ازدهار الأمم وضع المسلمين عند الاستجابة
إن تصحيح الفكر الراقي بالمنهج الصافي عند بعض المسلمين أمر مطلوب من الجميع من خلال تكاتف الأيدي الأمينة والمخلصة ويحتم ذلك واقع البشرية المعاصرة التي ينبغي عليها أن تستيقظ من السبات الذي أدي إلى تأخر المسلمين وتأرجح بعض أفكارهم. فالرجوع إلى المنهج الأصلي للتشريع الرباني والانصياع التام لأوامره أمر مهم وفي غاية الأهمية ويعتبر من الأمور الحتمية ( فلو أن المسلمين استجابوا لله ورسوله في تفهم الكون واستشفاف آفاقه، لاطّرد تقدمهم في علوم الكيمياء والطبيعة والنبات والحيوان وغيرها، ولكانوا أسبق الأمم إلى امتلاك ما في البر والبحر من ثروات رغم أن معظم الثروات الطبيعية في حوزة أراضيهم الواسعة، ولرفعوا بذلك كله راية الإسلام، وحرموا الضلال من أسباب البقاء والمنعة لكنهم ـ من أثر الثقافة المريضة ـــ لم يدركوا أن آيات العظمة الإلهية مودعة في خلق الأرض والسماء، فظن بعضهم أنهم يعظمون الله بترديد بعض أسمائه الحسنى، أو الجدل النظري في صفاته، أو بالنظر السطحي في ملكوته، ثم بعد ذلك الانطواء على النفس واعتزال الدنيا) فيالها من مصيبة عظيمة ومحنة كبيرة، فلا يمكن في نظري أن نتطور بهذه الثقافة المعوجة ونتقدم إلى الأمام بل نعود ونركن إلى مؤخرة الأمم المتحضرة.( لأن فواجع رهيبة قد أصابت المسلمين بسبب غمط الأذكياء وتقديم الأغبياء، والعرب يرجحون عصبية الوطن والنسب على الكفاءة العلمية والإدارية، والمستبدون من الناس يقدمون مشاعر الزلفى والملق على القدرة الرائعة والخبرة الواسعة ) فلنستيقظ من السبات العميق المسيطر على عقولنا ولنفق من الغفلة ولننظر إلى الماضي العريق والحاضر الحديث الذي يمتلكه غيرنا فكان الازدهار بالعلم وسعة الأفق سبيلا للوصول إلى هذه المنزلة التي وصلوا إليها فإذا امتثلنا لذلك لا ريب أننا سننهض إلى الأمام وترتقي الشعوب وتنعم البلاد كافة بالأمن والسلام والحب والوئام....( لقد تعرضت أمم أخرى لنزوات الساسة المستبدين، وقاست منهم مثل ما قاست بعض شعوب الأمة الإسلامية أو أشد... وقد استطاعت تلك الأمم أن تتخلص منهم بالعزل أو الفتك.
ثم وضعت دساتير تنظم العلاقات بين الشعوب والحكام تنظيما يمنع المظالم، ويوصد الأبواب في وجوه لصوص السلطة الذين يثبون على الأمم بين الحين والحين فيملكون زمامها، ويعبثون به كيفما شاء لهم الهوى..
فلماذا لا ننتفع بتجارب الآخرين في مضمار تشابهت فيه الآلام، وتوحدت فيه المصالح؟؟ للشعوب من رعاية، وما يحفظ لهم من حرمات...وعلى اختلاف هذه الدساتير وقوانينها فتعتبر أدنى إلى ما وعينا من مثل عليا في ديننا وكانت محل تنفيذ في عالمنا الإسلامي كالديمقراطية ( الشورى ) ومراعاة المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة وتوفير وسائل الراحة ورغد العيش للأفراد...
ويمكن للمسلمين ــــ على ضوء مشكلاتهم التاريخية الخاصة ــــ أن يستفيدوا من هذه الأصول الدستورية، وأن يضعوا نماذج نصب أعينهم وهم يرسمون حياتهم السياسية الجديدة...).
فالعالم العربي والإسلامي في هذا العصر بحاجة ماسة إلى تطوير فكره وصياغة عقول أبنائه بمختلف فئاتهم العمرية وذلك من خلال اتباع المنهج السليم والقويم في الابتكار كعملية تطوير الفكر الابداعي شريطة ان لا ينحاز امام العواطف الجياشة فيكون مصدره العلم الحقيقي الذي يعتمد على الاشياء الثابتة والواقعية في الحياة وكذلك تطوير التعليم وتوظيفه التوظيف الايجابي في مجالات الحياة المختلفة الفكرية والهندسية والمعمارية والثقافية....وذلك من خلال تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تعيق حركة التقدم العلمي كتنويع مصادر المعرفة الشاملة للحياة العامة والخاصة وفي مراحل التعليم المتعددة بحيث لا تعتمد على الدراسة النظامية العامة اعتمادا كليا على النسب المئوية مع إهمال جانب المهارات والأنشطة الذاتية التي يمتاز بها بعض أفراد المجتمع فالاهتمام بهؤلاء أجدر نفعا للأمة فإذا أُهمل هؤلاء ولم يجدوا العناية الفائقة بهم لا شك أنهم يضطرون في المستقبل إلى هجر وطنهم ويذهبون إلى الدول الصناعية الكبرى للمحافظة على قدراتهم الذهنية فيستفيدون من تلك الامتيازات التي تقدم لهم فيستفيدون ويفيدون تلك الدول وتكون النتيجة حرمان أمتهم من خبراتهم العقلية.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي