

إلى ذلك، أكد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية لمجلس الشورى الإيراني علاء الدين بروجردي، الذي التقى أمس الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، أن وفدا إيرانيا على مستوى عال سيحضر أعمال المؤتمر التحضيري للوفاق، مؤكدا أن بلاده تعتبر مسألة إحلال السلام والوفاق في العراق »مبدأ أساسيا ومهما بالنسبة لنا".

بغداد، واشنطن، القاهرة – البيان والوكالات: