استأنف ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري مهمته في بيروت أمس غداة صدور قرار مجلس الأمن رقم 1636 الذي يطالب دمشق بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق أو مواجهة اجراءات أخرى.

وواصلت الدبلوماسية السورية أمس حملتها المضادة على القرار وشككت بجدواه باعتباره سلبياً جداً وان ما زاد إشكاليته اتخاذه بإجماع أعضاء مجلس الأمن وتبنيه على أساس افتراض الاتهام، لكن الموقف الرسمي السوري لم يصل إلى حد رفض التعاون.

وتحضيراً للمرحلة التالية أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى انه سيزور سوريا ولبنان لإجراء محادثات بشأن القرار الدولي نافياً طلباً سوريا بعقد قمة طارئة لبحث تداعيات القرار الذي رحب به رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مطالباً سوريا بالتعاون حتى تكون جزءاً من الحل وليس من المشكلة.

وأعلنت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام ان ميليس وصل الليلة قبل الماضية إلى بيروت قادماً من نيويورك وسط تدابير أمنية مشددة وان وصوله أحيط بالسرية. ومن المقرر ان يستأنف ميليس تحقيقاته في اغتيال الحريري بعد ان وافق مجلس الأمن على تمديد مهمته حتى 15 ديسمبر المقبل.

وسيكون استئناف مهمة ميليس أول اختبار للحكومة السورية على مدى تعاونها مع التحقيق وفقاً لما يطالبها به قرار مجلس الأمن.وتعليقاً على القرار قال مصدر في وزارة الخارجية السورية أمس »نعتبر القرار سلبياً جداً تجاه سوريا وبما انه قد تم بالإجماع فإن إشكاليته قد ازدادت«.

وأضاف المصدر ان »القرار اتهامي وتبنى الافتراضات التي توصل إليها رئيس فريق التحقيق الدولي ديتليف ميليس والتي نعتبرها متسرعة وليست بالقدر الكافي من الموضوعية«.وكان ميليس قد ذكر أسماء مسؤولين سوريين كمشتبه بهم بالضلوع في اغتيال الحريري في انفجار ضخم وقع في بيروت في 14 فبراير الماضي وأسفر أيضاً عن مقتل 22 آخرين.

وصوت مجلس الأمن الاثنين بالإجماع على قرار يطالب سوريا بالتعاون الكامل مع تحقيق الأمم المتحدة أو مواجهة »إجراءات أخرى« ممكنة. وقد تم تبني القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باستخدام القوة رغم ان النص خفف سعياً وراء تحقيق الإجماع الكامل من أعضاء المجلس.

وأكدت إذاعة دمشق الرسمية أمس أن التعاون مع الشرعية الدولية واحترامها أمر تلتزم به دمشق لأنه من مبادئها ويتلاءم مع مواقفها على الرغم مما لديها من تساؤلات مشروعة حول واقع العلاقات الدولية الراهنة.

وذكرت إذاعة دمشق في تعليق لها أمس أن قرار مجلس الأمن جاء ليزيد من تعقيد الأمور في المنطقة لاسيما أنه بني على تقرير يقوم في استنتاجاته على الافتراض أكثر من الأدلة فيما ذهب إليه من اتهامات سواء ما يتعلق بجريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري أو بادعاءاته حول عدم تعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدولية .

وذكرت الإذاعة أن القرار يبدو هو الآخر افتراضيا من جهة اشتراط أمر التعاون الذي أقرته سوريا وأعلنته مرارا وتكرارا لكشف الحقيقة التي فيها مصلحة سوريا مباشرة وفيها أيضا مصلحة دولية لأن من نفذ الجريمة يهدف إلى جر المنطقة والعالم إلى مستنقع جديد يزيد من عوامل الاضطراب .

في القاهرة، أعلن عمرو موسى أمس انه سيزور سوريا ولبنان الأسبوع المقبل لإجراء محادثات بشأن القرار 1636. وأضاف انه يجري التحضير لهاتين الزيارتين في الوقت الراهن.

وحول موقف الجامعة العربية من قرار مجلس الأمن، اكتفى موسى بالقول انه ليس هناك أكثر مما قاله وزير خارجية سوريا (فاورق الشرع) الذي صرح بأن سوريا ستتعاون مع القرار. ونفى وجود ترتيبات لعقد قمة عربية طارئة أو اجتماع لوزراء الخارجية العرب لبحث هذه القضية.

وكان مندوب سوريا الدائم لدى الجامعة العربية يوسف أحمد أعلن بعد اجتماع مع موسى انه ناقش معه »عدداً من القضايا المطروحة على الساحة العربية ومن بينها ما حدث في مجلس الأمن«. ونفى التقارير الصحافية التي أفادت بأن بلاده طلبت عقد قمة عربية.

في بيروت، أكد رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أمس أنه كان من الأفضل لو أن سوريا تعاونت مع التحقيق منذ البداية، معرباً عن أمله في »ان تكون سوريا جزءاً من الحل وليس من المشكلة«.

وقال السنيورة، إثر مغادرته أمس مجلس النواب الذي عقد جلسة مساءلة عادية للحكومة، »من مصلحتنا جميعاً ان نعرف كل ملابسات الجريمة لأن عدم الوصول إلى الحقيقة لا يساعد اللبنانيين ولا غيرهم«، متمنياً »أن تكون سوريا جزءاً من الحل وليس من المشكلة«.

وأصدر رئيس كتلة »المستقبل« النيابية النائب سعد الحريري بياناً أكد فيه ان »دم رفيق الحريري لن يذهب هدراً، وان العدالة يجب ان تصل إلى النهايات المطلوبة، التي من شأنها ان تكشف النقاب عن كل تفاصيل الجريمة الإرهابية التي أودت بالرئيس الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما الأبرار.

وتمكين المجتمع الدولي من سوق المجرمين الجناة إلى المصير الذي يستحقونه، بغض النظر عن المواقع التي يحتلونها وفي أي بلد كانوا«. ورأى ان »قرار مجلس الأمن يعيد الاعتبار لكرامة اللبنانيين التي أريد لها أن تذبح في الرابع عشر من فبراير«.

بدورها، دعت المعارضة السورية دمشق إلى التعاون الجدي والكامل مع اللجنة الدولية عبر تحميل المشتبه بهم »أياً كانت مواقعهم تبعة أعمالهم »إذا أثبت التحقيق تورطهم في الجريمة.

ورأت اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق، الذي ضم أطراف المعارضة السورية الشهر الماضي، في بيان أمس »ان المصلحة الوطنية العليا للشعب والدولة في سوريا تقتضي التعاون الجدي والكامل مع لجنة التحقيق الدولية بغية كشف الحقيقة«.

وأضافت ان الهدف من ذلك »الحيلولة دون وقوع البلاد في موقع التصادم مع المجتمع الدولي ما يوقعها في مزيد من العزلة عربياً ودولياً ويعرضها لعقوبات ليس من العدل ان تفرض على الشعب السوري ولا يمكنه تحملها«.

وشددت المعارضة على رفضها القاطع لفرض عقوبات على الشعب السوري »تأخذه بجريرة أفراد يمكن ان يكونوا قد تورطوا بشكل من الأشكال في الجريمة«.

وطالبت ان يتحمل الأشخاص السوريون، أياً كانت مواقعهم، تبعة أعمالهم في هذه القضية وان ينالوا جزاءهم وفق القانون إذا أثبت التحقيق أو أي محكمة دولية أو إقليمية تورطهم«.

وفي بيان مستقل، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في سوريا بزعامة علي صدر الدين البيانوني والتي تتخذ من لندن مقراً لها تأييدها الكامل لإعلان دمشق.

إلى ذلك، صرح المحامي السوري والناشط في مجال حقوق الإنسان هيثم المالح بأن السوري زياد رمضان المعتقل حالياً في دمشق وصديق الفلسطيني »أبو عدس« الذي تبنى في تسجيل فيديو اغتيال الحريري لم يكن قط على دراية بقيادة السيارات.

وقال المالح ان والدي زياد رمضان طلبا منه قبل ثلاثة أشهر ان يتوسط بحيث يسلم ابنهما نفسه للسلطات بشرط ألا يتعرض للتعذيب.

دمشق، القاهرة، بيروت ـ البيان والوكالات: