قال علي القحيص مدير مكتب جريدة الرياض الإقليمي في دبي بعد مرور عام على رحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) نتذكر اليوم السيرة النقية لزايد الخير ويبقى بنيانه المشيد شاهدا حيا على ذكراه العطرة ومشاريعه النهضوية أنبل تكريم لمسيرته الظافرة.
وأضاف القحيص في مقال له نشرته الجريدة أمس بعنوان: »زايد«:
في الذكرى الأولى لرحيله »لقد بنى المغفور له الشيخ زايد الاتحاد لبنة لبنة بروٍ وتأن وهدوء، وأنصفه شعبه فسار معه على الدرب، وكان الحكيم في عصر غابت فيه الحكمة، والصوت العربي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، وصوت المصداقية الواقعية الذي يتميز به في فكره النهضوي وأصبح نجما ساطعا لا يخبو بريقه لأن الأشجار تنمو وتعيش وتموت واقفة.
وأضاف في العشرة الأواخر من شهر رمضان من العام الماضي، ودع العالمان العربي والإسلامي، بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ونزف قلب الإمارات على فقيدها الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان »رحمه الله« بعد أن أمضى عقودا من الزمن في خدمة وطنه وشعبه، بعد أن صقلته الحياة فأورثته الحكمة والموعظة وبعد النظر، وعلمته أن الحياة عطاء موصول وقد أعطى فأجزل العطاء لشعبه بسخاء، وما خلفه من إنجازات عظيمة شاهد على ذلك وتخلد ذكراه العطرة التي تمر هذه الأيام.
وتابع يقول: »وما عرفناه من مسيرة الراحل في تاريخنا الحديث، أن الرجل كان دائما يقف مع قضايا الإنسان، ويعبر ذلك بالقول والعمل، واتجه في كل ذلك إلى الإنسان أولا، انطلاقا من إيمانه بأنه الأساس الذي يقوم عليه البنيان وهو صاحب مقولة: (الدم العربي أغلى من النفط العربي)..
وما تنعم به دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم من نهضة عمرانية حديثة ورخاء وأمن ونماء إنما هو ثمرة إنجازات وتدابير وحكمة مؤسس الاتحاد الإماراتي، الذي عزم وتوكل لوضع اللبنة الأولى لصرح هذا الكيان الحالي المتماسك الموحد الذي أصبح نموذجا يحتذى به بين البلدان.
واستطرد قائلاً: أبناء الإمارات يتذكرون اليوم ودوما »زايد الخير« من إنجازات عظيمة ومشاريع عملاقة خلفها لشعبه من بعده وبناء مؤسسات دولة راسخة على أساس تطبيق الأنظمة والقوانين لخدمة الشعب الإماراتي الموحد الذي ينعم بالخير الوفير والرعاية الكافية في أرقى وسائل الراحة والازدهار، وتعامل مع أفراد شعبه مثال لا يقبل دلالة على نهج مختلف قائم على الاستيعاب والتعايش والشراكة والتسامح.
ومضى يقول: »وزايد..أسس لهم بلدا فتيا نموذجيا وقاد البلاد بعد أن وحدها لتكون في مصاف الدول الغنية، بعد أن لملم الأطراف بالمجادلة الحسنة والفكر النير والحكمة والموعظة، وحول الصحراء القاحلة الى مركز جذب واستقطاب تجاري دولي، ورفع راية بلاده عاليا ورسخ اسمها في العالم«.
وزاد قائلاً: فقد استفاد الشيخ زايد من حياة الصحراء التي أكسبته الحكمة والصبر والشجاعة، فكانت هذه الصفات رصيدا في شخصيته التي وظفها في بلاده ليقودها إلى ذرا المجد والتألق ولم يهن في عزيمته السير نحو الأمام، وتقريب البعيد وجمع المتشتت وردم الهوة بين المتخاصمين، وقد أعطى الكثير ليصبح نموذجا للعطاء والتضحية في عصر ندر مثله لما حباه الله من عبقرية الفطرة.
وقال القحيص: لقد أجمع الناس على محبته واحترامه في العالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وما كسبته الإمارات اليوم من ثقل سياسي واقتصادي وجغرافي تحقق في عهده وبرعايته، حتى استطاع أن يؤسس كيانها وتدعيم مقومات الدولة حيث قاد سفينة الإمارات إلى بر الأمان رغم تلاطم الأمواج وتجاوز المحن وخاض تجربته بمفرده ليقود سفينته وسط ظروف داخلية وخارجية غاية في التعقيد، وظروف إقليمية خطيرة وظروف دولية متشابكة،
وفي ظل كل هذه المشاكل برزت دولة الإمارات في مطلع السبعينات وليدا صغيرا وليكبر في رعاية زايد.... وخلق دولة قومية منظمة من العدم، وبنى الاتحاد لبنة لبنة بروٍ وتأن وهدوء، وأنصفه شعبه فسار معه على الدرب، وكان الحكيم في عصر غابت فيه الحكمة، والصوت العربي الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، وصوت المصداقية الواقعية التي يتميز به في فكره النهضوي وأصبح نجماً ساطعاً لا يخبو بريقه لأن الأشجار تنمو وتعيش وتموت واقفة.
وأضاف: لقد أصبح رمزاً وطنياً في قلوب شعبه وبقية الشعوب العربية الأخرى، بعد أن صنع معجزات لم يتصور أحد أن تتحقق في زمن صعب لفترة قصيرة، وعرف كيف يستخدم ارثه الماضي ويوظف الأموال داخل بلده ليتدفق خيرا وعطاءً، لما كان يتمتع به من حكمة وعقلنة في أحلك الظروف وأصعبها وهو الذي قال: »لا خير في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعوب«..
حيث امتدت يده »رحمه الله« إلى الأقطار العربية والبلدان الإسلامية الأخرى من دون استثناء، فبنى المستشفيات والمدارس والقرى والمساجد في مصر والسودان ولبنان وفلسطين وباكستان وبنغلاديش والبوسنة وبلدان أخرى شملت أكثر من 95 دولة من دول العالم.
وقال ظل يدافع عن الحقوق العربية ولم تثنه الانكسارات العربية والهزائم، وكان ينادي بالتضامن العربي ويؤكد على الوحدة الخليجية بعد أن ساهم في مجلس التعاون الخليجي وأنشأ أنجح تجربة في الوحدة عرفتها العرب في العصر الحديث.
واختتم مقاله: برحيله قد خسرت الأمة العربية ومنطقة الخليج أحد زعمائها لما كان يتمتع به من حضور وتقدير لدى الشعوب العربية والإسلامية لما كان يتحلى به من التأني والصبر ويقف دائما صفا وكان »رحمه الله« وطنياً من طراز خاص وعروبيا في قناعاته وسلوكياته، ويملك رؤية وحدوية ونهضوية وعمل بأسلوبه الواقعي ليترك وراءه دولة ورجالاً بعد أن بنى الوحدة والدستور والوطن.

