صادف أن كان الأستاذ محمد سالم المزروعي الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي موجودا خارج الدولة في موعد انعقاد الندوة، لكنه بعد أن عرف موضوعها أصر على المساهمة، وفاء لعهد الفقيد الكبير وشهادة للحق والتاريخ، فجاءت مشاركته على النحو التالي:
مما لا شك فيه أن الإعجاب بالمغفور له بإذن الله من قبل العديد من المراقبين، كان مرجعه شخصيته التي تجلت فيها ظاهرة حكمته وكرمه وعفويته، إضافة إلى وطنيته، وقد صقلت هذه الشخصية. وبما كان لها من مميزات القيادة بخبرة ولدتها سنوات الحكم والاحتكاك.
لقد تعامل الشيخ زايد ومنذ أيام حكمه الأولى في العين مع كافة الأمور التي يتصدى لها بمنهج يقوم على تحقيق آمال المواطنين وتطلعاتهم لحياة كريمة يسودها الاستقرار والأمن، لقد تعامل المغفور له بإذن الله مع أبناء شعبه تعامل رب الأسرة الذي يستمع إلى شكاوى الناس وتظلماتهم ويقوم بحلها بأساليب تنم عن فطرة تنشد العدل.
وشخصيته كما وصفها أحد الباحثين »تتمتع بالإيمان والاستواء، وبأنها بارعة قوية، سخية سمحة قادرة على تحمل المسؤولية، كريمة معطاءة«. كما يبرز في شخصية سموه حبه للعلم والحث عليه، والواضح أن سموه يمتلك رؤية عميقة جعلت منه صاحب تطلعات للمستقبل.
كل هذه الصفات في شخصيته ساعدت في قدرته على القيادة بنجاح، ففي مجال تطلعه إلى المستقبل باستمرار. يقول في احد خطاباته »إننا نطور مجتمعنا ونبني لأجيالنا القادمة حتى تجد الطريق الذي تسير عليه، وتحقق المزيد من الأعمال، وتضيف رصيدا جديدا من الإنجازات".
كما تبرز من ملامح شخصيته والتي أسهمت في القيادة والبناء، نظرته أن التقدم يقوم لدى سموه على ركيزتين أساسيتين أولاهما التخطيط والعمل والمتابعة مع التنظيم، والثانية الإمكانيات وتوفيرها بما يساهم في النجاح.
ويبرز الانفتاح على العالم كأحد الملامح المهمة في شخصية الشيخ زايد، وهو انفتاح مع رغبة ملحة للاستفادة من الحضارة الحديثة في تطوير الوطن. لقد كانت الزعامة التي تمتع بها المغفور له بإذن الله إنسانية التوجه، بعيدة عن كونها سياسة سلطوية، بالإضافة لكونها سياسة واقعية.
لقد جمعت شخصية سموه جانبي الأصالة والمعاصرة، فبالرغم من التقدم الذي شهدته الدولة وفي كافة الصعد، والأخذ بمسببات التعليم الحديث والانفتاح على العالم، إلا أن سموه كان دائم التأكيد على القيم العربية والإسلامية، تلك القيم التي تنبذ التعصب والتمييز بين الأمم والشعوب. لقد كان سموه يؤمن إيمانا مطلقا بالإسهام الإيجابي في صنع الحضارة الإنسانية.
لقد كان إيمانه بقدرات شعبه والإمكانيات التي يتمتع بها أبناء الإمارات، مع حبهم لوطنهم وتفانيهم في خدمته كبيرا، لذا كان فخورا بزرعه ونتاج سياسته، وكان دائم التأكيد على الجميع لتحمل المسؤولية.
بناء الإنسان
استمرت نظرة سموه إلى اعتبار الإنسان الركيزة الأساسية في المجتمع ومحور أي تقدم، وسبيل كل نجاح. ولتحقيق ذلك لا بد أن يتمتع هذا الإنسان بالحقوق ويحصل على الامتيازات التي تؤهله للقيام بالدور المطلوب منه. ونظرا للظروف التي عاشها إنسان هذه المنطقة والحرمان الذي تعرض له.
والعوز والفاقة مع الجهل والتخلف، فقد نظر سموه إلى هذا الجانب نظرة الوالد والمربي، نظرة المتطلع إلى المستقبل الذي لا بد من بنائه بسواعد متعلمة ومدربة، مع التعويض عن سني الحرمان.
إن جوهر فكر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد كان يقوم على الاهتمام بالإنسان أولا، وكل شيء يجب أن يسخر لخدمته، وكما تمت الإشارة مسبقا، كان اهتمام سموه قائما على بناء أهم ثروة قي الوطن .
الا وهي الإنسان، لذلك جاءت التوجيهات من سموه والتوجهات من كافة الأجهزة بناء على ذلك، داعية إلى توفير مناخات مناسبة للتعليم، باعتباره من أهم الركائز التي يقوم عليها بناء الوطن حاضرا ومستقبلا.
ومن هنا أظهر سموه التزاما دائما بقضية التعليم، وقد شهدت طبيعة التعليم وبنيته وكذلك اساليب التعاطي معه في الدولة تغيرا كبيرا على امتداد السنين، حيث أخذت حلقات التطوير بالعملية التعليمية تترى دون توقف وعلى كافة المراحل التعليمية.
ومن خلال الاطلاع والمتابعة للخطب والكلمات التي أدلى بها سموه خلال مسيرته العامرة بالإنجازات، يمكن رؤية تصميم سموه في جعل التعليم إلزاميا ومجانيا وعبر مراحله المختلفة، وكان الهدف هو نشر التعليم في مجتمع لم تتح له الظروف في الحصول على النصيب المناسب من التعليم بفعل عوامل عدة، أصبح حريا به أن يتخطاها.
وفي احد خطاباته يشير الى انه لا بد من الاهتمام بالإنسان من أعلى.. من عقله وفكره، وأن بناء الإنسان وتسليحه بالعلم وبآخر ما وصل اليه التقدم العلمي هو التحضر الحقيقي، حيث إن بناء الإنسان في هذه المرحلة هو ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت.
وكان سموه يرى كذلك ان العلم هو أساس كل تقدم ومنبع كل حضارة، وأن أفضل استثمار للمال هو خلق أجيال من المثقفين من أبناء الوطن. وتنفيذا لهذه الرؤية التي كانت نابعة من عقل المغفور له بإذن الله، عملت الدولة على إيجاد المرافق التعليمية في كافة أرجاء الوطن، ليكون لابن الإمارات نصيب من ذلك مهما كانت وجهة سكنه.
ولم يقتصر جهد سموه وتوجيهاته على التعليم العام بل عمل على افتتاح الكليات وكان تشجيعه متواصلا للعلم والمتعلمين، ولعل في حرصه الدائم على حضور مناسبات التخرج للطلبة في جامعة الإمارات لدليل ساطع.
وأكيد على هذا التوجه، كما أن إرسال البعثات التعليمية للخارج من ابناء الإمارات وإلحاقهم بالجامعات والكليات في الدول المتقدمة، لدليل على إدراك سموه لأهمية التعليم وتأثيره على مستقبل الدولة.
ومن هنا فإن توسيع قاعدة التعليم ونشره لإعداد الأجيال قد حقق العديد من أهدافه، وإننا لنرى صورة لا شك مختلفة كليا عما كان عليه الوضع عندما قامت الدولة.
وذلك راجع دون شك إلى الاستراتيجية التي تبناها سموه وحث عليها الجميع، والتي تؤكد على أهمية التعليم لمجتمع الإمارات باعتباره صانع الغد، وبأنه أفضل استثمار. وفي مجال الاهتمام بالشباب ورعايتهم، ونظرا لخصوصية مجتمع الإمارات الذي يتمتع بطاقات شبابية.
حيث يمثل الجيل الشاب في الدولة نسبة كبيرة من السكان، إذ يعتبر مجتمع الإمارات من المجتمعات التي تستطيع تجنيد هذه الفئة الحية والفاعلة من المجتمع للنهوض والتقدم وأخذ المكان المناسب بين الأمم. لقد كانت رؤية المغفورله بإن الله، ترتكز على ثروة الوطن وعماده.
وكان حرصه شديدا عليهم من خلال توجييهم ودعوتهم إلى التسلح بالعلم والأخلاق، حتى يسهموا بدورهم في خدمة الوطن، مع ضرورة الإلمام بالماضي والظروف الصعبة والقاسية التي عانى منها آباؤهم وأجدادهم، ليكونوا أكثر معرفة بحاضرهم.
وإذا كان اهتمام سموه بالتعليم والتربية كبيرا وواضحا، فإنه يجب أن لا يغيب عن الذهن اهتمامه بالعمل، من خلال توظيف الشباب واستثمار قدراتهم، وحثهم على المزيد من العمل والإنتاجية.
ولذا جاء اهتمامه بالعمل على إنهاء مشكلة البطالة بين شباب الوطن وإيجاد فرص عمل للخريجين، والعمل على تحقيق حياة كريمة للمواطنين، وفي المقابل كان يطالب الشباب وبشكل دائم بتحمل مسؤولية بلادهم.
وكان ينظر بكثير من الثقة الى شباب الوطن، وينتظر منهم الشيء الكثير. ومن هذا المنطلق تم تأسيس هيئة الموارد البشرية ـ تنمية ـ لتقوم بالدور الذي حدد لها في اختصاصاتها.
وفي نفس المجال، وفي الأمور المتعلقة بالشباب جاء إنشاء صندوق الزواج كمشروع رائد رعاه واحتضنه المغفور له بإذن الله، بعد أن استشعر الإشكالات التي يعاني منها شباب الوطن بفعل بعض المظاهر الدخيلة على المجتمع.
والتي أصبحت تثقل كاهل الشباب وتجعلهم يعزفون عن الزواج لارتفاع المهور والمغالاة فيها، وكانت توجيهاته وفي أكثر من مناسبة تدعو الجميع الى تيسير الزواج والتخفيف من تكاليفه، ولقد تم إنشاء صندوق الزواج للمساهمة في التخفيف من هذه الأعباء، وفي القيام بالدور التوعوي المناسب.
وفي مجال آخر من مجالات دعمه للشباب ونظرا لتفاقم مشكلة السكن وكثرة الراغبين في الحصول على سكن مناسب لتكوين أسرة مستقرة، فقد جاءت توجيهاته لإنشاء برنامج زايد للإسكان للتصدي لهذه الإشكالية التي تؤرق الشباب، وقد قام البرنامج ومنذ إنشائه بالمساهمة بدور حيوي في التخفيف من المشكلة.
إن ما قدمه فقيد الوطن للشباب كثير وفي ميادين مختلفة، فلقد سخر ثروة الوطن وإمكانياته من اجل أبنائه، وكان دائم الترديد انه »لا قيمة للثروة إلا إذا سخرت لخدمة إنسان الوطن ورفاهيته وكرامته«.
ثوابت راسخة
كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وفي العديد من خطاباته، يؤكد على ثوابت ظلت الدولة متمسكة وملتزمة بها، وذلك منذ انطلاقة مسيرة الاتحاد.
وفي طريقة تعاطيها مع القضايا العربية والإسلامية والدولية، ولعل المكانة التي تتمتع بها الدولة على كافة الصعد تعد مؤشرا على متانة هذه الثوابت التي تنطلق منها.
وسلامة الرؤية التي انبثقت من التعامل مع الوضع الدولي بمتغيراته المختلفة. وكانت السياسة الخارجية لدى الشيخ زايد تقوم على عدد من الثوابت التي أخذت الدولة تسترشد بها في جميع المواقف والأزمات، ولعل من أهمها ما يلي:
- المصلحة الوطنية لشعب الإمارات باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية.
- المصلحة القومية للأمة العربية وأمانيها المشروعة في التحرر والوحدة، ومساندة القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين.
- العمل على تحقيق التكامل بين دول الخليج العربية للوصول إلى وحدة جسدتها الطبيعة والتاريخ والأهداف المشتركة.
- دعم القضايا العادلة للعالم الإسلامي، وتدعيم خطط وبرامج التنمية فيه.
- تعزيز السلام العالمي، وزيادة عرى الصداقة بين الشعوب، مع التأكيد على الاحترام المتبادل القائم على مبدأ حسن الجوار، ورعاية المصالح المشتركة.
وفي مجال تكريس مبدأ حسن الجوار كان فكره وتوجهه واضحا، ينم عن وضوح رؤية ومنهج معتمد، ولعل الصورة الناصعة التي تؤكد على هذا المبدأ هي مواقفه المشهودة، والسياسة الخارجية للدولة من قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران، والتي نظر إليها الشيخ زايد دائما باعتبارها مسألة مبدأ، وحقوقاً سليبة لا بد من عودتها لأصحابها الشرعيين .
ولا مساومة على ذلك، انطلاقاً من كونه يمتلك منهجاً كارهاً للظلم ومؤمناً بشرعية الحق وحتميته. ومن منطلق حسن الجوار كان ينظر بأمل لحل الخلاف مع إيران بالتفاهم والحوار الذي يقوم على المنطق، ويستند إلى روابط الأخوة والعقيدة المشتركة، مؤكدا على ضرورة أن تحل القضية بشكل مشرف ودائم.
وأن تكون ضمن تطوير العلاقات بين البلدين بما يعزز الثقة، مع اتخاذ الإجراءات التي تنسجم مع مبادئ القانون الدولي والمواثيق الدولية، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وتمشياً مع هذا المبدأ وعلى صعيد القضايا العربية والإسلامية والدولية، كان داعياً وداعماً وبشكل متواصل لحل الخلافات بين الدول، وكان توجهه بعد نشوب النزاع المسلح بين العراق وإيران في أواخر عام 1979.
هو التأكيد على الجهود الدولية والمساعي الحميدة التي تبذلها كل من منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجموعة عدم الانحياز، وهيئة الأمم المتحدة لإيقاف الحرب، حيث كان يرى في الحرب واستمرارها مأساة حقيقية على البلدين الجارين وعلى مقدراتهما ومستقبل شعوبهما وشعوب المنطقة.
وفي مجال الحرص على التضامن العربي، لم يتردد في مد يد العون والمساهمة في كل ما يؤدي إلى رفعة الأمة، وتعضيد موقفها وصمودها أمام المتربصين بها، ولعل الجميع يتذكر مواقفه المشرفة والشجاعة أثناء حرب أكتوبر 1973، وقراره الصارم بقطع إمدادات النفط عن الدول التي تساند العدوان الإسرائيلي، مع دعمه لإخوانه في الدول التي تخوض الحرب.
كما كان من الداعين وبشكل مستمر لحل الخلافات العربية ورص الصفوف، حقناً للدماء وتوفيراً للموارد، وكانت وساطاته المتكررة في هذا الاتجاه، ولعل من أهمها نجاحه في المصالحة بين ليبيا ومصر عام 1974.
واستمرت جهوده في هذا الجانب، حيث كانت له مواقف مشهودة ومنها مساندته للبنان أثناء العدوان الإسرائيلي على أراضيه عام 1982، والوقوف إلى جانب دولة الكويت عام 1990 في وجه العدوان العراقي واحتلاله لها.
ولعل القضية الفلسطينية كانت على رأس اهتماماته منذ قيام الدولة، والمواقف المبدئية له من هذه القضية تتجسد في المواقف السياسية الداعمة والصادقة، والتي استمرت وتواصلت متمثلة في الدعم اللامحدود، حيث بادرت الدولة بالاعتراف بدولة فلسطين فور إعلانها.
وكانت نصيرة لها في المحافل الدولية المختلفة. وفي المجال الإنساني تبنت الدولة، ووفقاً لتوجهاته العديد من المشاريع في الأراضي المحتلة لدعم صمود الشعب الفلسطيني، وتعزيز الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للمناطق الفلسطينية.
وفي مجال التعامل في العلاقات الدولية برؤية إنسانية شاملة من منطلق المصالح المشتركة والمصير الإنساني الواحد، كانت الدولة ومنذ تأسيسها تسير على منهج قائدها الذي يرى أنها جزء لا يتجزأ من منظومة المجتمع الدولي.
فقد كان ساعياً إلى ترسيخ مبادئ القانون الدولي المستندة على قيم الحق والعدالة والمساواة، مع احترام حقوق كافة الشعوب في العيش الحر والكريم، واحترام خصوصيات الشعوب والمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
وتأكيد دور المنظمات الدولية، مع ضرورة التعاون معها بما يحقق أهدافها الإنسانية. ولذا سارعت الدولة وبناء على توجيهات زايد للانضمام إلى عضوية المنظمات الدولية.
وكان يرى أن مسيرة التطور والتنمية في العالم لا يمكن أن تقوم ولا تكتسب استدامتها دون توفير البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية المناسبة.ولذلك فإن منهج زايد وسياسته قاما على تدعيم هذا الاتجاه عبر صور متعددة، ولعل من أهمها ما يلي:
- المطالبة بتعزيز السلم والأمن في العالم، ودعم قيام قوات حفظ السلام الدولية بمهمات إنسانية لمساعدة المدنيين في مناطق النزاع. وتطبيقا لذلك فقد ساهمت الدولة وعبر قواتها المسلحة في نشر الاستقرار في إقليم كوسوفو، وتقديم الدعم المادي والإنساني لشعب الإقليم.
- تقديم المساعدات الإنسانية لمناطق النزاع والكوارث الطبيعية من خلال تقديم المعونات وقيام كل من هيئة الهلال الأحمر، ومؤسسة زايد الخيرية والإنسانية بواجباتهما، وذلك في كل من أفغانستان والبوسنة والهرسك والصومال وغيرها من المناطق المنكوبة.