الفريق متقاعد حمد بن سهيل الخيلي قال: إن لكل زمان رجالاً. ورجل هذا الزمان كان المرحوم زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. وأضاف: لقد رافقت الشيخ زايد طيب الله ثراه ما يقارب 48 عاما. في البداية التحقت بالجيش الذي كونه الانجليز بإمارة الشارقة وأمضيت فيه ما يقارب السنتين وبعدها عدت إلى العين لقضاء الإجازة فقط، ولكن زايد طيب الله ثراه لم يدعني أرجع إلى عملي وبقيت معه مرافقاً مدنياً حتى استلم الحكم في إمارة أبوظبي.
وفي عام 1971 التحقت بدورات أمن وحماية ودورات تأهيلية للمرشحين. وانتقلت من العمل المدني إلى العمل العسكري وتابعت عملي مرافقا لزايد وتدرجت في الرتب حتى وصلت إلى رتبة لواء وتقاعدت برتبة فريق. كل هذه الفترة وأنا مرافق للشيخ زايد سواء كنت مدنياً أو عسكرياً.
وأشار إلى ان الشيخ زايد عاش في المنطقة منذ طفولته وتنقل في كل مناطقها من العين إلى المنطقة الغربية إلى أبوظبي. وعنده معرفة وإلمام كبيران بالمنطقة وبكل من فيها. لقد كانت معرفته طيب الله ثراه شمولية كما أنه كان اجتماعياً فهو يعرف المواطنين وعاداتهم وتقاليدهم. وقد تميز بأنه كان يسأل عن الناس وعندما يسأل شخصاً عن اسمه واسم أبيه يعرف هو من أين هذا الرجل ويعرف أصوله التي ينحدر منها حتى وإن كان من البلاد المجاورة.
مربٍ وموجه
وعلى مستوى الوطن فهو يعرف المنطقة ومن يسكن فيها ويعرف المياه الجوفية التي فيها وما هو مذاقها. زايد مربٍ وموجه لا يعرف الحقد ولا يعرف معنى الكره، صادق عادل كريم. وخير دليل على ذلك مجلسه الذي كان يعتبر مدرسة تزخر بالدروس التي تحمل فائدة كبيره لكل من حضرها، وهو لم يكن يقصد بذلك حدود المجلس فحسب بل كان على يقين بأن الحاضرين سوف ينقلون هذه الدروس إلى غيرهم من الناس وإلى أبنائهم.
فقد كان يوصيهم بضرورة أن تصل هذه الدروس والحكم إلى الأجيال وخصوصا جيل الشباب. الذي كان يعول عليه زايد رحمه الله كثيرا في مسيرة البناء والتطوير. وأذكر رجلاً عربياً قال انه قلد زايد في رجولته ومظهره وشخصيته وشهامته، وكل ما أمكنه من مجرد رؤيته لصورة زايد التي استطاع الرجل أن يستشف منها أموراً كثيرة، حتى أن نواحي التقليد لم تقتصر على المنظر الخارجي للصورة بل استطاع النفوذ إلى المعاني والخصال الكريمة التي كان يتمتع بها زايد وينفرد بها عن غيره من الناس.
يفوق أي وصف
وأضاف أن الوصف في سموه رحمه الله لن يعطيه حقه. فهو يفوق الوصف. وأشار إلى أن الشيخ زايد كان يسعى على الدوام لتوفير الوسائل التي يعتمد عليها المواطن في معيشته. لقد كان فكره نيراً ويملك نظرة ثاقبة. وكان جل همه رحمه الله هو توفير الأمان والصحة والمعيشة كأولويات لشعبه.
وكان يؤمن رحمه الله بأن الراعي إذا ما أراد كسب حب وثقة الرعية فعليه أن يعاملهم كما يريد لنفسه في حال كان واحدا منهم. ولقد كان خير من عايش شعبه عن قرب، وتلمس همومهم عن قرب. وكان يسر سرورا بالغا عندما يبلغه المسؤولون بحاجات المواطنين ويسعى لتنفيذها.
وحول الزراعة أكد أنها حظيت باهتمام كبير من زايد ليس له مثيل. لأنه رحمه الله كان يحب الخضار ويود لو كانت بلاده واحة خضراء. فقد كان رحمه الله يشرف بنفسه على مسح الأراضي والمزارع ونحن نعرف مدى ما تعنيه صعوبة مسح هذه الرمال ومدى ما تحتاجه من جهود مالية ضخمة.
اهتمام بالزراعة
وأشار إلى ان سموه رحمه الله كان ينتقل إلى مواقع العمل حتى في أيامه الأخيرة برغم تعبه واشتداد المرض عليه ليشرف على المزارع التي يتم مسحها للمواطنين، وبعد ذلك اوجد لهم مراكز التسويق التي كانت تكلف مبالغ باهظة ولكن المال لا يعني لزايد شيئاً، طالما أنه وجد لخدمة بلاده ووطنه.
وأضاف أن زايد طيب الله ثراه كان رجل دولة من الطراز الأول الذي فرض احترامه ومحبته على الصعيدين الداخلي والخارجي وذلك يبدو واضحا للجميع. مؤكداً على أن زايد لا يتصنع ولا يعد بما لا يستطيع كونه صريحاً وواضحاً كل الوضوح. أما عن زايد الصديق فقال: لقد كنا نرى زايد من بعيد يملك هيبة قوية وقد يخشى البعض مواجهته والوقوف أمامه، ويفكر الآخرون كيف سيتعاملون معه لما تحمله هيئته من هيبة وإكبار شديدين.
ولكن في الحقيقة انك بمجرد أن تقترب منه طيب الله ثراه تجده يبادر إلى الكلام وبث الاطمئنان في نفوس محدثيه ومن يلتقون به بأسلوب يحمل في طياته حنان وألفة ومودة منقطعة النظير. لقد كان يملك قدرة غريبة في الوصول إلى نفسيات الآخرين ويستشعر ما يريدون وبما يشعرون. حتى في رحلاته كان بشوشاً ودودا تراه يجالس مرافقيه وفي الليل يوقد النار معهم ويلتفون حولها ويبدأون في إلقاء القصائد لأنه محب للشعر الذي كان ينظم قوافيه بسلاسة وسهولة وبعد عن التعقيد.
والد الجميع
أما بخصوص زايد الوالد فقال: لقد كان زايد أبا للجميع بدون استثناء وبدون تمييز كان عنده من الحنان والعطف ما يكفي الأمة. ولا أحد في هذه الدولة لا يكن لزايد مشاعر الأبوة بكل معانيها. أتذكر عندما كنا في يوم الجنازة أن الكثير من المقيمين على أرض الدولة الذين لا يعرفون زايد إلا في الصورة وكانوا عرباً وآسيويين يبكون وفاته رحمه الله.
وأنا أعتقد أن ما عمله زايد لمواطنيه يفوق ما يمكن أن يعمله الرجل لأولاده فتخيل انه يوفر لك العلاج والسكن والتعليم والدخل ورفاهية العيش ويجعلك تكتفي من كل ما تحتاجه. وهذا هو الوالد زايد طيب الله ثراه.
وعن زايد الأخ قال: لقد كان من أقرب الناس وأحب الناس يحمل الإخلاص والعاطفة الكبيرة ويحب المشورة والتشاور ويستمع لنا ويحب أن نأخذ مشورته حتى في صغائر الأمور. وعن زايد الإنسان أشار إلى ان زايد إنسان بكل ما تعنيه الكلمة وبكل ما تحمله في طياتها من معانٍ رائعة.
وقال: زايد كانت أياديه بيضاء امتدت إلى مواقع كثيرة لا يمكن حصرها ولا عدها، الله وحده يعلم بها ولا أود التحدث عنها لأنه طيب الله ثراه كان يقدم على فعل الخير بسرية حتى أننا ونحن نرافقه لا نعلم بأمور ولم نعلم بها إلا بعد أن وافته المنية طيب الله ثراه.
أما عن جولات زايد التي كان يحرص عليها ويتميز بها فقال الفريق الخيلي لقد كان زايد يسعى للأشراف على كل شي بنفسه ولا يعتمد على أي إنسان في ذلك فتجده مثلا يمر على المشاريع في الصباح وفي اليوم الثاني وهو هنا يقيم مدى إنجاز العمل بنفسه ويطابق الجهد المبذول بحجم المشروع. وأعتقد أن كل المشاريع التي نفذت زراعية أو إنشائية كان يشرف بنفسه عليها خطوة بخطوة.
وقد يعتقد البعض أنه إذا مر اليوم فلن يمر الغد ويفاجئ الجميع ويأتي اليوم الثاني. لقد كان رجلاً لا مثيل له طيب الله ثراه. لقد أنجز ما نراه اليوم في وقت وجيز وهذا بالطبع لا يتأتى بدون متابعة واهتمام وجهد جبار منقطع النظير منه طيب الله ثراه.
وعن الأثر الذي تركه فراق الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله في نفسه قال إن مصابنا في فقده رحمه الله كبير ولكن ما يهون علينا مصابنا في وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو وجود خليفته صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وولي عهده الأمين سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وإخوانهم أصحاب السمو الشيوخ الذين يعملون على إكمال ما بدأه زايد رحمه الله.
العين ـ سليم المستكا: