تمرّ اليوم »الأربعاء« الذكرى الأولى لرحيل فقيد الوطن والأمة مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها الحديثة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه الذي ترك لوطنه وشعبه ميراثاً ضخماً من الإنجازات التي ستظل شواهد خالدة على مر التاريخ.

ولقد كان الراحل الكبير نموذجاً متفرداً في نهج الحكم والقيادة وعطاء سخياً في بناء الوطن والمواطن ونهراً متدفقاً بالخير في خدمة الإنسانية جمعاء.

لقد انتقل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله إلى جوار ربه في الثاني من نوفمبر 2004 بعد حياة حافلة بالعمل المخلص الدؤوب كرّس كل لحظة فيها من أجل بناء تقدم الوطن وازدهاره وتوفير الحياة الكريمة الرغدة للمواطنين.

وحفل سجل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بصفحات ثرية خالدة من المنجزات الوطنية الباهرة التي سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو ستة عقود من العمل الوطني وذلك منذ تعيينه حاكماً لمدينة العين والمنطقة الشرقية في العام 1946 إلى توليه مقاليد الحكم في إمارة ابوظبي في السادس من أغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيساً للبلاد بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971.

وقد بدأت الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء عندما عيِّن حاكماً لمدينة العين والمنطقة الشرقية في بداية الأربعينات حيث أظهر قدرات كبيرة وكفاءة عالية في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها وكرّس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية وتقدّم صفوفهم في العمل رغم شحّ الإمكانيات إلى كانت متاحة.

وحظي الشيخ زايد منذ تلك الحقبة بإجماع وولاء رعيته التي أحبته لنهجه الحكيم وحكمته ورؤيته الثاقبة وتواصله وتلاحمه معهم وعدله بينهم.

وعندما بايعت أسرة آل نهيان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في السادس من أغسطس 1966 حاكماً لإمارة أبوظبي عمت الفرحة أرجاء البلاد وأدرك المواطنون أن القدر قد هيأ لهم هذا اليوم ليكونوا على موعد مع انطلاقة مباركة وتحول تاريخي في حياتهم في حاضرهم ومستقبلهم.

وبالفعل أعلن الشيخ زايد منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم عزمه على تسخير عائدات الثروات النفطية لبناء تقدم الوطن وتحقيق سعادة المواطنين مؤكداً »إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة فإن أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجّه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوْق الخير إلى شعبهاِ«.

وانطلقت مع تولّيه مسؤوليات الحكم في إمارة أبوظبي عجلة البناء والتعمير في كل مكان تقهر الصعاب وتهزم المستحيل بجهود مخلصة وعزيمة معطاء وإرادة صلبة لقائد نذر نفسه لازدهار وطنه وإسعاد شعبه.

تطوير أبوظبي

وكانت مدينة أبوظبي عندما تولى زايد مقاليد الحكم فيها كما هو الحال بالنسبة لمناطق إمارة أبوظبي الأخرى جزيرة رملية صحراوية قاحلة تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب لا يوجد بها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة معظمها من »العريش« وكانت تفتقر إلى أبسط الخدمات من طرق أو مياه أو كهرباء أو مدارس أو مستشفيات وغيرها من الخدمات الأساسية الضرورية للسكان.

وكانت احتياجات الناس من السلع والبضائع تأتي إلى أبوظبي بوساطة »الصنادل« التي تقوم بنقل هذه السلع من السفن الكبيرة التي كانت ترسو قبالة كورنيش أبوظبي الحالي نظراً لعدم وجود أي موانئ أو حتى أي نوع من هياكل البنية الأساسية من طرق وجسور ومطارات واتصالات حديثة وغيرها من مرافق البنية التحتية وكان المواطنون يعيشون حياة قاسية وصعبة يعانون من شظف العيش والحرمان من الخدمات الضرورية.

وكان هذا الأمر يشغل هموم زايد الذي كان يردد »كنت أفكر دائما وقبل أن تتوفر لي الإمكانات التي أنعم الله بها علينا مع ظهور البترول أن شعبنا حرم كثيرا في الماضي من الخدمات والمرافق التي كان يتمتع بها غيره وآن الأوان لأن نعوض شعبنا عما فاته لينعم بما أعطاه الله من خير وفير«.

وبدأت مرحلة سنوات خالدة حافلة بالعمل الدؤوب والإنجازات المتلاحقة بأن سخّر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عائدات الثروة النفطية لانتشال إمارة أبوظبي من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت عليها حيث أكد في هذا الخصوص »إن مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويتوجب أن تسبق بالأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى«.

وانطلقت عمليات التطوير والبناء بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية والمرافق والدوائر الحكومية التي تتولى الإشراف على تنفيذ مشاريع التنمية.

وتدفقت عائدات الثروات البترولية بسخاء للإنفاق في إقامة مشاريع التطوير والخدمات والبنية الأساسية وبدأ العمل في تنفيذ برامج طموحة سريعة وأخرى طويلة الأجل للتنمية الشاملة التي استهدفت شتى نواحي الحياة بالتبديل والتحديث للحاق بركب الحضارة والتقدم فلا فائدة في المال كما قال زايد »إذا لم يسخر لصالح الشعب«.

ولم يسخّر زايد المال فقط ويوظفه لإسعاد أمته بل نذر نفسه لخدمتها وأخذ يجوب البلاد طولا وعرضا يتابع بنفسه عمليات التشييد والبناء ويتنقل بين الحضر والقرى والصحارى يتفقد مشاريع الإنماء والإعمار ويقود تحدياً غير مسبوق للحاق بركب الحضارة والتحديث والتقدم.

وحقّقت إمارة أبوظبي خلال سنوات قلائل منجزات عملاقة في زمن قياسي بكل المعايير والمعدلات الدولية للتنمية وشهدت تحولات جذرية على طريق التقدم والازدهار، حيث تم في إطار خطط متلاحقة للتنمية الشاملة تنفيذ المئات من مشاريع التطوير والتحديث والخدمات بإقامة العديد من المدن السكنية الحديثة وبناء المستشفيات والعيادات الصحية والمدارس والهياكل الأساسية للبنية التحتية من طرق وجسور وأنفاق وكهرباء ومياه وخدمات المواصلات والاتصالات وغيرها من مرافق الخدمات الأساسية لبناء نهضة الوطن وتلبية طموحات المواطنين وتطلعاتهم في الرخاء والأمن والاستقرار.

نهضة عصرية

كما حقّقت إمارة أبوظبي بالجهود المخلصة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وتوجيهاته السديدة بتسخير كافة الإمكانات المادية لبناء الوطن وخدمة المواطنين إنجازات حضارية شاملة في جميع الميادين وأصبحت تعدّ واحدة من المدن العصرية الحديثة في العالم.

واتجه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد نحو عامين من توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا على طريق النهضة والتقدم إلى دعوة إخوانه حكام الإمارات إلى الاتحاد في دولة واحدة قوية انطلاقا من توجهه الوحدوي المتأصل في فكره وفلسفته منذ أن كان حاكما على منطقة العين في عام 1946 والذي نبع من إيمانه القوى بالتراث العربي والإسلامي الذي يدعو إلى التعاون والتآزر والترابط والعمل على أعمار الأرض وإسعاد البشر مؤكداً »ان الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك وان الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم.. فتلك عبر التاريخ على امتداد عصوره«.

وقد عبَّر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في حديث »لوكالة أنباء الإمارات« في 2 ديسمبر 1985 بمناسبة مرور 14 عاما على قيام الاتحاد عن ارتياحه لما وصلت إليه المسيرة الاتحادية من ثبات وقال« إننا والحمد لله نشعر بالارتياح والسرور أن الاتحاد يسير في طريقه الصحيح وتنتقل دولة الإمارات معه من مرحلة إلى أخرى حتى أصبحت مدعاة فخر للجميع بالمنجزات التي تحققت على أرض هذا الوطن انطلاقاً من القناعة بأن الاتحاد هو الضمان الوحيد للاستقرار الأمني والرفاهية في هذا الجزء من الوطن العربي وهذا يضع مصالح الاتحاد فوق جميع المصالح الأخرى«.

وقد تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة بالفعل بعد قيام اتحادها إلى دولة عصرية مزدهرة ينعم مواطنوها بالرفاه والرخاء بفضل القيادة الحكيمة والعطاء السخي والجهود المخلصة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي أعلن »إن الاتحاد ما قام إلا تجسيداً لرغبات وأماني وتطلعات شعب الإمارات الواحد في بناء مجتمع حر كريم يتمتع بالمنعة والعزة وبناء مستقبل مشرق وضاح ترفرف فوقه راية العدالة والحق«.

كما أعلن »إننا سخّرنا كل ما نملك من ثروة وبترول من أجل رفع مستوى كل فرد من أبناء شعب دولة الإمارات العربية المتحدة إيماناً منا بأن هذا الشعب صاحب الحق في ثروته وأنه يجب أن يعوض ما فاته ليلحق بركب الحضارة والتقدم.

وكان المغفور له الشيخ زايد قد رسم صورة حية وصادقة لما كان عليه حال الوطن عند قيام الاتحاد وكيف أصبح الآن وقال »إن بعض المدن في الإمارات لم يكن فيها قبل الاتحاد مدرسة واحدة وأصبح فيها الآن عشرات المدارس الحديثة وبعض المدن لم يكن فيها قبل الاتحاد صيدلية وأصبح فيها الآن العديد من المستشفيات والعيادات وبعض الإمارات لم يكن فيها طريق معبد والآن أصبحت الطرق الحديثة السهلة تربط بين المدن والقرى وتسهل انتقال المواطنين من الصحراء إلى المدن.

قيام الاتحاد

وأكد »لقد تحققت الأماني بفضل قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة الذي أسهم كثيرا في تغيير صورة الحياة في هذه الأرض وإنجاز العشرات من المشروعات في شتى المجالات وتحقيق التقدم والازدهار في كل ناحية من النواحي«.

وعبّر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عن ارتياحه ورضاه برسوخ المسيرة الاتحادية واستقرارها وما حققته من منجزات شامخة فقال »إن ما تنعم به البلاد اليوم من رخاء وأمن واستقرار إنما هو ثمرة الصبر والمثابرة والعمل الدؤوب والجهد المستمر الذي بذلناه فما كلت أمام الشدائد عزائمنا ولا وهنت أمام الصعاب ارادتنا ولا احتجبت في الظلمات غاياتنا وأهدافنا في بناء اتحاد شامخ بل ذللنا الصعوبات بإيمان راسخ لا يتزعزع وبتصميم لا يتقهقر وببصيرة وإرادة قوية مهتدين في ذلك كله بمنهاج ديننا الحنيف وسنّة رسوله الكريم«.

وأضاف في هذا الصدد قائلا »ونحمد الله ونشكره الذي أمدنا بمن من عنده وأخذ بأيدينا وأرانا الطريق الصحيح الذي أفلحنا به وأصبحت أمتنا كلها في سعادة ورخاء وأمان«.

كما عبّر عن سعادته وارتياحه لنجاح المسيرة الاتحادية مؤكداً »لقد استطاع الاتحاد أن يخطو خطوات ثابتة سريعة في طريق العزة والتقدم والرخاء وأصبح راسخا كالطود الشامخ لا تهزّه الرياح العاتية«.

وعمل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على مدى سنوات حكمه الحافلة بالمنجزات الشامخة على بناء الوطن بصورة موازية مع بناء الإنسان ورعاية المواطن والنهوض بالمجتمع حيث أكّد »إن الإنسان هو العنصر الأساسي لكل تقدم وإن أثمن ثروة لهذا البلد هي الإنسان الذي يجب أن نعتني به كل العناية ونوفر له كل الرعاية فلا فائدة للمال بدون الرجال«.

ووضع زايد الاهتمام ببناء الإنسان ورعاية المواطن في أولويات توجهات السياسة العامة للدولة عندما أعلن بكل الوضوح »إن الدولة تعطى الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان ورعاية المواطن في كل مكان من الدولة.. فلا قيمة للقدرة المالية دون أن تكون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن لان طريق نهضة الوطن سيظل دائما يتطلب من كل فرد في هذا المجتمع بذل الجهود الشاقة لأجل أن تثمر جهودنا«.

ثروة الرجال

وأكد في حديث آخر إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها وهم الزرع الذي نستفيء بظلاله والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان وتسخير الثروات التي من الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقهم ويكونوا عوناً لنا ولأشقائنا.

وآمن الشيخ زايد بأن الإنسان هو أساس الحضارة ومحور كل تقدم وقال لقد كنت أردد دائما عن قناعة قوية أن الإنسان هو أساس الحضارة وأن اهتمامنا به ضروري لأنه محور كل تقدم. فمهما أقمنا من منشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك فإن كل هذا يبقى كيانا ماديا لا روح فيه لان روح كل هذا هو الإنسان القادر بفكره وجهده وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود مؤكداً »إن التقدم والنهضة لا تقاس ببنايات من الإسمنت والحديد وإنما ببناء الإنسان وكل ما يسعد المواطن ويوفر له الحياة الكريمة«.

وقد تكللت الجهود المخلصة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في بناء الإنسان بالنجاح الباهر وأصبح الواقع المعاش لما وصل إليه الإنسان في دولة الإمارات من رقي يعكس مدى أهمية هذا الإنجاز في مسيرة الاتحاد والوطن كما أكد ذلك الشيخ زايد بقوله »لقد حصدنا الكثير وحصدنا ما لم يتصوره المواطن أو الصديق أو الشقيق وأن خير ما حصدناه في هذا الوطن هو بناء الإنسان الذي نعطى له الأولوية في الاهتمام والرعاية«.

وأعطى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رعاية ثروة الوطن من الشباب اهتماما كبيرا وحرص على دعوتهم باستمرار إلى التسلح بالعلم والأخلاق حتى يسهموا بدورهم في خدمة الوطن.

وحرص دوماً على توظيف قدرات الشباب وحثهم على العمل والإنتاج والالتحاق بمختلف ميادين العمل باعتبار أن العمل شرف وواجب مؤكداً لهم أهمية العمل وقيمته في بناء الإنسان وعلى أن نهضة الأمم تقوم على سواعد أبنائها.

واهتم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بنهضة المرأة وتقدمها وانتشالها من أغلال القهر التي كانت تكبلها معلناً »إن المرأة نصف المجتمع وهي ربة البيت ولا ينبغي لدولة تبنى نفسها أن تبقى المرأة غارقة في ظلام الجهل أسيرة لأغلال القهر مؤكداً أنا نصير المرأة في كل ما يضيمها«.

مكانة المرأة

وحدد رؤية واضحة وشاملة لدور المرأة ومكانتها في المجتمع بقوله »ان مشاركة المرأة في التنمية وإعادة تفعيل المجتمع أمر هام حيث أن الإسلام يحترم المرأة ويوقرها وخصص لها مكانتها اللائقة والمناسبة في المجتمع«.

وأضاف »إنني أشجع عمل المرأة في المواقع التي تتناسب مع طبيعتها وبما يحفظ لها احترامها وكرامتها كأم وصانعة أجيال«.

وحثّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المرأة على اقتحام التعليم بجميع مراحله قائلاً: »إن أملي في اليوم الذي أرى فيه الطبيبة والمهندسة والدبلوماسية بين فتيات الإمارات«، وشجع إنشاء الجمعيات النسائية وعمل على دعمها معنويا وماديا حتى تأسست جمعية نهضة المرأة الظبيانية في بدايات العام 1973 والتي أعقبها إنشاء جمعيات مماثلة في جميع إمارات الدولة ومن ثم تأسيس الاتحاد النسائي العام في أغسطس عام 1975.

ودعا إلى أن تفتح كل مجالات العمل أمام المرأة في إطار العادات والتقاليد العربية وأيد دخول المرأة معترك الحياة السياسية مؤكداً »إن مواكبة المرأة الإماراتية للرجل في كافة أوجه الحياة وأن لها الحق الكامل في المشاركة السياسية واتخاذ القرار«.

وسبقت دولة الإمارات الكثير من دول العالم بالإقرار في دستور البلاد على المساواة بين المرأة والرجل وتمتعها بنفس الحقوق والواجبات بما في ذلك حق العلم والعمل والحصول على الأجر المتساوي مع الرجل وحق التملك وإدارة الأموال والأعمال إضافة إلى امتيازات الوضع ورعاية الأطفال وغيرها من المكاسب التشريعية التي تكفل حقوقها الدستورية.

وأصبحت المرأة اليوم بفضل دعم زايد وقناعته بأهمية دورها ومسؤوليتها في تهيئة الأجيال الصاعدة تتبوأ مكانة عالية في خدمة المجتمع خاصة في ميادين الخدمات الصحية والتعليمية وقطاعات الأنشطة الاقتصادية.

ولقد تفرد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بجانب ما تفرّد به من خصائص الزعامة الفذة والقيادة الرشيدة بنهجين متميزين اتسمت بهما قيادته للمسيرة الاتحادية.. وهما الأسلوب المتميز في الممارسة الديمقراطية وتطبيق مبادئ الشورى بين المواطنين وأسلوب القدوة في القيادة الذي يقوم على استنهاض الهمم واستنفار المشاعر الوطنية للرعية للمشاركة الفاعلة في مسؤوليات العمل الوطني. فالقيادة ومسؤوليات الحكم في فكر زايد أمانة عظيمة وبذل مستمر وعطاء سخي في خدمة الرعية.

نهج الشورى

ولقد استند نهج الشورى عند الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى إيمان راسخ بالعقيدة والقيم الإسلامية حدّده بصورة قاطعة بقوله إن حكم الشورى من عند الله ومن لم يطع الله فهو خاسر.

كما نبع من فلسفته في الحياة التي ترتكز على الإيمان بالله في كل خطواته كما قال فلسفتي في الحياة هي أنى مؤمن بأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى وأن على الإنسان أن يعمل من وحي إيمانه بالله في جد واجتهاد فإذا وفقت في السعي حمدت الله على توفيقه وإذا أخطأت الاجتهاد عدت عن الخطأ إلى الصواب..

إن كل شيء في هذه الحياة هو بإرادة الله سبحانه وتعالى ويسيّرها ويدبّرها وعلى العبد أن يسعى إلى مرضاة الله وأن يفعل ويتوكل وعلى الله التوفيق ومتى كان إيمان الإنسان بربه قويا فإن الله يهبه راحة الضمير وتلك هي السعادة القصوى.

وشكلت الجولات الميدانية التي قام بها المغفور له الشيخ زايد لكافة إمارات الدولة ومناطقها الأساس في بناء نهضة الوطن حيث كرس كل جهوده ووقته واهتمامه في توفير المساكن الملائمة للمواطنين حيثمـا وجدوا وإقامة مجمعات سكنية جديدة أشرف بنفسه في تحديد مواقعها والتي أصبحت اليوم مدناً عصرية متكاملة تتوفر فيها أرقى الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية.

واهتم الشيخ زايد بمشاريع نشر الرقعة الخضراء وزيادة الإنتاج الزراعي لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وكذلك مشاريع ربط المدن الأخرى بشبكة حديثة من الطرق المعبدة والمضاءة بالإضافة إلى تعمير وتطوير الجزر والمناطق النائية ليعيش سكانها عصر النهضة، حيث أكد في هذا الخصوص »إن سعادة ورفاهية المواطنين أمانة في عنقي.. وإنني وإخواني الحكام حريصون على السهر وبذل كل جهد من أجل خير المواطنين وتحقيق المزيد من التقدم والرقيّ للوطن«.

ووضع الأسلوب المتفرد الذي اتبعه الشيخ زايد في المتابعة الميدانية لمشاريع التنمية والتطوير وملاحقة مراحل إنجازها، دلالات مهمة لنهج القدوة في مباشرة مسؤوليات الحكم حدده بقوله إنني أريد أن يراني المسؤولون بأعينهم على رأس العمل وفي أي وقت وبدون تحضير لذلك حتى يقتدي كل مسؤول بهذا الأسلوب في العمل وصولاً إلى الكفاءة والاقتدار في كل إنجازات الدولة.

كما وضع المغفور له الشيخ زايد نهجاً فريداً في إقرار العدل والعدالة والحرص البالغ على رعاية مصالح المواطنين والارتقاء بمستواهم المعيشي في حديثه أمام المجلس الأعلى للاتحاد يوم 30 مايو 1996 بقوله إن أولى الواجبات علينا كحكام أن نعمل جميعاً يداً واحدة للارتقاء بالمستوى المعيشي للشعب.. وإنني أول من تقع عليه مسؤولية رعاية الوطن والمواطن.. وأداء الواجب فرضه الله علينا وأن المتابعة هي مسؤولية الجميع الكبير والصغير لكي نقوم بكل ما نستطيع على الوجه الأكمل لان الشعوب ترتكز دائماً على القيادة وما تبذله من رعاية.

وأضاف في هذا الجانب موجهاً حديثه إلى إخوانه الحكام وربما تغيب على الإنسان أمور كثيرة ولا أعلم بها كمسؤول أول لهذه الدولة ومن الواجب عليكم أن تخبروني إن كان هناك أي تقصير وأنتم عون لي على أداء واجبي ولن ألوم أحدا غيركم بوصفكم حكاماً وشركاء لي في المسؤولية عن أي تقصير.. وسوف أتقبل كل شيء برحابة صدر وسعة بال.

كما أضاف الشيخ زايد قائلاً: إنه من السهل أن يرعى الإنسان أسرة

أو أقرباء له ولكن تحمل مسؤولية رعاية الشعوب أمر صعب، وقد فضل

الله سبحانه وتعالى الإنسان على جميع المخلوقات وسخّر له ما في الأرض وما في البحار، لهذا يجب علينا أن نعمل لخدمة الإنسان وإسعاده.. وإذا كان الله قد فضّل بعضنا على بعض وأنعم عليه بالثروة فيجب أن يفكر الإنسان في أن هذه الثروة ليست ملكاً له ولكن الله سخّرها لخدمة عباده.

المواطن أولا

وفي حرص بالغ نبع من شغله الشاغل بالمواطن وضرورة تحقيق رفاهيته وإسعاده أكد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إن دخل المواطن في دولة الإمارات العربية المتحدة يأتي ترتيبه حسب المصادر الدولية بين المركز الأول والثالث على مستوى العالم وعلى الرغم من ذلك لا يخلو الوطن من ذوي الدخل المحدود لأنه مهما كان المسؤول على إلمام وإدراك فلابدّ أن تمرّ عليه أشياء وهو معذور.. وإذا كان هناك محتاج في الوطن فهذا لا يجوز وعلينا كحكام أن نعمل لصالح جميع أبناء الوطن وفي كافة أرجائه.

بل إنه ذهب أبعد من ذلك في تأكيد حرصه على تحقيق العدل والمساواة بين رعيته محدداً مسؤولية الحاكم تجاه رعيته بقوله »إن الحاكم هو وصي على شعبه وعليه أن يقوم بواجباته ومسؤولياته ويسخّر كل الثروة التي وهبها الله لهذا الشعب من أجل رفاهيته وسعادته وأمنه واستقراره«.

كما اكد الشيخ زايد رحمه الله بصورة قاطعة »على ضرورة العمل بحيث يسود العدل والمساواة في المجتمع ولا يسمح بأن تستحوذ الأسر الحاكمة بالثروات ومقدرات الشعوب ويجب أن تتساوى الأسر الحاكمة ولها احترامها الخاص في الواجبات والحقوق والمسؤوليات مع جميع أفراد الشعب.. ويجب أن تكون متساوية مع الجميع وغير مميزة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات«.

وأضاف في هذا الصدد قائلاً »إن القائد يجب أن يؤمن بأنه الأمين على الشعب وثروته وأن يطبق على نفسه ما يطبقه على شعبه«. وأكد فقيد الوطن الكبير الشيخ زايد لأبنائه المواطنين خلال جولته السنوية المعتادة في العام 1997 »إن دولة الإمارات ستظل ماضية في مسيرتها ليعم الرخاء الدولة وتصل الرفاهية لكل فرد من أفراد هذا الشعب«.

وانطلاقاً من هذا التوجه الذي يجسّد عظمة القيادة الفذّة في تلمّس وتحسّس آمال المواطنين وطموحاتهم أمر الشيخ زايد في 5 أبريل 1998 بتوفير المساكن والمزارع للمواطنين في مختلف أنحاء الدولة وقال »إنه يريد أن يحصل المواطنون الذين ليس لديهم دخل سواء في أبوظبي أو في العين أو في الإمارات الأخرى على مساكن مؤكداً أنه يريد الخير لشعب الإمارات«.

وتساءل بأحاسيس تجسّد حرص ولي الأمر على رعيته وتنبض بمشاعرهم »كيف يكون هناك مواطنون يسكنون بإيجار في أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وغيرها«. وام