ارتبط مؤلف كتابنا (الخراج) أبو يوسف بعلاقة وثيقة مع الخليفة الرشيد، وتبوأ عنده مكانة عالية، فكان يؤاكله ويحج معه ويؤمه ويعلمه.. كتب له في كتاب »الخراج«: »وقد كتبت لك ما أمرت وشرحته لك وبينته فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك والمسلمين نصحاً«.

وهذا الكتاب الذي يعد من أعظم كتب الفقه الإسلامي، كان استجابة لرسالة من الرشيد إلى قاضيه أبي يوسف في أن يضع له كتابا في مالية الدولة وفق أحكام الشرع الحنيف، وقد تضمن الكتاب بيانا بموارد الدولة على اختلافها، حسبما جاءت به الشريعة، ومصارف تلك الأموال، وتطرّق إلى بيان الطريقة المثلى لجمع تلك الأموال، وتعرض لبعض الواجبات التي يلزم بيت المال القيام بها.. وهو ما أغفله بعض الولاة.

والكتاب وثيقة تاريخية مهمة في تصوير بعض الأحوال المالية والاجتماعية في هذا العصر، فهو يندد ببعض ممارسات بعض الولاة مع أهل الخراج، حيث يطالبونهم بما ليس واجبا عليهم من أموال، ويشتطون في تحصليها.

ويقترح أبو يوسف في »الخراج« على الخليفة أن يجلس للنظر في مظالم الرعية مجلسا واحدا في الشهر أو الشهرين، يسمع فيه من المظلوم، وينكر على الظالم؛ حتى ينتهي الولاة عن ظلم رعيتهم، كما حثّه على أن يجيب مطالب المزارعين وأهل الخراج في كل ما فيه مصلحة لهم، كحفر الأنهار. ويلتزم بيت المال بالإنفاق على تلك المشروعات.. وخلاصة القول إن أبا يوسف وضع نظاما شاملا للخراج يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.

ويمكن أن تقسم الموضوعات التي عرضها المؤلف في كتابه إلى ثلاثة موضوعات:

الموضوع الأول الذي استغرق الجزء الرئيسي في الكتاب هو ما يصنف في المالية العامة تحت عنوان الإيرادات، الموضوع الثاني الذي بحث تبعا لذلك هو ما يصنف تحت عنوان النفقات، الموضوع الثالث الذي تضمنه الكتاب فيمكن تصنيفه تحت عنوان أخلاقيات النظام المالي في الاقتصاد الإسلامي.

أبو يوسف مجتهداً

يتفق المؤرخون في أن أبا يوسف يعد صاحب الفضل الأكبر في نشر المذهب الحنفي، وأنه كان من أفقه أهل عصره، فهو أول من وضع في أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وأملى المسائل، وبث علم الإمام في أقطار الأرض.

ومع اتصاله بأبي حنيفة اتصال التلميذ بالأستاذ، وأخذه الفقه عنه.. فإنه خالف إمامه في مسائل متعددة، واستقل في تفكيره عنه؛ ولذا عدّه بعض العلماء من المجتهدين المستقلين الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة وليسوا تابعين لأحد في اجتهادهم، كالأئمة الأربعة.

وفي 5 من ربيع الأول 182 هـ ـــ 21 من أبريل 798م توفي أبو يوسف وصلى عليه الخليفة هارون الرشيد، وأمر بدفنه في مقابر قريش، وسمعه السامع يوم مات يقول: اللهم إنك تعلم أنني لم أَجُر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

أحمد حلمي سيف النصر