واصلت وزيرة الخارجية الأميركية الحملة التي بدأتها على سوريا منذ وصولها إلى المنطقة قبل خمسة أيام، محذرة دمشق من العزلة إذا لم تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وبحثت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إمكانية التحقيق مع المسؤولين السوريين الستة المشتبه بهم في القاهرة أو عمان.
كما دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك أمس سوريا إلى التعاون كلياً مع التحقيق الدولي، في حين دعت طهران لجنة ميليس إلى عدم تسييس التحقيق. وداخلياً فرّقت السلطات السورية اجتماعاً للجنة "إعلان دمشق" للمعارضة السورية، فيما دعت جماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة السلطات السورية إلى "التعاون الكامل" مع لجنة التحقيق الدولية وأكدت رفضها أي عقوبات دولية ضد سوريا.
وقالت رايس في مؤتمر صحافي مشترك في رام الله مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن تعاون دمشق مع لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس "غاية في الأهمية". واعتبرت أنه من "المهم جدا لسوريا أن تتعاون" مع المحققين الدوليين، مضيفة أن »رفض« الحكومة السورية للتعاون »يزيد من عزلتها«.
وذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" الإسرائيلية أمس أن رايس ناقشت مع شارون محاولة نقل قياديين سوريين إلى الأردن أو مصر للتحقيق معهم في ملف اغتيال الحريري. وكانت رايس قد اجتمعت صباح أمس مع شارون ووزير خارجيته سيلفان شالوم وناقشت معهما تنسيق الموقف الأميركي ـ الإسرائيلي من الحملة الموجهة ضد سوريا ومزاعم البلدين بشأن ما تسميانه الخطر الإيراني على دول المنطقة.
في باريس، قال الناطق باسم الرئاسة الفرنسية جيروم بونافون إن "رئيس الجمهورية (شيراك) أكد ردا على سؤال (خلال لقاء مع نظيره اليمني علي عبد الله صالح) أن تحرك فرنسا والأسرة الدولية بالإجماع غير موجه إطلاقا ضد سوريا أو نظامها".
وأضاف بونافون إن هذا التحرك "يهدف من جهة لفرض القانون بعد اغتيال رفيق الحريري الأمر الذي يستوجب تعاون سوريا التام مع القاضي (الألماني ديتليف) ميليس ومن جهة أخرى إلى تحقيق سيادة لبنان التامة ما يستوجب احترام بنود قرار (الأمم المتحدة) 1559".
في بيروت، أكد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة للشؤون السياسية إبراهيم غمبري أن لا خيار أمام سوريا سوى التعاون مع لجنة التحقيق الدولية.
موقف غمبري جاء خلال غداء أقامه على شرفه وزير العدل اللبناني شارل رزق في حضور سفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. وأشار رزق إلى أن اللقاء جاء لتأكيد تصميم لبنان على التعاون مع الأمم المتحدة من جهة، وبين القضاء اللبناني ولجنة التحقيق الدولية من جهة أخرى.
من جانبه دعا وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي، بعد لقائه الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع في دمشق أمس، لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري إلى أن تواصل عملها "على أسس قانونية بحتة وألا تعمل وتبادر إلى تسييس الموضوع".
وأعلن متقي للصحافيين أن الرئيس الأسد كان مفيداً وبناء وانه سلمه خلاله رسالة من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تعبر عن الود والصداقة مع سوريا. وأجرى الوزير الإيراني محادثات مع الشرع حول الملفين اللبناني والعراقي. وأعلن انه بحث مع الشرع "التحركات المريبة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة وما نتوقع منها أنها تهدف للتوسع والسلطة في مناطق مختلفة في المنطقة كما تولي اهتمامها لصون مصالح الكيان الصهيوني والحفاظ على هذه المصالح بشكل كامل".
وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا) أمس أن الشرع ومتقي "أكدا أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة وضرورة تجنب أي بؤر توتر جديدة".
في هذه الأثناء، منعت السلطات السورية "اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق" من عقد اجتماع لها في دمشق ليل أول من أمس، وقامت أعداد كبيرة من الشرطة ورجال الأمن بإغلاق مدخل البناء الذي يتم فيه الاجتماع، ومنعت الدخول إليه، ثم عمدت إلى تفريق المجتمعين، وهم قادة الأحزاب السياسية المعارضة، ولجان إحياء المجتمع المدني وبعض الشخصيات المستقلة، الذين وقعوا على "الإعلان".
وأكد المعارض المعروف ميشيل كيلو أن "النظام وضع للمعارضة سقف وهو العمل العلني وعدم الاتصال بالخارج". وقال إن لجنة إعلان دمشق لا تستطيع أن تمنع أحداً من إعلان تأييده لما ورد فيه، ولكنه عاد وأكد أن تأييد الإعلان من جهة أو طرف يلتقي بالأميركيين والإسرائيليين- في إشارة إلى فريد الغادري رئيس حزب الإصلاح في واشنطن- لا يعني أن المعارضة السورية ستمد يدها لهذا المعارض حتى وإن شرب ماء »إعلان دمشق« صباحاً وظهراً ومساء.
واعتبر كيلو وهو من أبرز الموقعين على "الإعلان" أن لقاء المعارض السوري كمال اللبواني مع موظفين كبار في الإدارة الأميركية غلطة كبيرة. وأكدت "جماعة الإخوان المسلمين" المعارضة السورية، التي تتخذ مقراً لها في لندن في بيان أمس، "أن مصلحة الوطن هي في التعاون الايجابي مع إرادة المجتمع الدولي ومع القرار الدولي 1636 والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية إسقاطاً لكل الذرائع وسعياً للكشف عن الحقيقة في اغتيال الحريري". وأوضحت أن مطالبتها ناجمة عن شعورها "أن سوريا اليوم في خطر بغض النظر عن جدية الذرائع المطروحة للتدخل في شؤونها".
وشددت على رفضها أن تطال العقوبات سوريا ككل. وانتقد "الإخوان" السلطات السورية لعدم تحقيق الإصلاحات الداخلية وقالوا »لا يزال النظام مصراً على الانفراد بقرار الوطن وعلى عزل أبناء المجتمع وقواه السياسية عن المشاركة ولم يستطع الخروج من عنجهية الخطاب الخشبي الذي عودنا عليه منذ استيلائه على الحكم«.
وذكر البيان أن "الإخوان المسلمين" "دأبوا على تقديم مبادرات لإعادة بناء اللحمة الوطنية" وأطلقوا "النداء تلو النداء ليراجع النظام الحاكم حساباته وليبني مواقفه من موقع المسؤولية التي يتحملها على أساس مصلحة الوطن العليا لا على أساس مصلحة فرد أو فئة أو حزب". وأضاف »لكن الفئة الحاكمة أدارت ظهرها لكل المبادرات الوطنية بما فيها إعلان دمشق الأخير«.
إلى ذلك، أوقف لبنان أمس رجل دين مسلماً بتهمة ارتكاب أعمال »إرهابية« بإيعاز من ضابط مخابرات سوري كان متمركزا في بيروت.
وقالت مصادر قضائية لبنانية إن الضابط السوري أمر الشيخ حسن مظلوم بتنفيذ تفجيرات وإطلاق نار في لبنان. وأشارت المصادر إلى أن قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر أصدر مذكرة توقيف بحق مظلوم بعد استجوابه.
وكان لبنان وجه نفس التهمة الخميس الماضي لستة رجال وقالت المصادر ان مشتبها بهم آخرين في التحقيق لا يزالون فارين.
دمشق، بيروت ـ البيان والوكالات: