أكد علي محمد الشامسي سفير الدولة لدى باكستان ان ذكرى رحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ستظل تفتح سجلا حافلا بالمآثر والانجازات. وقال في كلمة بمناسبة مرور الذكرى الأولى على رحيل المغفور له الشيخ زايد: لقد حظينا نحن أبناء الإمارات بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله).. فأينما توجه بنا الركب في أرجاء الأرض نجد الذكر الطيب له و يد الخير والعطاء التي مدها بمواقفه لعون الشقيق والصديق.
ويتذكر السفير الشامسي وقت الدراسة فيقول.. كنا صغارا في المدارس ننهل من معينها.. ومع هذا المعين كانت كلماته رحمه الله وأعماله تضيء طريقنا نحو مستقبل مشرق حيث كنا نتسابق إلى حفظ كلماته ليس عن ظهر قلب فقط وإنما نسعى الى تطبيقها عمليا في حياتنا لتكون قدوة لنا. وكانت كلماته في السياسة والثقافة والأدب وعادات وتقاليد العرب وغير ذلك تجسد شخصية حكيم عركته الأحداث وعلمته التجارب..فقد اتاه الله حكمة بليغة مع بساطة في المنطق وقوة في الإقناع.
وقال: في مدينة العين حيث نشأت تشرفت بلقاء الوالد القائد رحمه الله عندما أتى إلى منطقة الجاهلي حين تم اكتشاف عيون للمياه فيها، وكنا نرقب مروره وما إن اقترب موكبه حتى تعثرت قدماي وسقطت أمامه ثم ما لبثت ان وقفت وشعرت بفرحة غامرة بوقوفي أمامه رحمه الله فغمرني بدماثة خلقه وحسه الإنساني وشموخه.
وأشار السفير الى جولات المغفور له الشيخ زايد الميدانية حيث كان يعمل على غرس القيم السامية في أبناء شعبه، وتنمية وصقل ما لدى هذا الجيل من طاقات، كي توظف في معركة البناء والتحديث، التي بدأ مسيرتها رحمه الله، فأصبحت الإمارات في عهده قمة تشرئب لها الأعناق.
الحكمة مواقفه
ويستذكر أيام عمله في بعثة الدولة في جنيف فقال: كان لي الشرف أن أجلس إلى جواره رحمه الله فكانت الحكمة مواقفه وأفعاله وأقواله.. نهلنا من مدرسته وغزير علمه في كيفية تدبر أمور حياتنا اليومية وكيفية بناء الدولة العصرية مع التمسك بالأصالة والتراث.
فكنا في مواقعنا الدبلوماسية وأثناء عملنا نستهدي بخبرته وحكمته في مواجهة القضايا الدولية والمواقف العصيبة التي يتم نقاشها.
ومضى يقول: أذكر مرة موقفا تعرضت له شخصيا أثناء عملي الدبلوماسي عندما كنت أشارك في اجتماعات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جينيف عام 1995، حيث تقدمت إيطاليا بطرح مشروع قرار يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام في المجتمع الدولي، وقدمت مجموعة من الدول الأخرى مشروع قرار مخالفا لهذا المشروع ويطالب بوقف تنفيذ مشروع القرار الإيطالي.
وكما هي العادة في مثل هذه النقاشات والتصويت كان عليه أن أرجع إلى السلطات العليا في الدولة لأخذ الرأي والمشورة، وقد تواصل النقاش حتى وقت متأخر من الليل، وبينما النقاشات جارية فإنها كانت حاسمة وحساسة للغاية، إذ تطلب الأمر زيادة عدد الدول المنادية بعدم إلغاء عقوبة الإعدام، وكان من أبرز هذه الدول مجموعة الدول الإسلامية. واغتناما للوقت وحتى لا يبدأ التصويت قبل الحصول على الموافقة من الجهات الرسمية في الدولة أتتني فكرة تدعم موقفنا الرسمي في التصويت.
فقد تذكرت أن الشيخ زايد صادق على عقوبة إعدام أربعة أشخاص متهمين بقضايا إجرامية يحرمها الشرع، واسترشادا بحكمة القائد وثاقب بصيرته قمت بإدراج اسم دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن قائمة الدول التي ترفض إلغاء عقوبة الإعدام كون هذه العقوبة مما نصت عليه الشريعة الإسلامية وأحكامها الغراء.
كان لزايد رحمه الله منهج فريد في زرع الثقة فينا أبناء الإمارات.
وأشار الى تعيينه ليكون سفيرا للدولة في باكستان فقال: حين تشرفت بصدور مرسوم تعييني سفيرا لدولة الإمارات في دولة هي من أقرب الدول إلى قلبه وتربطه بها علاقة متميزة، وخصوصية قل نظيرها..
تلك هي جمهورية باكستان الإسلامية.. لم يكن يخطر ببالي أن أحظى بمثل هذا التكريم والتشريف من الأب والرئيس والقائد والمعلم.. واعتبرت هذا غاية التكريم، وهو ما أوجب علي صيانة هذه الأمانة وأداء المهمة الموكلة إلي على أكمل وجه أستطيعه.
وكان بحمد الله وتوفيقه أن وطأت الأمور لزيارة قام بها رئيس جمهورية باكستان الإسلامية للقاء القائد والمعلم، كما تمكنت من ترتيب زيارتين لكل من الرئيس الأفغاني حامد قرضاي ورئيس الوزراء الباكستاني اللذين التقياه وحظيت بقطف ثمار هذه الزيارات من خلال مشاركتي باللقاءات مع القائد والمعلم، أستمع إلى حكمته وهو يستعرض معهم الأمور ويوصيهم بما هو خير للبلاد والعباد، وكنت ألحظ القبول لديهما والسرور على محياهم والطمأنينة في نفوسهم لما استمعوه من تجربته في كيفية إدارة الأمور حين تعصف الأحداث.
مغيث المهلوف
في العادة بالنسبة لنظرائنا في بعض الدول وحين جلوسهم مع قادة الدول أو كبار المسئولين يبقى هناك نوع من الرسميات والحواجز النفسية بين المسئول ومرؤوسيه، غير أن ما ربانا عليه زايد الخير أننا كلنا أبناؤه وتلامذته في مدرسته، كان كل واحد منا يشعر أنه الأقرب إلى قلبه وعقله، بساطة في عرض الأمور ووضوح في الأهداف التي علينا أن نحققها، أو في نقل وجهة نظر الدولة والتعبير عنها، وسبق الآخرين إلى مكامن الخير وساحات العطاء.
فقد كان رحمه الله ما يسمع عن باب للخير إلا ولجه، ولا حاجة لشعب ملهوف أو منكوب إلا حاول سدادها، ولا موقف خير وإصلاح ذات بين إلا كان السباق له، يحاول جمع الكلمة وتوحيد الصف ولو أنفق في هذا جهده وماله..
فكانت بحق مدرسة زايد مدرسة فريدة الطراز، أعطت كل ما يمكنها العطاء فكان نتيجة هذا العطاء الذكر الطيب في الدنيا والآخرة إن شاء الله.
وقال ان هذه الشجرة الطيبة التي قضى زايد حياته في غرسها ورعايتها لم يكن لها مجال إلا التمدد أفقيا وعموديا، والانتشار كما هي رائحة المسك الذي تشم رائحته عن بعد، وقد جاء في الحديث الشريف : »إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم يورثه، أو صدقة جارية ينتفع بها، أو ولد صالح يدعو له في ظهر الغيب« فكيف إذا جمع الله لرجل مثل زايد الخير كل هذا دفعة واحدة.
فقد ترك علما يدرس ويرقى لأن يكون مناهج في النظم السياسية المعاصرة من خلال حكمته ونفاذ بصيرته وسعة أفقه، وترك ليس صدقة جارية بل صدقات وأبوابا للخير في كل البلاد تدعو له بالخير والرحمة والغفران، وترك خير خلف لخير سلف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة »حفظه الله« وإخوانه الشيوخ.(وام)