لا تعتذر متأخراً
كل بلد يعاني من أزمة خاصة، وهذا واضح اليوم والأمس وفي كل لحظة نفتح فيها جهاز التلفزيون أو نطالع فيها الجرائد، لا يوجد بلد أفضل حالاً، ولم يعد التطور ولا العافية السياسية الديمقراطية تحصن بلداً من الأزمات، فالفلبين مثل بريطانيا، والسعودية مثل فرنسا، والأردن مثل أميركا والكل بين مطرقة الأزمات وسندان الانفجارات بمختلف أنواعها، لقد ولت أزمنة الهدوء والاستقرار، على ما يبدو، في ظل الجنون الحاصل، وفي ظل الظلم واغتيال الحقوق البسيطة للناس البسطاء.
لكل بلد أزمته الخاصة به، والكاتب التركي »عزيز نيسين« يقول في مجموعته »آلة الخطابات« إن: »كل بلد يعاني أزمة معينة، ففي ألمانيا مثلاً تعاني النساء من قلة الرجال، بينما في فرنسا لا يجدون رجلاً يقبل بتسلم منصب رئيس الوزراء، وذلك لسبب ما، بينما تعاني دول العالم الثالث من أزمات الشاي والسكر والخبز واللحم«. ومن أزمة أخرى سيتطرق لها نيسين لاحقاً، وهي أزمة وجود ملايين الرجال الذين يعتقدون أن كل واحد منهم هو الأصلح ليكون رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، لكن القدر لا يوزع المناصب بالعدل!
وهذه حقيقة، فأنت لا تجلس إلى أحد، إلا يبادر إلى تفنيد كل العيوب الموجودة في المكان الذي يعمل فيه، فالخطة العامة مختلة، والميزانية ليست مضبوطة، وسياسات التوظيف أثبتت فشلها، وتطوير الموارد البشرية يسير خطوة للأمام وخطوتين للخلف و.. وحين تسأله عن الحل، يبادر من فوره للقول: »لو أنهم يضعونني مكان مديرنا الحالي، لعرفت كيف أحول كل هذه الأخطاء إلى إيجابيات، ولأنقذت المؤسسة من حالتها المتردية«!
في فرنسا يعرف الرجال حقيقة الأوضاع جيداً، يعرفون حدود المسؤوليات ومكامن الأخطاء، يعرفون على وجه اليقين ان كومة الأخطاء لا يصححها رجل واحد، مثلما أنه لم يصنعها شخص واحد، وأن شخصاً يتسلم زمام منصب كرئيس الوزراء سيتعين عليه التعامل مع حزمة من المشكلات، وعدد لا نهاية له من الأمزجة والجنسيات في مجتمع يموج بالجنسيات والتناقضات، وعليه فإن من يقبل بهذا المنصب لا يفعل شيئاً سوى أنه يشتري لنفسه وجع رأس مزمناً ومجانياً في الوقت نفسه، وهنا يسأل الكثيرون لماذا أزج بنفسي في هذا الأتون مجاناً؟ ومن هنا يعتذر على أساس »رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه«!
لدينا أشخاص لا يصدقون اللحظة التي يبتسم لهم فيها الحظ ليصبحوا مسؤولين، معتقدين أن المسؤولية وجاهة اجتماعية ومكافأة سماوية على طول الخدمة، مع أن الصحيح أن المسؤولية أعمق وأكبر وأثقل من ذلك، إنها أمانة ثقيلة ولقد عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجيال فأبين أن يحملنها، كما جاء في القرآن العظيم. لكن الإنسان عجول بطبعه، ومعجب حتى الجنون بنفسه وبقدراته.. وكثيرون سمعتهم يقولون: »لو عادت عقارب الزمان للوراء وطلب مني أن أتولى هذا المنصب لاعتذرت عنه! لكن بعد فوات الأوان!«
عائشة إبراهيم سلطان