القرآن الكريم وأثره في حياته صلى الله عليه وسلم
القرآن الكريم ليس كلاماً يتلى ولكنه دستور شامل كما أنه دستور للحياة العلمية وقد تضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية من لدن آدم وقدمها زاداً للأمة المسلمة في جميع أجيالها وتجاربها في الأنفس وتجاربها في واقع الحياة.
والقرآن الكريم يبني عقيدة المسلم وتصوره وأخلاقه ومشاعره وأوضاعه. كما أنه يتألف النفوس ويطبعها على أن تعرف بما يرسل من رحمات ويبث في الأرض من بركات.
إننا نجد من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التركيز على قراءة القرآن وإسماعه كل من أراد أن يعرف ما هو الإسلام وما هي أهدافه فالعرب في الجاهلية وهم أهل الفصاحة والبلاغة كانوا يصغون للقرآن فمنهم من ينجذب إليه فيدخل في الإسلام ومنهم من يحول الحسد والكبر دونه فيعاند ويبقى على شركه وحينما نقرأ دعوة القرآن في المرحلة المكية نجدها تؤكد على توضيح قضية واحدة وأمر واحد لم يتجاوزه إلى المسائل الأخرى إلا قليلاً، إنها قضية »العقيدة« التي راح القرآن الكريم يحبك بأسلوبه المعجز وآياته البينات جوانبها الشاملة وبناءها المتشابك في نفوس أتباعها وعقولهم وضمائرهم ويحيلهم واحداً بعد آخر ويوماً بعد يوم إلى شخوص حية تتحرك بالقرآن فتكون حركتها تعبيراً حيوياً واقعياً عن التصور الجديد الذي طرحه القرآن وجاء لينعكس بالضرورة على السلوك اليومي للإنسان المسلم.. فكم من المسلمين قادتهم إلى الإسلام تلك الهزة الوجدانية التي أحدثتها آيات القرآن الكريم الساحرة المعجزة وهي تتلى عليهم فتغسل ضمائرهم وتزيل ران قلوبهم.
هذه الآيات التي جذبت القلوب وأدهشت الألباب وشنفت الآذان كانت هي السبب في أن يتلو الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن على الرجال والنساء حينما ينزل عليه لأنه يعلم اثر القرآن الكريم في النفوس.
ففي حديث عن مجاهد قال: كان إذا نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأه على الرجال ثم على النساء.
ولو تتبعنا أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته نجد أنه في كل موقف يبدأ بقراءة القرآن لأنه مفتاح القلوب والعقول فهو السلاح الوحيد أمام أمة نشأت على الفصاحة والبيان وسرعة البديهة.
ومن الواجب على الداعي أن يجند نفسه ويوجد الرصيد الكافي من الإطلاع على كتاب الله عز وجل وفهم آياته ومعرفة أسباب النزول ومناسبة الآيات ليقوم بواجبه على الشكل المطلوب وينجح في دعوته كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
فقد كان صلى الله عليه وسلم يبدأ دعوته بالقرآن الكريم فقد روى ابن اسحاق: »إن أبا بكر لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من ترك آلهتنا وتسفيه عقولنا وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إني رسول الله ونبيه بعثني لأبلغ رسالته فأدعوك إلى الله عز وجل فوالله إنه للحق وأدعوك إلى الله يا أبا بكر وحده لا شريك له ولا يعبد غيره والموالاة على أهل طاعته وقرأ عليه القرآن«. وقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر مهمته وأنه رسول رب العالمين فلم يجبه بأنني لم أفعل كذا وكذا كما سمعت من قريش ولعل الحكمة من ذلك بأن ينسيه هذا الذي سمعه والذي تحدثت به قريش حتى صارت تحذر منه ثم دعاه إلى الله عز وجل وحلف له أنه صادق وهذا تأكيد على ما عرف به من صدق وأمانة وأنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده.
وبعد أن جعله يتمعن كلامه ويتدبره اسمعه شيئاً من كتاب الله عز وجل البليغ الذي أدهش العرب وأعجزهم فلا يسعه إلا أن يتشهد شهادة الحق ويدخل في دين الله عز وجل ومن صور الدعوة بوسيلة القرآن الكريم الذي هو من أعظم الوسائل للعرب على وجه الخصوص ما روي عن ابن اسحاق قال: »انطلق أبو عبيدة بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الأسد وعبد الله بن الأرقم المخزومي وعثمان بن مظعون حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن فأسلموا وشهدوا أنه هدى ونور«.
من هذا النص يتبين لنا الأثر العظيم الذي أحدثه القرآن الكريم في نفوس الكثيرين حتى أصبح جلهم يتوافدون لسماع آيات الله وما أشد تأثيرها حينما يقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما وسع هؤلاء النفر الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أيقنوا أن القرآن يدلهم على الله ويسلك بهم إلى الطريق المستقيم والهدى القويم ونور يجلو الله به ظلمة العقول والقلوب.
فهاهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل وفد النجاشي الذي جاء ليعرف حقيقة الإسلام فيقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فيتأثرون ويبكون فتنهمر الدموع من أعينهم، إنه اثر القرآن الكريم الذي لامس قلوبهم وعقولهم فأثمر نوراً وهداية حتى أعلنوا الدخول في الإسلام.
فالقرآن الكريم سلك شتى السبل واتبع شتى الأساليب ليواجه شكوك القلب البشرى وانحرافاته وآفاته ويأخذ عليها المسالك ويعالجها بكل أسلوب وفي أسلوب القرآن الكريم المتنوعة زاد للدعوة والدعاة إلى هذا الدين.
فقد كان صلى الله عليه وسلم يرجع إلى القرآن دائماً فيشعر أن ربه يؤويه إلى كنفه ويمسح على آلامه ويسري عنه ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت الجاهلية وسوءتها وتطاولها فيفيض الله عليه بالثقة والطمأنينة وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة.
فالقرآن الكريم هو المدرسة الإلهية إنه صانع القلوب. ومن هذه المدرسة يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون تخلص نفوسهم لدعوة الله فلم تضن عليه بشيء ولا تحتجز دونها شيء لا الأرواح ولا الأموال ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية.
إن هذا القرآن يبني عقيدة المسلم وتصوره وأخلاقه ومشاعره وأوضاعه وهذا القرآن لا يفتح كنوزه ولا يكشف أسراره ولا يعطي ثماره إلا لقوم يؤمنون به ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان فلقد فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان.
ويصدق هذا ما قاله الصحابي حذيفة بن اليمان: »إنا قوم أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القرآن وإنكم قوم أوتيتم القرآن من قبل أن تؤتوا الإيمان«.
وهذا الإيمان هو الاستجابة التي أمر الله عز وجل في كتابه العزيز حينما خاطب المؤمنين قال تعالى: »يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون« (الأنفال:24).
فتضمنت هذه الآية أموراً: منها أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله.
وقال قتادة: هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.
لقد سار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهج نبيهم في الدعوة فكانوا يبدؤون دعوتهم بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيقاً لقول الله تعالى: »هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة«.
فالله تعالى أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أمته القرآن الكريم ثم يعلمهم أحكام القرآن وهذا يفيد أن تلاوة الآيات شيء وتعليمها شيء آخر وأن التزكية شيء وتعليمها شيء آخر زائد على مجرد التلاوة والتعليم.
يروي ابن اسحاق قصة إسلام جماعة على يدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: فأسلم على يديه فيما بلغني: الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ومعهم أبو بكر فانطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الإسلام وبما وعدهم الله من الكرامة فآمنوا وأصبحوا مقرين بحق الإسلام فقراءة القرآن على أسماع المدعوين من أولويات الدعوة بل هي ركن أساسي له أهميته القصوى فعلى المربي أباً كان أو أماً أو معلماً ألا يتهاون مع أولاده في تلقينهم كلام الله منذ الطفولة لأن الطفل صافي السريرة مهيأ لأن تضع في قلبه أي شيء تريده لكن الأولوية للقرآن الكريم فعندما يقرأ الطفل القرآن ويحفظ بعضاً منه فإنه قد لا يفقه معانيه ولكنه إذا انغرست هذه الكلمات في صدره وحفظها في سره. سوف تنكشف أسراره ويعرف مراميه عندما يكبر ويكون ألصق بالقرآن فتقوى لغته ويفصح لسانه وتتسع مداركه لأنه إنما يستمد هذه الأشياء تلقائياً منذ أن حفظ الألفاظ بإيقاعاتها وشداتها ووقفاتها ونبراتها وهذه هي معجزة القرآن الكريم في اختراق القلوب.
ومن خلال سماع المشركين للقرآن الكريم جعل منهم يتوافدون على سماعه لما يجدونه من جاذبية وعذوبة يشعرون بها ويتذوقونها مع كونهم كفاراً قد حجبهم الحسد والحقد عن الدخول والتصديق لرسالة الإسلام.
رجاء علي