حذَّر سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ المسلمين في العالم من السرعة والتهور في قيادة السيارات.
وقال سماحته: إن هناك فئة تراهم في سياراتهم يتصرفون تصرفات جنونية، وتصرفات خارجة عن العقل والمنطق، وتصرفات دالة على ضعف العقل أحياناً وعلى قلة مبالاة بالنفوس والمجتمع وعدم رعاية الأنظمة وعدم المبالاة بالأرواح.
وترى بعض أبنائنا يتصرفون تصرفات قل عنها: إنها تصرفات جنونية خارجة عن العقل والمنطق، تصرف من لا يراعي نظاماً ولا يبالي بأرواح المسلمين، تصرف مستهتر متكبر مغرور بنفسه معجب بشبابه لا يبالي ولا يرعوي، لماذا ؟،
لأن الإيمان ضعف في قلبه، فكانت تصرفاته خاطئة خارجة عن النظام والمعقول. وهذه التصرفات التي تراها من بعض السائقين المتهورين الذين لا يقدرون للمكان قدره ولا لأي وضع قدره يسوي بين قيادته داخل البلد والزحام.
وبين قيادته خارج البلد، لا يفرق بين هذا وذاك، إنما غرضه الوصول إلى حاجته مهما كانت الظروف ولو على جثث الرجال، لا يبالي بشيء من ذلك. والمسلم الذي يخاف الله ويتقيه ويرجوه هو الذي يحترم دماء المسلمين، والذي يحترم أموالهم ولا يتعدى عليهم، في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن من آمنه الناس على دمائهم وأموالهم).
أخي المسلم، إنك حينما تمتطي سيارتك فاتق الله أولا، وأشكر الله على هذه النعمة، وأنه هيأها لك ويسر لك قيادتها، فاعرف حق الله وأشكر الله واثن عليه واستعن بالله في كل مهماتك، وقل: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يجيبك الملك: هديت وكفيت ووقيت، وينتحي عنك الشيطان ويقول: مالي برجل قد هدي وكفي ووقي؟
أخي المسلم إياك أن تتجاهل حقوق المسلمين، أياك وأن تقودها وأنت جاهل بالأنظمة لا تدري كيف تتخلص من المواقف الحرجة، إياك أن تسلم قيادتها لطفل صغير، لا يرى من صغره.
ولا يقدر للأمور قدرها، ولا يعرف للظروف أحوالها، إياك وأنت يغلب عليك النعاس أو النوم فلا تدري كيف تتصرف، إياك أن تتصرف تصرفات خاطئة.
ومما يؤسف له أن البعض من المسلمين لا يبالي أثناء القيادة، يسوي بين قيادة داخل البلد والازدحامات وبين قيادة خارجها، يسوي بين خارج البلد سواء أكان مشيه ليلا أم نهارا، لا يبالي بذلك مادامت السيارة تمشي فإنه لا يبالي، وربما صادف بهيمة فأدت إلى الكارثة، وربما وقع عليه خطر من غير ذلك لأنه لا يقدر للوقت قدره.
ترى بعض أولئك ـــ هدانا الله وإياهم ـــ لا يفرق بين سيره في طريق مستقيم وطريق فيه تعرجات شديدة، لا يبالي بين ذلك، فهو مسو بين سيره في طريق مستقيم وبين سيره في طريق فيه تعرجات يحتاج إلى ترو وتأمل في الأمر.
بعضهم ـــ هدانا الله وإياهم ـــ لا يفرق بين سيره في طريق سريع، لكل ذاهب طريق غير الآتي، ولا بين طريق مزدوج يشترك فيه الجميع. كل هذه التصرفات تدل على قلة وضعف تصرف وعدم رعاية للمصالح الخاصة والعامة.
أيها المسلم، إنك حينما تقود سيارتك، تصور أن الطريق ليس لك وحدك، وأن الطريق مشترك لك ولغيرك، فإياك أن تزج بنفسك وأن تتلف الأموال أو تجني على النفوس، تدبر وتعقل في أمرك.
أخي المسلم، ربما تقول: عندي ظروف والوقت قصير أريد أن أقطع المسافة الطويلة في أقصر مدة ممكنة، هذا التصور خاطىء، افرض أنك إن تهورت في قيادتك، فتحملت مصائب على نفسك أو على غيرك من إخوانك المسلمين.
ما كنت تقطعه في الساعة الواحدة أضف إلية دقائق تسلم بتوفيق من الله من هذه البلايا، لكن أن تزج بنفسك وتسرع سرعة فائقة متجاوزة للحدود فأي جناية وقعت منك فأنت تتحمل تبعاتها أمام الله جل وعلا؛ لأنك السبب في حصول ما حصل فتبوء بالإثم وعذاب الله يوم القيامة.
أخي المسلم يقود البعض السيارة ولا يراعون الأنظمة المتبعة والأنظمة المفروضة التي لا تخالف شرعا، يجب على المسلم الالتزام بها وطاعة من نظمها؛ لأن هذا من طاعة ولي الأمر بالمعروف.
أخي ترى بعضهم يسير في طريقه لا يبالي بأنظمة السير: كيف يقف ولا كيف ينطلق، تراه يغري من خلفه فهو يقف مواقف غير مناسبة ولا يعطي لمن خلفه تصورا، هل هو سيكون على اليسار أو اليمين، يلقي بعربته في أي مكان دون مراعاة لذلك، تراه أحيانا في سرعته ربما قطع الإشارات النظامية من غير مبالاة ثم تقع الأخطار، ويحاول أن يبرر موقفه بأمر هو كاذب فيه غير صادق.
إن الأقدار بيد الله وكل ما يجري في الكون بقضاء الله وقدره (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) الحديد: 22.
هذا حق نؤمن به ونصدقه ولكن لا يكون الإنسان سبباً في حصول الكوارث. إن على المسلم أن يتقي أسباب الكوارث بقدر إمكانه والأمر الذي يقدره الله أمر لا راد له لكن لا تكن ـــ يا أخي ـــ سببا في حصول ما حصل، أنت خذ بالأسباب النافعة.
وتوقى الشر قدر استطاعتك، وما وقع بغير إرادتك فالله جل وعلا لا يؤاخذك بذلك، أما أن تكون السبب في إتلاف النفوس والأموال فأنت اذن من الخاسرين، هدانا الله جميعا سواء السبيل.
أخي المسلم فكر قليلا في نتائج هذه الكوارث فكر قليلا فيما يحصل من هذه الكوارث العظيمة ربما بقيادتك وتهورك تجني على فرد أو تجني على عدة أشخاص فتكون بقيادتك أتلفت نفوسا كثيرة أحيانا واحدة وأحيانا ربما أتلفت عددا من الناس بسبب سرعتك فتندم على سوء تصرفك ولا ينفعك الندم إذاك.
أخي المسلم يترتب عليه أمور: أولا معصية الله جل وعلا بارتكاب الأسباب التي تخل بنظام السير، ومعصية ولي الأمر فيما وضعه من نظام يكفل بتوفيق الله للسير الانتظام وآداء المهمة.
أمر آخر : فكر ـــ يا أخي ـــ في هذه الحوادث العظيمة كم تقتل بها نفوسا وكم تعوق بها آخرين فما بين من زهقت نفسه وما بين من أعيق بقطع أطرافه وما بين من أصبح عالة على مجتمعه في إغماء عظيم بما يحصل من هذه الكوارث.
وأمر آخر: أفقدت هذه النفوس حياتها ذلكم المسلم الذي يغتنم حياته لطاعة الله ويتقرب إلى الله بما يرضيه، كنت السبب في فقده حياته وانقطاع أعماله التي يرجو أن تكون زاداً له يوم لقاء الله.
هذا الشخص الذي أتلفته له امرأة ترملت وأطفال صاروا بذلك أيتاما وأموال تلفت وسيارات تلفت ويحتاج إصلاحها إلى مال أو تعويضها إلى مال فتبقى في الحقيقة نادما على تصرفاتك الخاطئة إن يكن فيك بقية من خير.
أيها المسلم إذن فعلى الجميع تقوى الله، وعليهم التبصر في أمرهم، وعليهم أن يعين بعضهم بعضا، أعرف أن الطريق ليس لك وحدك فمن خلفك ومن أمامك وعن جانبيك كلهم شركاء لك في الطريق، وكل مثلك يريد قضاء حاجته فلنكن متواضعين في أنفسنا ولنتجنب الغرور والخداع.
ما بالك وأنت تنظر لبعض شبابنا يتسابقون في الطرقات العامة سباقا بينهم لا لهدف سليم ولكن مفاخرة وإزعاجا بالنفوس، وسيارات ما تعبوا على أثمانها ولا بذلوا فيها جهدا، هيأها لهم آباؤهم فهم لا يبالون أتلفوا اليوم ويعوضون غدا، أو مؤمن عليهم لا يبالون بما يفعلون.
ترى بعض أهل الأجرة من السيارات يلقي بعربته متى ما رأى من يشير إليه دون مبالاة بالطريق ومن خلفه ومن أمامه، كل هذه التصرفات الخاطئة تحمل المسلم إثما عظيما. لا يغرك أنك أمنت على سيارتك وأن مؤسسة التأمين ستعفيك عن المسؤولية إن أعفيت عن المسؤولية في الدنيا فبأي شيء تلاقي الله يوم قدومك عليه؟!
إنك ـــ أيها المسلم بقتلك الخطأ تتحمل الكفارة المغلظة: عتق رقبة فإن عجزت فلابد من صيام شهرين كاملين متتابعين لا تفطر بينهما إلا لعذر قهري كمرض أو نحوه، ولو أفطرت بلا عذر يوما لأعدت الشهرين كاملين توبة من الله، وكان الله عليما حكيما.
تنظر إلى أطفال هذا الذي أزهقت نفسه وإلى أهله وكم أضعت وكم أحزنت وكم ارتكبت وكم ارتكبت، فبالله عليك اتق الله في نفسك وراقب الله في سيرك ولنكن أيها المسلمون. على خلق في تعاملنا في قيادة سيارتنا وسيرنا في طرقنا.