أعدت مجلة »الرجل اليوم« التي تصدر في ابوظبي ملفا خاصا عن الراحل الكبير المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها الحضارية.
وقدمت المجلة التي تصدر عن المؤسسة العربية للصحافة والنشر والتوزيع في ابوظبي قراءة مختلفة في شخص وفكر وإنسانية الراحل من خلال بعض أولئك الذين كانوا إلى جانبه من خلال حديثهم عن أيام لهم لا تنسى مع الشيخ زايد وأحداث محفورة في ذاكرتهم تؤكد عبقرية الإنشاء والتأسيس.
وأكدت المجلة ان الدكتور عز الدين إبراهيم واحد من أولئك الرجال الذين عملوا مع الراحل الشيخ زايد رحمه الله الأمر الذي سمح له بأن يشهد أحداثا كبيرة ومواقف كثيرة وحين طلبنا منه أن يحدثنا عن أمور لا يمكن أن تمحى من ذاكرته..
قال خدمت الشيخ زايد - طيّب الله ثراه - أكثر من ثلاثين سنة وكنت مطلعاً على كثير من نشاطاته وأساليبه في تحمل مسؤولياته الكبيرة وهنا أود أن أركّز على صفة رئيسية فيه لعلها أمّ الصفات جميعاً وهي أنه قد آتاه الله ما يمكن أن أسميه »عبقرية الإنشاء والتأسيس« لأنه أمضى فترة حكمه التي زادت على ثلاثين سنة في إنشاء دولة لم تكن موجودة لا بالتسمية ولا بالحدود ولا بالإمكانات الاقتصادية ولا بمظاهر التنمية الفريدة التي تميزت بها فيما بعد ومع ذلك فإنه بالحكمة والصبر والعمل الدؤوب أنشأها فصارت كما نعرفها الآن دولة الإمارات العربية المتحدة والنموذج الفريد الناجح بين الدول العربية التي أصبحت تعد من دول الرفاهية الاجتماعية.
وأضاف أن »عبقرية الإنشاء والتأسيس« لا تقف عند هذا الحد لأنها تحتاج إلى العامل الإنساني في العلاقة مع أبناء البلاد وحكامها بأبوة صادقة وقيادة عطوفة محبة..
وكان الشيخ زايد في ذلك موهوباً يجالس الناس ويخاطبهم ويزورهم في بيوتهم ويحضر أعراسهم ويواسيهم في أحزانهم ويتنقل بين المدن والقرى والمحاضر والواحات ما كان منها قريب أو بعيد واستحق بذلك أن يشار إليه على أنه »أبو الجميع«.
أب وأخ للجميع وقال »لَعمري لا توجد صفة تميّز القائد الناجح عن غيره مثل أن يكون أبا وأخا وصديقا لجميع المواطنين وأذكر مرة أنني حضرت مجلسا للشيخ زايد حيث وفد إليه عدد من المسنين وأهل البادية فحدثوه عما كانت عليه حالهم قبل حكمه وإنشاء الدولة وما صارت عليه هذه الحال بعد ذلك وكيف أنهم في نعيم وراحة واكتفاء وسهولة وختموا حديثهم بالدعاء وعندما نظرت إلى الشيخ محاولا قراءة انفعالات وجهه فلم أرَ فيه عجبا أو افتخارا أو تمننا مما كان يمكن أن يحصل من غيره وإنما هي السكينة وتكرار عبارة »الحمد لله« مرارا وتكرارا ثم لاحظ الشيخ وجودي.
وقال: هل سمعت يا عز الدين قلت نعم قالوا الحقيقة يا طويل العمر ولكن للكلام بقية وهي أنه قد وفد عليك من خارج الدولة أقوام آخرون ليسوا من أهل البادية ولا من قدامى المواطنين ولكنهم عرب مثلي فنالوا من حسن الرعاية ما نال هؤلاء فهم أيضا يضمون أصواتهم إليهم ويقولون لك عمَّ الخير جميع المتصلين بك وأمرتني أن أذهب إلى الخارج لبناء المساجد والمدارس والمساكن وتوزيع الخيرات وكأني بالشيخ يستلهم عبارة الحمد لله مرة أخرى ولم يزد على قوله »كله من فضل الله عليّ وعلى الناس فالحمد لله أولاً وآخراً وعلى الدوام«.
أما الدكتورعبد الرحمن مخلوف الذي وفد إلى أبوظبي قبل قيام الاتحاد وعايش الوضع هنا وما مرَّ خلال تلك السنوات من أحداث فعنده من الذكريات الكثير لكننا أردنا منها ما يخص الحقل الذي عمل فيه وهو هندسة المدن فقال في بداية حديثه..
يوم وصولي إلى أبوظبي قادماً من القاهرة رأيت في طريقي من المطار إلى المضيف إعمارا يجري إنشاؤه ممتدا على صفحة شاسعة من الأرض فغمرني إحساس بأن كل لحظة وكل مكان هما جزء من تاريخ يتم صنعه في حركة منطلقة واثقة نحو مستقبل منشود.
وأضاف كان أول لقاء لي مع الشيخ زايد في قصره الذي عرف آنذاك باسم »بيت مبارك« بعد صلاة العشاء بتاريخ 2 نوفمبر 1968 وقدمني إليه رئيس دوائر الإعمار الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان رحمه الله وقد صدر مرسوم تعييني مديرا لتخطيط المدن بإمارة أبوظبي اعتبارا من ذلك التاريخ وما كنت أدري آنذاك أن هذا التاريخ هو بداية تحول في حياتي ومسيرتي بأكملها إلى يومنا هذا.
واللقاء الثاني في منتصف نوفمبر بعد صلاة المغرب وكان في موقع عمل أمام مضيف الخبيرة حيث المقر الأول لمجلس الوزراء في إمارة أبوظبي وذلك من أجل تصحيح مسار الشارع الرئيسي الذي سمي فيما بعد شارع زايد الأول حينها سألني الشيخ زايد عن تاريخي الأكاديمي ومسيرتي العلمية والعملية ثم سألني سؤالاً ظاهره الاستفهام لكن الهدف منه كما اتضح لي وضع أسس التعامل معه في مهام تخطيط المدن وقال رحمه الله »هل ستقدم لنا المخططات وتقول لنا نفذوا هذه أم تسوي ما نبغي« أجبت بل سأقدم لكم عدة بدائل تختارون منها ما ترونه أنسب وأصلح، فسره هذا الجواب.
وأضاف، أما اللقاء الخاص بإنشاء المدينة الرياضية العالمية فكان في قصر المنهل وقد عرف عن الشيخ زايد اهتمامه الكبير بالرياضة فشجع النوادي الرياضية في العين وأبوظبي ومنحها أراض واسعة لإقامة الملاعب وممارسة أنشطتها متوجاً اهتمامه هذا بإصدار أمر إنشاء مدينة رياضية أولمبية المستوى فطرحنا مشروع تصميمها في مسابقة عالمية اشترك فيها 40 مكتباً استشارياً عالمياً وفاز بعد التحكيم وموافقة الشيخ زايد مشروع قدمه الفرنسي كولبوك بموجبه نفذت مدينة زايد الرياضية في أبوظبي وحين لاحظ رحمه الله وجود قنوات مائية في معالم المشروع أمر بإلغائها لأسباب منطقية حكيمة وعليه أعدت الرسوم التنفيذية التي أنجز بموجبها المشروع.
القوة والمهابة
وقال الدكتور عبد الرحمن مخلوف »ولأن الشيخ زايد رحمه الله كان ذا فراسة لماحة كان يتحرى عن ثلاثة جوانب في شخصية الخبير، الجانب العلمي والمهني والأخلاقي الشخصي وهل هو صاحب رأي يبديه أم هو مجرد موظف مطيع فبدت شخصيته لكل من عرفه عن قرب بأنه يتحلى بالقوة والمهابة والجاذبية والبشاشة والعزم والشجاعة والإقدام والجسارة والصبر والمثابرة كما كان متواضعاً صافي القلب نقي السريرة يتحلى بالعطف على ذوي الحاجة يرفق بالحيوان ومن مبادئه والمبادئ التي يطلبها ممن يعمل معه التحلي بالمبادئ والقيم الإسلامية..الإخلاص والصدق والاعتدال والوسطية والتروي والواقعية وتجنب الطفرة.
من جهته قال علي الهاشمي أحد الرجال الذين عملوا مع الشيخ زايد رحمه الله وذلك منذ فترة مبكرة من نهضة دولة الإمارات »الحديث عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه متشعب لأن الرجل رحمه الله كان حكيم العرب وكان شخصية فذة يندر أن يجود الزمان بمثلها ولعل عملي في القضاء ساهم في أن يكون التصاقي بالشيخ زايد رحمة الله عليه وثيقا وذلك منذ عام 1971 الأمر الذي جعلني أكتشف فيه أنه على دراية بالحقوق والعدالة لهذا.
وكلما اجتمعت وإخواني القضاة في مجلسه العامر أعطى الجميع توجيهات سليمة بعد أن يسمع رأي الحضور في مسألة معينة ومن كان صامتاً في المجلس من العلماء يطلب منه الحديث ويقول له »يا شيخ نبغي نسمع منك أيضاً كما سمعنا من فلان وفلان« وكما يعرف الجميع أن هذا مبدأ إسلامي عظيم أي أنه يأخذ برأي جميع المتخصصين قبل الوصول إلى نتيجة نهائية فكان رحمه الله يسمع ويناقش من ناحية«.
وأضاف أن الشيخ زايد رحمه الله لم يكن يعجب بالمدح الكثير والإطناب في المعاني القليلة ومن صفاته الأخرى التي لمستها وخبرتها في شخصه أنه كان محباً للعدل ممارساً له محباً للسخاء ممارساً له ينظر إلى الرجل الشجاع على أنه الإنسان الذي يناقشه ولا بأس في أن يخالفه لكنه كان يحترم المخالف كما يحترم الموافق إذا كانت موافقته صائبة وصحيحة لا تشوبها شائبة من الملق أو النفاق..وكل أيام الشيخ زايد استثنائية وكل أيامي معه استثنائية أيضاً ومن خلال عملي كقاضٍ شرعي أول كنت أستقدم القضاة وكان رحمه الله يؤكد دائماً أنه لا يريد من القاضي إلا أن يكون عادلاً وأن يعرف أعرافنا وأنه لا حجر عليه إلا ضميره والعدالة.
مواقف إنسانية لا تنسى
وقال علي الهاشمي »لكن لا يمكنني أن أنسى ذاك اليوم من عام 1977 حيث قامت فيه بعض الوزارات بتسريح عدد من الأئمة والمؤذنين لبلوغهم السن القانوني للتقاعد حينها ذهبت إليه ويومها لم أكن مستشاراً عنده وإنما قاض فحسب في المحكمة الشرعية وقلت له بلغني من بعض الأئمة والمؤذنين أن خدماتهم قد أنهيت لبلوغهم سن التقاعد القانوني إلا أن رأي الفقه والشرع يقول إن الإمام أو المؤذن إذا بلغ من العمر ستين سنة فإنه حسب الشريعة الإسلامية ومنطوق ومفهوم الفقه الإسلامي يتقدم القوم من هنا فإن الأكبر سناً يقدَّم في الإمامة شرط أن يكون عالماً بكتاب الله وسنة رسوله وفقيهاً فإذا كان الإمام أو المؤذن كبيراً وقادراً فهو أصلح لأن يواظب على وظيفة الإمامة لأنه يداوم خمس مرات في اليوم بل كل الوقت أما إذا كان صغيراً في السن فمن الممكن أن يعجز عن الإمامة أو الأذان وهكذا أمر رحمه الله بأن يستثنى المؤذنون والأئمة من هذا القرار وكان ذلك خاصة أن وظيفة القاضي أو الإمام أو المؤذن وظيفة دينية.
وأضاف إلى جانب ما ذكرت كانت إنسانية الراحل الشيخ زايد عظيمة وذات يوم ذهبت إليه حيث كان في قصر الخزنة الذي أقام فيه مدة طويلة حاملاً معي الأحكام التي وصلت إليها المحكمة العليا في سبع أو ثماني قضايا وقد عمل عليه رحمة الله على تجنب البت في أحكام الإعدام وأمر بأن نسترضي أولياء الدم بالمال أو المصالحة لأنه رحمه الله كان يحترم الحياة كثيراً ويجل الإنسانية لهذا أستطيع القول إن جانبه الإنساني كان عظيماً لا يفارقه سواء مع الإنسان أو مع الشجر أو الحجر ومن نعم الله علينا في الأمة العربية والإسلامية أن كان عندنا مثل هذا الرجل.
أما شكري صالح زكي الذي وصل إلى أبوظبي في يناير 1969 قادماً من العراق وبقي فيها 36 عاماً، فقال لدى وصولي أبوظبي حللت ضيفاً عند صديقي وزميلي المرحوم محمود حسن جمعة وكان المساعد الأقدم في شؤون التخطيط للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي حينذاك وكان يحدثني عن المشاريع الطموحة التي يوجز القائد المؤسس معالمها ويطلب من المسؤولين وضع تفاصيلها وبعد دراسات مطولة وشاملة ومعمقة يعرضون ما توصلوا إليه على سموه فيطلب منهم إعادة النظر فيها لعلهم ينتبهون إلى بعض ما فاتهم من نواقص فيبدأون بإجراء فحص دقيق للمشروع الذي أعدوه ويعرضونه على سموه مؤكدين أنهم بذلوا غاية الجهد في جعل تفاصيل المشروع متكاملة لا يشوبها نقص فيفاجئهم سموه بأمور رئيسية لم يلتفتوا إليها وأهمها ما يتعلق بالمكان والبيئة وخصائص المجتمع الذي تقام فيه تلك المشاريع.
وأضاف »حدثني صديقي جمعة عن الوجل والحيرة والدهشة التي تخيم عليهم ويستغربون إغفالهم هذه الأمور في دراساتهم ويبدأون بدراسة المشروع مجدداً في ضوء الملاحظات الجوهرية التي نبههم إليها سموه«.
وقال انه من الذكريات التي لا تنسى في أبوظبي متابعتي الجهود الحثيثة والمثابرة التي يبذلها القائد المؤسس لإقامة الاتحاد التساعي الذي يضم كلا من إمارتي قطر والبحرين والإمارات السبع في دولة واحدة يكون سموه رئيسها وتمهيداً لإقامة الاتحاد التساعي كان لا بد من كتابة دستور للدولة العتيدة التي كان موعد إقامتها قريباً في حدود وقت متسارع وتحقيقاً لهذا الهدف تم تأليف لجنة برئاسة الشيخ زايد لكتابة الدستور وقد عقدت اللجنة حوالي عشرين اجتماعاً في قصر سمو الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان في الخالدية ومنذ الاجتماع الأول أمر سموه بناء على اقتراح معالي أحمد خليفة السويدي بأن أكون أميناً للسر ومقرراً للاجتماع وبدأت بقراءة المواد الواردة في مسودة نموذج دستور كان قد كتبه الدكتور وحيد رأفت المستشار القانوني لدولة الكويت.
صاحب آمال عريضة
أما إبراهيم الحديدي فكان قريبا من الشيخ زايد رحمه الله وذلك قبل أن يتولى الحكم في أبوظبي أي منذ كان نائب الحاكم في العين ومنذ التقاه وجد فيه الأمل الذي يراود الكثيرين من شباب الإمارات والرجل الذي سيكون له شأن عظيم كما حال أبناء الشعب الإماراتي بفضل الرؤية الثاقبة والحكمة البالغة اللتين كان يتحلى بهما وهو الذي كان يحلم بآمال عريضة لتطوير البلد قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وقبل تسلّمه زمام الحكم في أبوظبي.
وقال إبراهيم الحديدي »كنت كلما التقيته وجدت نفسي صغيراً بحجمي وأفكاري ولا أنكر أنني تعلّمت منه الكثير خاصة أنه وفي بما وعد به، حينما آلت الأمور إليه لم يكن بين الشيخ زايد رحمه الله كحاكم وبين عامة الشعب حواجز تذكر فمجلسه مفتوح لكل الناس وليس هناك فرق بين الحاضرين في مجلسه ومن عاداتنا نحن أهل القبائل أن نزور الحاكم في مجلسه ونستفيد من المداولات التي تدور بين كبار السن فنتعلّم الكثير وهذه هي الديمقراطية الحقيقية في رأيي وليست الديمقراطية التي تعلمناها من الكتب ولأن الشيخ زايد كان يحمل صفات القائد ويتمتع بنظرة ثاقبة للأمور وكان يسعى دائماً إلى خدمة الإسلام والعروبة والإنسانية جمعاء دون تفريق«.
وأضاف ان صفات القيادة التي كان يملكها الشيخ زايد جذبتني كي أتعلّم منه وأكتسب من شعره وأفكاره مما ساعدني على أن أكون شاعرا مع العلم أنني لست بشاعر مخضرم.
أما سالم السامان التاجر المعروف فكثيرة هي المواقف والذكريات التي جمعت بينه وبين الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ذكريات لا يمكن أن تسقط من الذاكرة وقال »كان من الصعب علينا فراق الشيخ زايد بن سلطان فقيد الوطن العربي والأمة العربية ورغم أنني أعتبر نفسي واحداً من رجالاته إلا أن هناك الكثير من الذين سبقوني وكانوا معه وبرفقته في الحل والترحال في الأسفار والقنص والعمل مؤكدا أن الشيخ زايد قبل تسلمه الحكم وبعد وصوله إلى مقعد الرئاسة بقي متمتعاً بأخلاق عالية وسماحة متميزة مع الجميع«. (وام)