تباينت آراء أولياء أمور الطلبة من مواطنين ووافدين على حد سواء حول القرار خلال السنوات القليلة الماضية بناء على انعكاسات واقع التطبيق وآثاره الملموسة في المرحلة السابقة بدءا من التنفيذ.

وجدد بعض أهالي الطلبة الوافدين شكواهم من تزايد الأعباء والالتزامات المالية الملقاة على كاهلهم خصوصا ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة، فيما لسان حال البعض الآخر منهم يقول (رب ضارة نافعة) طالما رسوم المدارس الخاصة في حدود المعقول ومتناسبة مع الميزانيات المتوسطة.

ووفي الوقت ذاته أبدى عدد من المواطنين ارتياحهم من النتائج المترتبة على القرار الذي فرض نفسه في ظل ظروف اقتصادية معينة تمر بها الدولة والمنطقة ككل، ألقت بظلالها على القطاع الخدمي كالصحة..

والتعليم فقد ساهم القرار بصورة مباشرة في تقليل الكثافة الطلابية بالمدارس الحكومية بحسب رأيهم، الأمر الذي يصب في مصلحة الأداء التعليمي بشكل عام في مدارس القطاع الحكومي حيث عدد أقل من الطلبة تمكن مدرسوهم من الشرح لهم بصورة أفضل وأكثر سلاسة ومرونة.

* محدودو الدخل

وقال ابراهيم خالد إنه يقيم في دولة الامارات منذ ما يقارب الأربعة عقود ولديه أربعة من الأبناء لا يألو جهدا في سبيل أن يوفر لهم ضروريات الحياة في ظل موجة الارتفاع المتزايد لأسعار السلع.

والخدمات محلياً لم يسلم منها قطاع التعليم الخاص الذي يشكل حاليا البديل الأوحد حتى يستكمل أبناؤه مسيرتهم التعليمية أسوة بأترابهم من الطلبة الوافدين، مبديا حسرة واضحة على ذكريات جميلة قضاها حينما مر بالمراحل الدراسية المختلفة في الدولة خلال طفولته حيث لم يكن التعليم مجانيا فقط آنذاك.

وانما كانت المدارس الحكومية توزع وجبات متكاملة على طلبة المدارس من مواطنين ووافدين سواء بسواء لا ينقصها حتى الحلوى ولا الفاكهة بالاضافة الى توزيع مبالغ نقدية مجزية عليهم تشجيعا للجميع على استكمال تعليمهم.

واقترح ابراهيم أن يتم مراعاة ذوي الدخول المحدودة على الأقل من قبل القائمين على تطوير المسيرة التعليمية بالدولة آخذين بعين الاعتبار عدد الأبناء وذلك بسبب الفروقات الموجودة أصلا ما بين المستويات المعيشية المتباينة للأسرة الوافدة والمقيمة في مختلف امارات الدولة.

* جوانب إيجابية للتطبيق

بين الاماراتي سالم حامد أحد أولياء أمور الطلبة الجوانب الايجابية للقرار ومن بينها جعل المدرسة بيئة أكثر جاذبية للدراسة والتحصيل العلمي من السابق بالنسبة للتلاميذ.

وذلك من خلال التقليل من الكثافة الطلابية الكبيرة والملحوظة في المدارس الحكومية قبل تطبيق القرار وتحديدا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية المشهد المزعج الذي يتكرر أمامه كلما قام بزيارة الى احدى المدارس التي يلتحق بها ابناؤه.

أما اليوم فان الفصل أصبح يضم طاقته الاستيعابية الطبيعية من الطلبة الذي يتراوح عددهم من 25 الى 30 طالباً كحد أعلى بعد أن كان يتجاوز في الماضي 45 طالبا في الفصل الدراسي الواحد.

حيث يعجز المدرسون عن توزيع اهتمامهم وتواصلهم الفاعل مع طلبتهم بصورة متساوية في الوقت نفسه أثناء شرح الدروس، عدا عن تمكن الطالب ذاته من فهم واستيعاب المنهج، كما أن نفسيات الطلبة تكون مرتاحة بشكل يتناسب والأجواء الدراسية بدلا من تكدس مجموعة كبيرة منهم في فصل يتسع لنصفهم فقط.

»رب ضارة نافعة« هكذا بادرنا خليل محمد أحد أولياء أمور الطلبة القول، موضحاً أنه فضل منذ البداية انضمام أبنائه الى ركب المدارس الحكومية .

ولما جاء القرار لم يجد مفرا من نقلهم للمدارس الخاصة التي تتناسب رسومها مع ميزانيته المتوسطة بعد استشارة عدد من أصدقائه العاملين في مجال التعليم الخاص حول أسماء مدارس تكون رسومها تنافسية ومعقولة بامكانه الالتزام بها خصوصا وإنه اعتاد أن يدفع رسوما حتى للمدارس الحكومية، لافتا الى أن أبناءه ألفوا سريعا أجواء مدارسهم الخاصة الجديدة واندمجوا بسهولة مع بقية زملائهم فيها.

ومن يعلم ربما كان من الأفضل لهم أن يتواجدوا في مدارس خاصة منذ الصف الاول الابتدائي لما تتسم به تلك المدارس من تطور في بناها التحتية مقارنة بالمدارس الحكومية.

ويقف يوسف ابراهيم على طرفي نقيض من خليل في رأيه بالمدارس الحكومية التي يفضلها على الخاصة، ولو كان الامر بيده ما انضم بعض أبنائه السبعة الى مدارس خاصة مختلفة، وقد استشعرت اسراء صغرى بناته بالفرق بينها وشقيقتها التي تكبرها حينما تزامن تطبيق القرار مع انضمام اسراء للصف الأول ابتدائي.

ولم تتمكن من اللحاق بشقيقتها في المدرسة ذاتها لأنه توجب علينا ضمها لاحدى المدارس الخاصة مما أثر سلبا في نفسيتها، الأمر نفسه استشعره جميع أولياء أمور الطلبة الوافدين بحيث يفرق القرار بين مواطن ووافد ويميز الأول على الثاني.

*رسوم مقابل جودة الخدمة

وقال صالح لوتاه المدير التنفيذي لمجموعة "سين سين لوتاه" إنه على اولياء الأمور الوافدين ألا يقصروا نظرهم على النصف الفارغ من الكأس الذي يتمثل هنا بالقرار، لاسيما وأن أبناءهم أصبحوا أوفر حظا من السابق بانضمامهم لمدارس خاصة.

لأن الرسوم التي يقومون بدفعها سوف يحصلون في مقابلها على جودة عالية في مستوى التعليم بدافع من رغبة تلك المدارس في التميز مقارنة بنظيراتها في السوق لتضمن بقاءها واستمراريتها، ولم يعد من المجدي البتة أن نفكر في مجانية تعليم أبنائنا لأن تعليمهم يشكل احد الشؤون الحيوية والمهمة للغاية.

ويجب أن يستثمروا جيدا فيها لأن المجانية لم تعد موجودة بمفهومها السائد وعليك أن تدفع مقابل كل خدمة جيدة تنالها، وخير دليل على ذلك أن الطلبة في المدارس الحكومية كذلك يتكلفون سنويا من ميزانية وزارة التربية والتعليم.

* تدني المنافسة وضعف مستوى التحصيل الدراسي

أشار التربويون في رأس الخيمة إلى أنه عندما كان الطلاب العرب يدرسون جنباً إلى جنب مع أبناء الوطن كانت مستوياتهم الدراسية أفضل مما هي عليه الآن لأنه كانت هناك منافسة شريفة بينهم تشجعهم وتحفزهم على التفوق كما انها تفجر طاقاتهم المختلفة، وهو ما يفتقده بعضهم حاليا.

وقالت مريم عبد الله الشحي ادارية بمدرسة احمد بن ماجد في شعم انه بالمقارنة بين اطفالنا الآن مع امثالهم منذ عدة سنوات نجدهم حاليا في صف ثالث اساسي لا يتقنون القراءة بل كانوا في السابق منذ الصف الاول يجيدون القراءة ويتعلمون الكتابة ويحسنونها في بداية تعليمهم مع مراعاة الفروق الفردية، لكن الآن نفتقد إلى حد ما الدافع القوي للمنافسة واثبات التفوق.

واقترحت اعادة الحاق ابناء الوافدين العرب من الطلاب بصفوف المدارس الحكومية، والاستفادة من قيمة الرسوم الدراسية التي يدفعونها إلى المدارس الخاصة مقابل تلقيهم خدمة التعليم فيها.

وتطرقت مريم عبدالله إلى إحدى المشكلات التي تؤرق الاشقاء العرب من العاملين في الحقل التربوي خاصة من المقيمين في المناطق النائية، فمثلا في منطقة شعم حيث توجد مدرستها احمد بن ماجد، حيث يعاني عدد من المعلمات الوافدات في المدرسة واللاتي لديهن أطفال في سن التعليم، من مشكلة عدم وجود مدارس خاصة في المنطقة المحيطة بشعم.

وتضطر المعلمة منهن تطبيقا لاحد القرارات الوزارية ان تصطحب طفلها الذي لا يتجاوز عمره ست سنوات في الصباح الباكر إلى مدرسة خاصة تبعد عن منطقة سكنها بأكثر من 40 كيلومترا، لأن القانون لا يسمح لها بادخال طفلها مدرسة حكومية في المنطقة نفسها، وعليهما أن يتكبدا مشقة ذلك مرتين كل يوم مع اختلاف مواعيد الدوام والوقت الذي ستستغرقه الأم المعلمة في رحلتي «العذاب» خلال الذهاب والعودة من وإلى المدرسة، وهذه حالة من حالات كثيرة بعضهن لايزلن صامدات، والبعض الآخر منهن قدمن استقالتهن ولم يتحملن الوضع.

وأشار جاسم حمد قضيب مدير مدرسة شمل للتعليم الأساسي للبنين في رأس الخيمة إلى حدوث اختلاف واضح في مستوى التحصيل الدراسي للتلاميذ المواطنين، حيث تأثر سلبا بالمقارنة مع الفترة التي كان التلاميذ العرب يدرسون فيها مع ابنائنا من المواطنين، مما أسفر عن تدن ملحوظ في مستوى التحصيل الدراسي في الصفوف من 1 ـ 5 عنه قبل تطبيق القرار، لأن وجود التلميذ الوافد بجانب المواطن في الفصل يحرك روح التنافس الشريف بينهما.

واختتم جاسم قضيب حديثه مؤيدا للرأي القائل باعادة دمج الطلاب الوافدين في مدارس الحكومة بمقابل مادي معقول، للاستفادة من قيمة المصاريف المدفوعة للمدارس الخاصة والتي لا تقدم خدمة تعليمية تتناسب مع رسومها الدراسية.

وأوضحت عزة راشد مديرة مدرسة الكواكب للتعليم الأساسي الحلقة الأولى في رأس الخيمة ان موضوع دمج العرب مع ابناء الوطن في المدارس كان له سلبيات عديدة، منها انه يكلف الدولة مبالغ طائلة نظرا لكثرة اعدادهم في الإمارات المختلفة وما يتطلبه ذلك من مستلزمات مدرسية منها الكتب والدفاتر والقراطيس والكراسي والطاولات وغيرها، حتى احتياجات الهيئات التدريسية من الوافدين.

موضحة ان الدمج أثر على ابنائنا من حيث عدم اتاحة الفرصة لهم في الحصول على الترتيب الأول، وذلك نظراً لتفوق الوافدين الذين ليس لهم أي اهتمام سوى الدراسة والحصول على المراكز الاولى خلال فترة اعاراتهم او عملهم في الدولة، كما أن المشاركات في الانشطة والمسابقات تقريبا كانت مقتصرة على الوافدين، لأن في ذلك الوقت لم يكن اولياء الأمور من ابناء الوطن يهتمون بموضوع مشاركة أبنائهم في الأنشطة والفعاليات المختلفة إضافة إلى ان رغد العيش الذي يعيشه أبناؤنا وتوفر كل الإمكانيات لهم قد جعل بعضهم لا يهتم اهتماماً كبيراً بالدراسة وقالت انه خلال 7 سنوات من الآن ستحل مشكلة الكثافة الطلابية العالية في الفصول بعد ان يصبح جميع الطلاب في المدارس من المواطنين ودول مجلس التعاون.

وعن ايجابيات القرار من وجهة نظرها ومن الواقع العملي الميداني في مدرستها اشارت مديرة مدرسة الكواكب إلى أن أبناءنا من المواطنين اخذوا فرصتهن كاملة، واثبتوا تفوقهم في الحصول على الدرجات الكاملة والمراكز الأولى في الامتحانات النهائية والمنافسة على الترتيب على المراكز الثلاثة الأولى على مستوى مدارس المنطقة.

وأضافت ان مشاركة ابنائنا في جوائز التميز المختلفة على مستوى الدولة تؤكد تميزهم اذا اتيحت لهم فرص الابداع ووجدوا الاهتمام الكافي بقدراتهم وموهبتهم، ودعت المسؤولين في الوزارة إلى إعطاء المدارس الخاصة مزيدا من الاهتمام والرقابة، وتخصيص موجهين اداريين وفنيين لمراقبة العملية التعليمية فيها، حتى لا يظلم ابناء الوافدين العرب ممن يعملون بالدولة.

*ابتسام الكتبي: التعليم ضحية ترشيد الإنفاق

أكدت الدكتورة ابتسام سهيل من جامعة الإمارات أن القرار المطبق منذ سنوات مضت لا يستهدف البتة الوافدين كما قد يتصور البعض، بل انه جاء نتيجة لتراجع الأداء الاقتصادي في الكثير من دول المنطقة .

وليس دولة الإمارات العربية المتحدة بل انه يكاد يكون تباطؤا في عجلة الاقتصاد العالمي كله وتحديداً في منتصف ثمانينات القرن الماضي ولاتزال آثاره ممتدة حتى اليوم بحيث طالت القطاعات الحيوية المختلفة ولكن بنسب متفاوتة، ولم ينج منها بطبيعة الحال اثنان من أهم القطاعات الخدمية.

وهما قطاع الصحة والتعليم الذي وقع على الصعيد المحلي ضحية لسياسة ترشيد الإنفاق على الرغم من أنه يعد استثماراً بشرياً مجدياً في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم في النهوض بقطاع التعليم والارتقاء به من خلال شتى الوسائل والسبل.

وتراجع خلال السنوات الماضية التطوير في البنى التحتية في قطاع التعليم بصورة ملفته نتيجة لتقليص حجم الانفاق على مباني المدارس ومستلزمات المختبرات وبقية المرافق الحيوية في المدرسة في حين شهدت الكثافة الطلابية ذروتها في المدارس الحكومية الأمر الذي يعيق الأداء التعليمي المتميز.

وترتب على ذلك قرار وقف قبول أبناء الوافدين فيها لأن الأولوية بطبيعة الحال لمواطني الدولة كما هو متعارف عليه في جميع بلدان العالم.

*تعليمية رأس الخيمة تضم أبناء الوافدين إلى المدارس الحكومية

اجتهدت إدارة تعليمية رأس الخيمة لحل مشكلات الطلاب العرب من الوافدين الذين يدرسون في المدارس الخاصة في الإمارة، حيث لا يوجد فصول دراسية موازية لفصولهم في التعليم الخاص .

وحصلت المنطقة مؤخرا على موافقة وزارة التربية والتعليم بقبول أبناء الوافدين من الطلاب العرب العاملين في القطاعين الحكومي والخاص في الصفين الحادي عشر القسم الأدبي والثاني عشر بقسميه العلمي والأدبي في مدارس التعليم الثانوي الحكومية للبنين والبنات في الإمارة.

وقال عبد الله حسن حماد نائب مدير المنطقة التعليمية للإدارة التربوية ان الموافقة التي سعينا إليها لحل مشكلة أبنائنا الطلاب من الوافدين وتم فتح القبول فيها لحوالي أسبوعين حتى لا يتأثر مستواهم الدراسي، قد استفاد منها 28 طالبا وطالبة تم تسجيلهم رسميا في مدارس التعليم الثانوي للبنين والبنات.

حسب الشروط التي تتضمنها الموافقة، بشرط ان يقوم أبناء الوافدين العرب من العاملين في القطاع الخاص بدفع رسوم دراسية قدرها ستة آلاف درهم عن كل طالب يلتحق بأي من الصفين مقابل الخدمات التعليمية التي يتلقاها في المدرسة الثانوية الحكومية، بينما يلتحق أبناء العاملين في القطاع الحكومي فيها دون دفع أي رسوم دراسية.

وبين ان الموافقة ستخدم شريحة عريضة من أبناء الوافدين العرب المقيمين بالدولة ممن تقدموا لإدارة المنطقة بطلبات كثيرة للسماح لأبنائهم في الحصول على مقعد في فصول المدارس الحكومية الثانوية حرصاً على مستقبلهم التعليمي.

من جانبهم أعرب المستفيدون من الموافقة عن سعادتهم البالغة لتفهم المسؤولين في الوزارة خصوصية الوضع في إمارة رأس الخيمة،والجهود التي قامت بها المنطقة لدعمهم والسماح لأبنائهم بالدراسة.