بلغت أعمال العنف في فرنسا مستوى غير مسبوق مع وقوع أول وفاة مرتبطة بها وسقوط عشرات الجرحى في صفوف الشرطة خلال الليلة الحادية عشرة على التوالي لأعمال العنف التي بدت خارجة عن السيطرة.
إذ استغاثت الشرطة الفرنسية بالجيش بعدما تعرض رجالها لإطلاق رصاص، ما دفع إحدى بلديات ضواحي العاصمة باريس إلى إعلان حظر التجول ليلاً، بينما خيم شبح هذه الأحداث على ألمانيا وبلجيكا التي استنفرت قوات الأمن فيها في أعقاب إحراق سيارات عدة في برلين وبروكسل.
فخلال ليل الأحد الاثنين طالت أعمال العنف نحو 300 منطقة في كل أنحاء فرنسا وأصيب 36 عنصراً من الشرطة بجروح وأحرقت أكثر من 1400 سيارة، كما هوجمت أو أحرقت عشرات المؤسسات والمباني العامة بينها مدارس ومراكز شرطة. وتم اعتقال 395 شخصاً.
وهذه الحصيلة هي الأكبر منذ اندلاع أعمال العنف التي أشعلت الضواحي الفقيرة للمدن الكبرى حيث يعيش العديد من الشبان الفرنسيين المتحدرين من مهاجرين قادمين من المغرب العربي أو إفريقيا ويشعرون أنهم مهمشون في المجتمع.
وأثار تصعيد العنف قلقاً متزايداً لدى الطبقة السياسية غداة مداخلة للرئيس الفرنسي جاك شيراك أكد فيها ان "الأولوية المطلقة" هي "إعادة الأمن والنظام العام".
وقال الرئيس الفرنسي في ختام اجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المكلف تنسيق مكافحة الجنح والإرهاب الأحد "اتخذنا عدداً من القرارات من شأنها تعزيز عمل الشرطة والقضاء لأن الأولوية المطلقة اليوم هي إعادة الأمن والنظام العام".
ودعا حزب الغالبية "الاتحاد من أجل حركة شعبية" إلى "التلاحم الوطني" في مواجهة خطر "الفوضى". ووعد رئيس الوزراء دومينيك دوفيلبان بـ "تعزيز قوات الأمن".
لكن على الأرض ما زال الوضع يزداد سوءاً حيث توفي أمس رجل في الستين من العمر كان قد تعرض للضرب على يد أحد الشبان مساء الجمعة في الضاحية الشمالية لباريس.
وهي أول وفاة مرتبطة بأعمال الشغب التي اندلعت في 27 أكتوبر بعد وفاة شابين من أصل مالي وتونسي بشكل عرضي قرب باريس كانا يظنان انهما ملاحقان من قبل الشرطة.
وما يدل على تصاعد موجة العنف إصابة عنصرين من الشرطة بجروح برصاص بندقية صيد في المنطقة الباريسية. وأكد شرطي ان بعض المشاغبين باتوا يريدون "القتل". واعتبر مفوض للشرطة "ان العنف يزداد أكثر فأكثر كل ليلة".
ودعا اتحاد الشرطة الحكومة أمس إلى فرض حظر تجول على المناطق التي تشهد أحداث شغب واستدعاء الجيش للسيطرة على الشبان الغاضبين الذي يشكون من التمييز العنصري.
وقال في بيان "لا يبدو ان هناك شيئاً قادراً على وقف الحرب الأهلية التي تتسع أكثر كل يوم في شتى البلاد". وأضاف البيان "الأحداث التي نمر بها الآن لم نشهد مثلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".
وطالت أعمال العنف ضواحي مدن كبرى مثل مرسيليا وليل وتولوز وكانت أشد من تلك التي ضربت الضواحي الواقعة على بعد عشرات الدقائق من مترو الأنفاق في قلب باريس. ولخص مسؤول كبير في الشرطة الوضع بقوله "ان الموجة والارتدادات" في المنطقة الباريسية وصلت إلى المناطق الأخرى.
وتواجه الشرطة التي يتحتم عليها تفادي أي "خطأ" من شأنه ان يزيد من تفاقم الوضع مجموعات صغيرة من الشبان الملثمين والمسلحين بزجاجات حارقة وقضبان حديدية. وهؤلاء الشبان يعمدون إلى تنسيق تحركاتهم بفاعلية متزايدة بواسطة الرسائل القصيرة عبر الهاتف الخليوي والانترنت.
ولا يخفي بعض المشاغبين الشبان كراهيتهم لوزير الداخلية نيكولا ساركوزي الذي وعد "بتخليص" فرنسا من هؤلاء "الرعاع". وتوعد بعضهم بـ "حرق كل شيء". وأصدر رئيس بلدية مدينة لورانسي المجاورة لباريس قراراً فرض بموجبه "حظر التجول استثنائياً" في هذه المدينة ابتداء من مساء الاثنين.
وهو أول قرار من نوعه منذ بدء أعمال الشغب في السابع والعشرين من الشهر الماضي في ضواحي باريس.وأعلن وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي أمس في بروكسل ان فرنسا »ليست دولة خطيرة« ولا »عنصرية«.
ورداً على سؤال حول الدعوات إلى توخي الحذر التي وجهتها بعض الدول إلى رعاياها الذين يريدون التوجه إلى باريس وضواحيها قال "يجب طمأنة الأجانب والمواطنين الأوروبيين".
وأكد خلال مؤتمر صحافي على هامش اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين ان "فرنسا ليست دولة خطيرة وفرنسا دولة فيها حرية تنقل وليست دولة عنصرية". وأضاف ان "فرنسا دولة واجهت مشاكل"، مؤكداً انه يتم التعامل مع الأوضاع الحالية "بحزم" وأيضاً بـ "تسامح واحترام وعبر الحوار".
وأوصت ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا رعاياها بتوخي الحيطة والحذر. وحذت حذوها كل من اليابان وكندا والولايات المتحدة واستراليا وروسيا التي يزور رعاياها فرنسا بأعداد كبيرة.
وبدأ الوضع يقلق أيضاً الدول الأوروبية حتى ان بعض الصحف تحدثت عن إمكان انتقال عدوى العنف إلى الدول المجاورة بعد ان أحرق مجهولون خمس سيارات في بروكسل حسب ما أفادت وسائل الإعلام المحلية التي نقلت عن مسؤولي الأمن قولهم إن ما وقع هو حادث فردي.
ولا يشبه ما يحدث الآن في باريس كما أنه لا صلة بينه وبين أحداث العنف في فرنسا.ويقطن حي محطة قطار الجنوب عدد كبير من المهاجرين كما انه من أقدم أحياء بروكسل وأكثرها إيواء لمحترفي الجرائم المختلفة.
وفي ألمانيا، كثفت السلطات الوجود الأمني في شوارع العاصمة الألمانية برلين أمس بعد أن أضرم مجهولون النار في خمس سيارات بأحد الأحياء الفقيرة وسط مخاوف من تكرار مشهد العنف الذي يجتاح فرنسا. وقالت الشرطة إن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن الهجوم وأن التحقيقات جارية لبحث الدوافع المحتملة للحادث.
وقال توماس شتيج نائب الناطق باسم المستشار الألماني المنتهية ولايته غيرهارد شرودر: "لا أريد أن أخمن ما إذا كانت تلك الأحداث .. نسخة مكررة من الجرائم" التي وقعت في باريس.
وأكد ان الوضع في ألمانيا مختلف تماماً عنه في فرنسا.وصرح الناطق باسم الشرطة الألمانية بأن جهاز حماية أمن الدولة بدأ تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت هناك صلة بين الجريمة وأعمال العنف والشغب التي تشهدها فرنسا.
باريس، برلين ـ البيان والوكالات:
