حديث الشيخ (246)

الحياة تكشف قبحها

ماهر سقا أميني

قال الشيخ: عجيب أمر هذه الدنيا، فهي لا ترضي أحداً ومع ذلك يتعلق الجميع بها، تحمل كل امرىء أثقالاً كالجبال، هم وغم ونكد، وحاجة وافتقار وعدم إشباع، صراعات وأهوال، وأزمات تزحزح الجبال، ثم يلهث الجميع وراءها وآثار سياطها على الوجوه والأجسام.

حياة لا تصفو دائماً لأحد، وهي أقرب إلى الغدر منها إلى الوفاء، تعطي بيد وتأخذ بأيدي، تتجمل كعجوز شمطاء لا يزيدها التجمل إلا غرابة وقبحاً، ثم يتغزل بها الناس كأنها غادة حسناء خالية من كل ما يدعو إلى الاشمئزاز والقرف.

هذا زمن خلعت فيه الحياة الدنيا برقعها ونزعت عن وجهها قناعها فبدت بكل السوء فيها، تصارع فيها الناس وتقاتلوا على السراب، وهي لا تنفك تريهم من دلال وتمنع لا تستحقه، والناس في سعيهم إلى الفتات الذي تلقيه لهم كأنهم قد فقدوا عقولهم وذائقتهم وكرامتهم.

طالعوا أية صحيفة يومية، مجلة أسبوعية أو شهرية، طالعوا قنوات التلفزيون اللانهائية، ثم احسبوا كم تحتل مساحة الجمال نسبة إلى القبح والدم والخسارة فمع كل ما يتفنن به الإعلام من محاولات مستميتة لخلق جمال مصطنع غير طبيعي وغير تلقائي يأبى الوجه الشيطاني المرعب للدنيا إلا أن يكون مسيطراً يشغل ويؤلم الحواس.

يقول شاعرنا »مأمون شقفة«:

ما هذه الدنيا ورائي أرهقت من يلهثون

لا تستقــر على قـــرار

وتــدور مهما الدهــر دار

غرّي سواي... لقد ذهبت بشطر عمري

لست أعطيــك المزيــد

إني نظرت إلى البعيد، إلى رضى ربي المجيد.

كأني بإنسان هذا الزمان بعد أن خبر الدنيا وأحوالها، ورأى غدرها وسوء مآلها، أنجز اختراع تأجيج نيران الشهوات لعل جنونها يخفف شيئاً من وقع صورة الحياة القبيحة. صحيح أن الرذائل كانت موجودة منذ أن وجد الإنسان، ولكننا اليوم لم نعد نسميها رذائل وصرنا نظهرها ونتفاخر بها، وندعو الأجيال إلى الحياة عليها باعتبارها الصورة الوحيدة الممكنة لجمال الحياة.

إن عملية »التجميل« القسرية التي نمارسها كل يوم لنجعل الحياة الشرسة المرعبة جديرة بأن تعاش لاعتبار وحيد هو اللذة، ماضية لا تلوي على شيء ولا تستحي من أحد، فعلى إنسان القرن الحادي والعشرين أن يعيش معارك العمل والانجاز الفردي الطاحنة، ويغرق في جنون الشهوات واللذائذ وسكرها، لأن الصحو يمكن أن يصعق صاحبه عندما يرى أن كل سعيه ونضاله ومبارزته في عمره تنتهي إلى لا شيء.

من طريف ما اطلعت عليه قول بعض المحللين اليوم إن الإنسان في هذا الزمن لم يعد قادراً على أن يمارس عملاً واحداً بمفرده في ساعة من النهار، لأن الوقت والمعارف والأهداف لا تسمح بذلك، وتحاول التكنولوجيا الحديثة أن تصل إلى أجهزة ووسائل تمكن الانسان من ممارسة حزم من الأدوار والأفعال والمهمات في الوقت نفسه.

في ظل هذه الأنماط الهجينة من الحياة، أرى الإنسان وقد تحول إلى نصف مجنون، لا يملك أن يعيش خبرة واحدة بسيطة ولذيذة وأن يستغرق فيها، إن هذا التشتت والتوزع والانقسام والفصام في الشخصية الإنسانية كفيل بالقضاء على أية خبرة أو تجربة أو حال طبيعية وعفوية وتلقائية، فالأمر هنا أشبه بجائع عليه إن سمح له بأن يأكل أن يلتهم مزيجاً من عشرين لوناً من الطعام يفسد كل منها طعم الآخر.

في مثل هذه »العصفورية« يأتي صوت شاعرنا »مأمون شقفة«:

هذا الذي ركب الحيــاة مزمجراً ومعربـــداً

هلا أتى الشط الجميـل ليستريح مع المـــدى

ومع الهدوء... مع النجوم الفاتنات... ويسعــدا

يا رب جئت مسبحاً ومهللاً... يا رب جئت موحداً

اسم يطلق في الشام على مشفى المجانين على ألسنة العامة