ازدهار الأمم وضع المسلمين عند الاستجابة

من المعلوم أن الحضارة هي (نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء والتعمير، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية عنه بل تستنهض هممه العالية وينطلق ليسر في طريقه إلى فهم واقع الحياة وازدهارها في كل مجالاتها)، فلا يفهم واقع الحياة إلا من خلال الاندماج مع الآخرين ومحاكاتهم بغض النظر عن الأفكار والمعتقدات التي يعتنقها كل فرد من أفراد المجتمع الراقي لأن الهدف الحقيقي من ذلك الالتقاء هو أخذ الفائدة التي تنفع صاحبها في المستقبل كأخذ الحكم والعبر والمواعظ وشتى دواعي الحياة .... من الآخرين وبعد ذلك يمحص الإنسان ما أخذه فيأخذ ما هو جيد ويترك ما هو رديء ويتناول بذوقه الحسن ويهجر القبيح وهكذا الشأن بالنسبة للحركات العلمية بمختلف أنواعها التي ازدهرت بها الحضارات لا تتولد من فراغ بل لابد من تبادل الخبرات العلمية والفكرية...وامتزاج بعضها مع البعض الآخر، كيما يحقق الإنسان بعض طرق السعادة والرقي المادي في ظل حياته ( فالحركة العلمية والحركة الحضارية ـ بطبيعتهما ـ لا تبرزان في مرحلة الإنشاء والتكوين، لأنهما تحتاجان إلى استقرار لا يتوفر في مرحلة الإنشاء، وإلى جهد فائض عن الضرورات بينما الجهد كله في مرحلة الإنشاء يبذل في التأسيس والتمكين. كما تحتاجان إلى زمن يمضى بعد استكمال التكوين تتم فيه عملية »التمثيل« للقيم والمبادئ والأفكار لتتجه بعد ذلك إلى »الإنتاج« في مجالات العلم والحضارة المادية. ولكن »البذرة »التي تتولد عنها كل من الحركتين تنشأ في الحقيقة من نقطة الابتداء وتظل كامنة حتى تستوفى نضجها الطبيعي فتولد كما يولد الجنين المكتمل الأعضاء بعد أن يستكمل أطواره في خفية عن العيون).

إن معظم الحضارات العريقة التي ارتقت وتقدمت بإنجازاتها الباهرة كانت منفتحة على الآخرين تأخذ من غيرها كل ما يواكب متطلبات حياتها وشعبها وما يُقوم معيشتها من غير إفراط ولا تفريط فها نحن نرى جهود بعض المسلمين الأوائل على مر العصور قد اغترفت حضارتهم واستفادت من الحضارات الأخرى المزدهرة كالحضارة اليونانية والفارسية والرومانية في ذلك العصر فما لم يكن موجودا عند المسلمين أخذوه بإتقان وتفكير ودراية من عند غيرهم فبنوا وشيدوا حضارة الإسلام التي مازالت آثارها الخالدة قائمة إلى أن يشاء الله.

هذا ولا يمكن لأي مجتمع بشري أن يرقي ويتقدم إلى الأمام دون أن يختلط ويندمج مع الآخرين فالانعزالية لا تولد إلا التخلف ولا يكون نتاجها إلا التأخر والتقهقر في كل مجالات الحياة لاسيما العلمية منها والمادية التي تعتبر المصدر الثانوي للإنسان فلا ريب أن صاحب هذه الانعزالية قد يكون عرضة للأخطار المدلهمة في الحاضر والمستقبل وذلك من خلال عدم موافقة لمتطلبات الحضارة التي يعيش فيها سواء أكانت تلك الحضارة قديمة أو حديثة والتلاؤم مع إنجازاتها المختلفة.مثل الأشياء المحسوسة والمشاهدة...فمهمة العلم المادي تتمثل في ( التعرف على الخواص الكامنة في الأشياء، ويتعرف على الروابط الأزلية الثابتة بين بعضها والبعض الآخر، ويدوّن ذلك في قوانين مضبوطة خالدة، وخطواته القائمة على الحس الدقيق والعقل الواعي تؤسس يقينياً باستحقاق الاحترام والتقدير من كل فرد فاهم وناضج فكرياً) ومن المعلوم أن الأفكار كالأزهار لا تأتي ثمارها إلا إذا تفتحت وتضوعت ( نشر العطر) ولا يمكن للثمرة أن تأتي دون أن تنفتح الزهرة ولا يمكن أن تنفتح الزهرة إذا لم تجد المناخ الملائم الذي يساعدها على ذلك، والإنسان الباحث عن السعادة والرقي كالنحلة التي تمتص الرحيق من الأزهار المختلفة اللون والطعم حيث تأخذ منها جميعها، وبعد ذلك تفرز العسل الخاص بها.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي