ستظل انجازاته العظيمة ماثلة للعيان على مر الزمان شاهدة على حكمة قائد عظيم فذ غاب عنا بجسده ولكن روحه ستظل مصدر الهام على الدوام لصيانة هذه الانجازات وإضافة لبنات إليها لتواصل دولة الإمارات مسيرتها المظفرة نموذجا لدولة عصرية متقدمة.
وفي الذكرى الأولى لرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله نستذكر زعيماً نادراً استطاع بالجهد والحكمة والإخلاص والعمل المتواصل وبإرادة لا تلين تأسيس دولة عصرية في سنوات قليلة من عمر الزمن حظيت بإعجاب وتقدير قادة وشعوب العالم.
وقد عبر ذلك خير تعبير ممثلو المجموعات الجغرافية الخمس في الأمم المتحدة في حفل التأبين الذي أقيم لفقيد الوطن الشيخ زايد في الرابع من نوفمبر عام 2004.
حيث قال ممثل المجموعة الإفريقية »إن الشيخ زايد نجح بفضل جهوده الدؤوبة في توحيد سبع إمارات وتحويلها إلى اتحاد قوي قاده بإخلاص وثبات وبصيرة وحرص على تسخير ثروة بلاده النفطية من اجل إثراء شعبه وتعليمه وتحويل دولته إلى مركز تجاري عالمي رئيسي مما مكنها من ان تحتل مركزا قياديا ليس على مستوى العالم العربي والإسلامي فحسب وإنما أيضاً على الصعيد الدولي وداخل منظمة الأمم المتحدة«.
ودعا الممثل الإفريقي المنظمة الدولية إلى الاسترشاد »بنموذج حياة هذا القائد الإماراتي العظيم الذي عرف بالتواضع والبساطة لاسيما في مجال تفانيه في خدمة شعبه والإنسانية جمعاء«.
قائد عظيم
وأعرب ممثل المجموعة الآسيوية في كلمته عن إعجابه بالسياسة الحكيمة للشيخ زايد وقال »إن حكمة الراحل هي التي جعلت منه قائدا عظيما وخالدا على مر الزمان حيث استلهم القائد حكمته في أسلوب إدارته لشؤون الدولة من خلال الاستخدام الحكيم لمواردها من النفط وتحويل بلاده من بلد صحراوي إلى هذا البلد الجميل المزدهر الذي نراه اليوم، كما حقق الخير والرفاهية لشعبه وان هذه الانجازات هي التي أكسبته حب شعبه وإعجاب شعوب العالم«.
وأضاف »لقد تجلت بصيرة الشيخ زايد النافذة عندما قال يوما إنني لا أفرض التغيير على أحد فهذا استبداد لأن لكل منا رأيه وهذه الآراء يمكن أن تتغير أحيانا فعلينا ان نضع كل آرائنا معا ونستخلص منها وجهة نظر واحدة وها هي ديمقراطيتنا«.
وقال ان الشيخ زايد حكم بلاده ما يزيد على ثلاثين عاما ورغم ذلك ظل يتمتع بالنشاط ويسعى بلا كلل لخدمة قضايا الوحدة العربية والإسلامية والتسامح والوفاق وهو الأمر الذي اكسبه احترام المجتمع الدولي بصفة عامة وزعماء الدول العربية والإسلامية بصفة خاصة ووصف ممثل مجموعة دول أوروبا الشرقية الشيخ زايد بأنه رجل دولة بارز وسياسي يتجه دوما نحو المستقبل ولذلك استحق احترام وتقدير شعبه والعالم أجمع.
وأضاف ان الشيخ زايد حقق انجازات رائعة وكرس حياته من اجل توحيد بلاده وتقوية مركزها فجعلها من أغنى الدول وأكثرها ازدهارا في المنطقة بل وواحدة من الأعضاء المهمين في منظمة (أوبك) وتحولت إلى مركز إقليمي للنشاط المصرفي والتمويلي.
وقال إننا لا نستطيع أيضاً ان نقلل من قيمة الانجازات التي حققها سموه على صعيد تحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم اجمع حيث ارتبط بعلاقات مبنية على الثقة والاحترام مع دول الجوار الأمر الذي انعكس بدوره على تقريب وجهات نظر دول المنطقة وجعل جامعة الدول العربية إحدى المنظمات الدولية المؤثرة في تعزيز الأمن والاستقرار الدولي.
كما تحدث في الاحتفال ممثلو مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي ومجموعة دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة فأشادوا بالانجازات العظيمة للشيخ زايد سواء على صعيد بناء دولة الإمارات وتنمية نهضتها الحديثة أو في مجالات تعزيز التعاون الدولي والعمل الإنساني وتقديم المساعدات السخية للدول النامية والفقيرة.
وأشاد قادة العالم بحكمة الشيخ زايد وعمله الدؤوب من أجل السلام، ففي مأدبة إفطار أقامها لأبناء الجالية المسلمة في الولايات المتحدة في 11 نوفمبر من العام الماضي قال الرئيس الأميركي جورج بوش : إننا نتذكر في هذه الليلة المغفور له الشيخ زايد مؤسس دولة الإمارات الذي كان قائدا وحكيما وستشارك الولايات المتحدة شعب الإمارات في تخليد ذكراه.
رجل السلام
وقال الرئيس الفرنسي جاك شيراك :لقد فقد العالم رجل سلام لم يكف يوما عن نشر التوافق والمنطق والحوار في منطقة مزقتها الأزمات والنزاعات وسيبقى اسمه ملازماً لقضية السلام والتنمية في الشرق الأوسط التي كرس لها حياته. ووصف الرئيس المصري محمد حسنى مبارك الشيخ زايد بأنه أخ وصديق شخصي له وزعيم نادر لم يتأخر يوما عن دعم مصر وشعبها.
وقد ولد الشيخ زايد في قلعة الحصن شرقي العين وجمع في شخصيته بين أخلاقيات البدو وصلابتهم ورحابة الصدر والبساطة كما صقلته حياة الصحراء وجعلته فارسا من فرسانها الشجعان يجيد ركوب الخيل والجمال واستحوذت عليه هواية القنص التي تثير فيه روح الإقدام.
وتلقى الشيخ زايد في فجر حياته تعليماً دينياً، حيث بدأ يحفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره وكانت شخصية الرسول الكريم هي الشخصية الرئيسية التي لعبت دوراً بارزاً في حياته وتركت بصماتها العميقة على طبيعة تفكيره وأنماط سلوكه.
وقد عمل الشيخ زايد من دون كلل أكثر من نصف قرن حيث بدا في تحمل مسؤولية الحكم في عام 1946 حين عين حاكما للمنطقة الشرقية بإمارة أبوظبى فأمضى 20 عاماً في البحث عن حلول عاجلة وحاسمة لمشاكل الناس وكان مجلسه تحت شجرته المفضلة خارج قلعة المويجعي بالعين لا يكاد يخلو من المواطنين والزوار حيث احتشدت حوله الجموع وكان يجسد القدوة مع مواطنيه الذين كان يشاركهم حفر الابار وشق الينابيع والزراعة وإنشاء المباني وجسد خلال هذه السنوات شخصية القائد وشيخ القبيلة المؤهل لتحمل المسؤولية.
ولم يكن تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس عام 1966 فاتحة خير على تلك الإمارة الوادعة على ضفاف الخليج العربي فحسب بل كانت الإمارات التي تشكلت منها دولة الإمارات فيما بعد على موعد مع القدر فقد سعي الزعيم الراحل بإيمان عميق وإرادة لا تلين على مدى خمس سنوات من أجل قيام كيان اتحادي على هذه البقعة المهمة من العالم حتى أعلن عن قيام اتحاد الإمارات في الثاني من ديسمبر عام 1971.
الاتحاد قوة
ويجسد المغفور له الشيخ زايد إيمانه العميق بالاتحاد بقوله »إن الاتحاد قوة والذي جعلنا والذي جعلنا نرغب فيه ونجد ونصبر ونضحي هو إننا نعتبره قوة وبالتأكيد فان قوة الأصابع العشرة أقوى من قوة الأصابع الخمسة«.
ويعبر الشيخ زايد أصدق تعبير عن إيمانه الراسخ بالوحدة باعتبارها مصدر القوة بقوله »إننا نؤمن بالوحدة وطنيا وخليجيا وعربيا وإسلاميا وإيماني لا يتزعزع ولا يتطرق إليه الشك وذلك بما تملك من عناصر الوحدة المتمثلة في وحدة المصير والهدف واللغة والتراث المشترك والدين«، والتهمة التي لم ينفها فقيد الوطن الراحل هي انه وحدوي وعن ذلك يقول »يتهمني الناس بأنني وحدوي وهذه تهمة لا أنفيها.. طبعاً أنا وحدوي ولكنني لا أفرض هذه الوحدة على أحد قط.
وانطلاقاً من هذا الإيمان بوحدة المصير والهدف عمل الشيخ زايد بتفان وإخلاص مع إخوانه قادة دول الخليج العربية حتى أعلن في 25 مايو عام 1981 من مدينة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وطوال (22) عاماً ظل الشيخ زايد يدعم ويبارك مجلس التعاون الذي كان يؤمن بأنه خطوة مهمة لدعم التآزر والتعاون المشترك بين دول الخليج العربي من أجل تحقيق طموحات شعبها فضلا عن كونه رافدا للأمة العربية بأسرها ولجامعة الدول العربية بشكل خاص وبنزعته الوحدوية سخر الشيخ زايد إمكانات دولة الإمارات لصالح قضايا الأمة العربية والإسلامية حيث عمل بصبر وأناة من أجل لم الصف العربي ولذلك أطلقت عليه العديد من الدول العربية لقب حكيم العرب.
ولم يتردد يوماِ غب دعوة العرب إلى التصالح والتآزر وإصلاح ذات البين وصيانة العمل العربي المشترك بقوله إن صاحب البيت أو السفينة يحتاج إلى الصيانة ولابد من صيانة الجسد العربي في مواجهة التحديات وكم كانت سعادة الفقيد الراحل غامرة حين تقرر في عام 2000 عقد القمة العربية بصفة دورية قائلاً: إن لقاء القادة العربي خير من تباعدهم وتفرقهم.
مواقف مشرفة
وللشيخ زايد رحمه الله العديد من المواقف التاريخية المشرفة ومنها دعم مصر وسورية في حرب أكتوبر 1973 والمبادرة التي استخدم سلاح البترول في المعركة بمقولته الشهيرة: »إن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي«، ودعمه للبنان في محنته إبان الحرب الأهلية اللبنانية وقوله »ارفعوا أيديكم عن لبنان«، واستمراره في تقديم الدعم للاقتصاد اللبناني بعد الحرب.
كما كانت دولة الإمارات في مقدمة الدول التي دعمت الكويت وشاركت القوات المسلحة في حرب تحرير الكويت عام 1991 وفي قوات حفظ السلام في الصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفا فضلاً عن الدعم المتواصل للقضية الفلسطينية والبنية التحتية للشعب الفلسطيني والمبادرة إلى دعم الشعب العراقي بعد سقوط النظام السابق لمساعدته على استرداد عافيته وإعادة بناء بلده.
واتسمت السياسة الخارجية التي وضع مرتكزاتها الشيخ زايد منذ قيام الدولة في عام 1971 بالحكمة والتوازن ومد يد الصداقة والتعاون مع مختلف دول العالم.
كما استندت هذه السياسة إلى مبادئ حسن الجوار والتفاهم مع الجيران وعن ذلك يقول الشيخ زايد » الحقيقة إننا نسعى دائما أن تكون علاقاتنا مع جيراننا قائمة على أساس من التفاهم التام والروابط الأخوية القوية المتينة ولا يمكن أن نسعى في يوم من الأيام إلى ما يسيء إلى أصدقائنا أو جيراننا..
وإذا كان هناك أي نزاع أو سوء تفاهم بيننا وبين جار لنا أو صديق أو شقيق فإننا نتجه دائما إلى الله ونطلب منه أن يلهمنا الصبر والقدرة على ان نصل مع الصديق أو الشقيق والجار إلى تفاهم يفيد الطرفين دون اللجوء إلى ما يضر بمصالح البلدين أو يقودهما إلى النزاع المسلح.
وامتدت الأيادي البيضاء للمغفور له الشيخ زايد لتنشئ المدن السكنية والمراكز الإسلامية في كافة ربوع العالم الإسلامي وحتى في بعض الدول الغربية إضافة إلى المعاهد والمدارس والسدود والجسور ومشاريع التنمية في دول العالم الثالث.
وقام صندوق أبوظبي للتنمية بتوجيهات من فقيد الأمة الإسلامية بتقديم قروض ومنح منذ إنشائه في عام 1971 وحتى نهاية العام الماضي تبلغ حوالي 19 ملياراً و748 مليون درهم استفادت منها أكثر من 56 دولة نامية، كما قدمت حكومة أبوظبي من خلال الصندوق في الفترة نفسها حوالي 7 مليارات و319 مليون درهم. (وام)