تبنى مجلس الأمن الدولي الليلة الماضية بالإجماع قراراً يدعو سوريا إلى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري دون ان يهددها بعقوبات، لكن القرار الذي تمت إجازته استناداً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة لتنفيذه يلوح لسوريا بإجراءات لم يحددها في حال عدم تعاونها مع القرار.

وفور تصويت مجلس الأمن على القرار الذي يحمل الرقم 1636 في جلسة طارئة عقدت على مستوى وزراء الخارجية انتقدت سوريا القرار. بينما اعتبرته الولايات المتحدة دليلاً على انعزال سوريا، مخيرة إياها بين اتخاذ قرار استراتيجي بالعودة إلى الأسرة الدولية أو مواجهة عواقب خطيرة.

وتم تبني القرار عبر تسوية بين أعضاء مجلس الأمن الـ 15 الذين تسببت التباينات الحادة في وجهات النظر بينهم، وخاصة بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا من جهة وروسيا التي كانت تتجه إلى الإطاحة بالقرار عبر استخدام حق النقض والصين من جهة ثانية.

في تأجيل انعقاد جلسة المناقشة نحو ساعة عن الموعد المقرر في ضوء محادثات حساسة لتعديل مسودة القرار التي كانت تتضمن التهديد بفرض عقوبات، إذ خفف لجهة حذف أي إشارة، وإن ضمنية، إلى فرض عقوبات.

واستعيض عن ذلك بفقرة تقول انه في حال رأت لجنة (التحقيق الدولية) ان التعاون لا يفي بمتطلبات هذا القرار، يتمكن المجلس، إذا برزت الضرورة، من النظر في إجراءات إضافية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، لكن مقدمة القرار تشير إلى أن المجلس يتحرك بموجب »الفصل السابع من شرعة« الأمم المتحدة.

وهو ما يتعلق »بالتحرك في حال وجود تهديد ضد السلام وخرق السلام وعمل عدواني« وهي التي تشكل قاعدة لمجلس الأمن لفرض عقوبات أو حتى الذهاب أبعد من ذلك لاحتمال اللجوء إلى القوة.

وجاء في القرار انه »يجب على سوريا ان تعتقل المسؤولين أو الأشخاص السوريين الذين تعتبر اللجنة انه يشتبه بضلوعهم في التخطيط لهذا العمل الإرهابي أو تمويله أو تنظيمه أو ارتكابه وان تجعلهم متاحين للجنة بالكامل«.

وأضاف: يكون للجنة سلطة تقرير مكان وأساليب إجراء المقابلات مع المسؤولين والأشخاص السوريين الذين ترى اللجنة ان لهم صلة بالتحقيق، كما يصر على ان تتوقف سوريا عن التدخل في الشؤون الداخلية للبنان سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وان تمتنع عن أي محاولة ترمي إلى زعزعة استقرار لبنان وان تتقيد بدقة باحترام سيادة هذا البلد وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي.

وبعد إجازة القرار حذرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس دمشق من أن عدم التجاوب مع هذه المطالب سيؤدي إلى عواقب خطيرة من قبل المجموعة الدولية. واعتبرت ان سوريا باتت دولة معزولة وعليها اتخاذ "قرار استراتيجي" للعودة إلى الأسرة الدولية أو مواجهة عقبات خطيرة.

وقالت: "بقرارنا، نبين ان سوريا عزلت نفسها عن الأسرة الدولية عبر تصريحاتها المغلوطة، ودعمها للإرهاب، وتدخلها في شؤون جيرانها وسلوكها الذي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط"، مشددة على ضرورة ان تتخذ الحكومة السورية قراراً استراتيجياً بتغيير سلوكها بصورة جذرية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست ـ بلازي انه "على السلطات السورية الآن التعاون بشكل كامل مع اللجنة لإلقاء الضوء بالكامل في أسرع وقت ممكن على الهجوم الذي أودى بحياة رفيق الحريري"..

في حين حذر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أيضاً دمشق من أن "صبر المجلس له حدود"، مشيراً إلى ان عدم التجاوب مع المتطلبات "سيؤدي إلى تحرك إضافي"، واعتبر ان القرار وجه »رسالة قوية جداً".

وأضاف دوست ـ بلازي انه »على قادة سوريا أن يفهموا ان مجلس الأمن ومن خلاله المجموعة الدولية بأسرها لن يقبلوا مع ما هو أقل من التعاون الفوري والكامل وبأنهم سيحددون تبعات أي خلل من قبل السلطات السورية في الوفاء بالتزاماتهم«.

أما وزير الخارجية الجزائري محمد بجاوي فقد أكد انه لا يجب ان تمر جريمة اغتيال الحريري دون بمعاقبة المجرمين وان القرار كاف لإقناع سوريا بالتعاون مع اللجنة الدولية. وأشار إلى ان الصيغة الأولى للقرار كانت تتضمن تهديداً معاقبة سوريا وانه ليست هناك حاجة لذلك.

وعقب إنهاء أعضاء مجلس الأمن إلقاء كلماتهم قال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ان بلاده تعاونت »تعاوناً كاملاً« مع التحقيق الدولي الذي قام باستجواب المسؤولين السوريين من دون قيود، ولمح إلى ان تواجد الاستخبارات السورية في لبنان لا يعني مسؤوليتها عن التفجير الذي أودى بحياة الحريري.

وإلا "لكانت مسؤولية تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ملقاة على عاتق الاستخبارات الأميركية، ولكانت مسؤولية تفجيرات 7 يوليو 2005 في لندن على عاتق الاستخبارات البريطانية التي كانت على علم بمخططات إرهابية تحاك وأجرت تدريبات على مواجهتها".

وانتقد وزير الخارجية السوري القرار باعتباره "يستهدف سوريا ومواقفها" في الشرق الأوسط، مؤكداً في الوقت نفسه تعاون دمشق التام مع التحقيق.

وأثارت كلمة الشرع تحفظات من قبل الوزير البريطاني جاك سترو الذي اعترض على مقارنة الشرع بين تفجير 14 فبراير في بيروت وتفجيرات 7 يوليو في لندن، وقال ان كلمة الشرع تشير إلى ان التعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولية مستبعد.

نيويورك ـ البيان والوكالات: