ضمير الأمة.. حكيم العرب.. رجل يجسد الوطن وأمة في رجل.. موحد الآمال وباني الأجيال.. الأب والمعلم.. نبع الأصالة ورائد الحداثة.. من حمى الوطن بسياج المحبة قبل قوة السلاح.. الوحدوي نهجا وقناعة..
الموحد إيمانا وعقيدة.. من لم يعرفه بقربه منه، عرفه بمآثره وأياديه البيضاء التي لم تثنها الحدود أو توقفها الحواجز، لتمتد عبر أوطان العرب ومواطن المسلمين، وصولا إلى الأسرة الإنسانية جمعاء، وفق رؤية واعية لمصالحها المشتركة ومصيرها الواحد..
تلك بعض صفات وسمات الراحل الكبير المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ومن كانت هذه بعض صفاته فهيهات أن يحده مجلس أو تحيط به ندوة أو يغني عنه كتاب.. لكن ما لا يدرك كله فلا اقل من أن يشار إليه ويتوقف عنده..
وفي الذكرى الأولى لهذا الرحيل الأليم عقدت وحدة الدراسات في »البيان« ندوة خاصة بهذه الذكرى، شاركت فيها نخبة من أصحاب الرأي والخبرة الذين عايشوا بدايات المسيرة وبواكير النهضة الشاملة التي وضع أسسها وحدد معالمها ورعى مراحلها المختلفة فقيد الوطن والأمة الشيخ زايد رحمه الله.
كما شارك في الندوة بعض الشباب من "جيل زايد" الذي وعى نضج مسيرة العطاء والبناء وحصد ثمار ما زرعه الآباء من جد وجهد في مرحلة التأسيس والبناء بقيادة المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه.
...................
وقد أدار الندة د. محمد عبد الله المطوع الذي افتتحها بكلمة شكر فيها الحضور على تلبيتهم الدعوة للمشاركة في ندوة عن الشيخ زايد القائد والإنسان يرحمه الله ويسكنه الجنة. وأضاف: حين نتكلم عن الشيخ زايد في الحقيقة نعجز.
ومهما أقمنا من ندوات ومهما أجرينا من دراسات وأبحاث تبقى شخصية الشيخ زايد من الشخصيات المميزة في تاريخ الإمارات والمنطقة العربية ككل، وأيضا في العالم الإسلامي.
الشيخ زايد رحمه الله ترك آثاره الطيبة على هذه الأرض وقد كان من القيادات التي لن تتكرر ثانية. ربما بعد فترة طويلة من الزمن سوف نفهم هذه الشخصية كيف تعمل.
وما شهدناه خلال السنة الماضية من تفاعل الناس المقيمين سواء داخل الدولة أو خارجها عندما سمعوا بنبأ الوفاة، يشير إلى صدمة حقيقية، مع الإيمان بأن الأعمار بيد الله وان كل نفس ذائقة الموت.
ونتمنى من الله أن يسكنه الجنة، وستظل أفعاله ودوره الحقيقي في ترسيخ الدولة الاتحادية، وما يتمتع به الإنسان في هذه الأرض سواء من المواطنين أو الوافدين ذكرى للجميع عن هذا الدور.
ونحن نتحدث عنه في هذه المحاور الأربعة سنتناول ملامح شخصيته ونهجه في القيادة والبناء، ودوره في بناء الإنسان كهدف ووسيلة لبناء الوطن، ونظرته إلى المرأة وتشجيعه لها واهتمامه بالأسرة، بالإضافة إلى السياسة الخارجية في عهده.
نحاول، من خلال هذه المحاور، أن نغطي جانبا من حياة الشيخ زايد قدر المستطاع في ندوة، على الرغم من أن هذه المحاور كل منها يحتاج لندوات، وان نوفي جزءا من حق هذا الإنسان علينا بأن نذكره أو نحاول قدر المستطاع أن نبين هذه الملامح للأجيال الجديدة التي ستظل ذكرى زايد دائما في وجدانهم. واليوم ننشر الجزء الثاني والأخير من هذه الندوة..
بناء الإنسان
* د. محمد المطوع: في المحور الثاني سنتناول دور الشيخ زايد في بناء الإنسان كهدف ووسيلة لبناء الوطن وصيانة منجزاته، من الاهتمام بالتعليم إلى رعاية الشباب والعناية بهم وتسخير الثروة لخدمة المواطنين وتوفير الحياة الكريمة لهم.
وكلنا يعلم أن أعداد المتعلمين في دولة الإمارات قبل قيام الدولة الاتحادية كانت بسيطة جدا وكنا نعتمد على الدول الأخرى.
ولكن بعد قيام الدولة أصبحت لدينا فورة في مجال التعليم، سواء في ما يتعلق بعدد المتعلمين والمناهج أو المدارس، أضف إلى ذلك الكثير مما نلاحظه من رعاية الشباب، وطبعا هذا بفضل توجيهات الشيخ زايد رحمه الله.
* د. سليمان الجاسم: إن مسيرة التعليم في عهد المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (1918-2004)، ليست مجرد فترة زمنية تبدأ بتاريخ وتنتهي بآخر.
أو إحصائية تفصيلية لعدد المدارس والجامعات والكليات الحكومية والخاصة، وليست في أعداد الطلاب والطالبات في التعليم العام والعالي، أو في توفير التعليم المجاني حتى مرحلة ما بعد الجامعة.
إنها في الواقع فكر يؤمن بأهمية التعليم كأداة لتحقيق تنمية نوعية للإنسان في الإمارات، ورؤية تنظر لطبقة المتعلمين والمثقفين على أنهم الثروة الحقيقية للوطن، وسياسة تعليمية لا تغفل منجزات العلم الحديث.
كما لا تنسى التراث الإيجابي، وملامح الشخصية الوطنية. إنها فلسفة تزاوج الأصالة بالمعاصرة في إطار من الوعي العميق بخصوصية المنطقة، جغرافيا وتاريخيا وعقائديا.
انه مما لا شك فيه أن الشيخ زايد، رحمه الله، قد كلل المرحلة برؤيته، وكانت ايجابية، وأكبر برهان على ذلك أعداد المواطنين الخريجين الذين يعملون في مناصب حساسة ومراكز قيادية في شتى مجالات العمل.
لقد وظف الشيخ زايد، رحمه الله، المال لخدمة التعليم، والتعليم كما أسلفنا ليس في بناء المدارس وجلب المدرسين فحسب، بل في تهيئة المناخ للتحصيل العلمي. فكان الاستقرار والأمن أهم عوامل نجاح السياسة التعليمية، ناهيك عن تجميل الطبيعة من حول الدارسين، ليندمج الجمالي بالعلمي في إطار من التجانس المعرفي والانسجام بين الإنسان والطبيعة.
وإذا كان »بناء الرجال أصعب من بناء المصانع والدول المتقدمة تقاس بعدد أبنائها المتعلمين« وأن » أفضل استثمار للمال هو استثماره في خلق أجيال من المتعلمين والمثقفين، وعلينا أن نسابق الزمن.
وأن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم والتزود بالمعرفة أسرع من خطانا في أي مجال آخر« كما قال الشيخ زايد رحمه الله، فإن الأصعب هو وجود قادة مثل الشيخ زايد يحملون هذا الفكر في الزمن الصعب.
إن السياسة التعليمية التي اتبعها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، شملت جميع إمارات الدولة، وجميع المدن، بل امتدت إلى القرى النائية أيضا، في إطار التنمية البشرية، وضمن سياسة التمدين والتحديث التي انتهجها سموه لتحقيق الاستقرار للمواطنين في أماكن سكناهم، وحتى لا تحدث هجرة كاملة إلى المدينة.
إن النظرة الاستشرافية التي تمتع بها الشيخ زايد رحمه الله، كانت قادرة على قراءة المستقبل بناء على معطيات الحاضر. ففي العام 1988، وكانت ثورة المعلومات قد بدأت تزدهر بشكل كبير في العالم، أيقن بنفاذ بصيرته الحاجة الماسة للتعليم التقني،.
وأدرك رحمه الله، أن المستقبل سيشهد اعتمادا كبيرا على التكنولوجيا، فأمر بافتتاح كليات التقنية العليا في العام 1988 لتوفر خريجين يستطيعون التعامل مع الأجهزة الحديثة والتقنيات المتطورة.
لقد كان اهتمام الشيخ زايد رحمه الله، بتعليم المرأة موازيا لتعليم الرجل، ومن أجل تسهيل التعليم أمر ببناء جامعة زايد للطالبات في العام 1998 في أبو ظبي والعين، ليخفف الضغط عن جامعة الإمارات، ولتوفير التعليم المتطور والنوعي لفتاة الإمارات.
وكمحصلة، وصل عدد مؤسسات التعليم العالي في الدولة عام 2002/2003 إلى 22 مؤسسة، وارتفع عدد الطلبة والطالبات فيها من 58656 طالب وطالبة في العام الدراسي 2000/2001 إلى 68182 طالبا وطالبة في العام الدراسي 2002/2003، بمتوسط معدل نمو سنوي بلغ نحو 7.8%.
انه يمكن القول بكل ثقة، أن عهد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، كان عهد تنوير بكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد تربوية وثقافية وفلسفية واجتماعية. وارتكز اهتمامه، رحمه الله، على استراتيجية تؤمن بأن المال يجب أن يوظف من أجل تخريج أجيال من المتعلمين والمثقفين. وكان له ما أراد.
واضح جدا مما ذكر أن استمرارية هذه الدولة قامت على حرص وتأكيد من المغفور له الشيخ زايد على أن تشغيل دفة التنمية وإدارتها يجب أن يكون على كاهل أبناء هذه الدولة. واقتناعا بذلك، أكد في أكثر من مناسبة أن ثروة هذه الدولة هم رجالها وهم شبابها.
»الاستثمار في البشر أفضل استثمار«، دائما كان يكرر ذلك في أي مناسبة داخل جامعة الإمارات، في اجتماع مجلس الإعلام، وكررها في كثير من الاجتماعات. وركز في مقولاته على أن بناء الإنسان أهم من بناء الطابوق والعمارات.
ونحن دائما نفتخر بها. فقناعته من البداية أن التعليم يجب أن يأخذ أولوية في أجندته السياسية والإدارية والاستثمارية. عندما كان حاكما على العين في المنطقة الشرقية كان يهتم بالتعليم وأسس وفتح المدارس سنة 1960.
وبنى المدارس وجلب مجموعة من المدرسين من البحرين وفلسطين ومصر، حتى انه صرف من موارده الخاصة لتشجيع المدرسين للبقاء في العين وللاستمرار والبقاء في المدارس.
وفي سنة 1966 أو 1967 بعدما تولى الحكم في أبوظبي، لم يتجه فقط أو يركز على إمارة أبوظبي وحدها، بل اتجه أيضا إلى الإمارات والمدن الأخرى قبل قيام الاتحاد.
أذكر أنه في الفجيرة، كانت تأتي السيارات من أبوظبي ويتم تأجير بيوت شعبية هي بيوت قديمة مبنية من الاسمنت والطابوق أي بناء عادي، يتم تأجيره كمدارس يدرس فيها الأولاد في الفترة الصباحية ويدرس فيها كبار السن في الفترة المسائية، وكان يعطي مكافأة لكل طالب 150 درهما.
وكانت هذه المكافأة تمثل مبلغا كبيرا جدا في تلك الفترة. فكثير من أولياء الأمور حرصوا على أن يجلبوا أولادهم، بعضهم بهدف أن يطور القدرة التعليمية لأبنائهم وبعضهم طمعا بالحصول على 150 درهما.
كبار السن والعجائز كانوا يأتون المدارس بعد المغرب ليتعلموا، كذلك الآباء والأمهات، ولم تكن هناك كهرباء ولا ماء، كانوا ينصبون لهم انتريكات (مصابيح يدوية). هذا مؤشر قوي على الرؤية الثاقبة بعيدة المدى لهذا الرجل.
إن أول ما بدأ فيه هو نشر التعليم ومحو الأمية لأكبر قدر من السكان، باعتبار أن هؤلاء تقوم عليهم بنى مؤسسات الدولة. أيضا الاهتمام برعاية الشباب والأندية وكان يزور المدارس شخصيا.
كثير من زيارات المدارس كان يلتقي فيها بالمدرسين والطلاب ويجلس معهم على كرسي الدراسة يسألهم ويناقشهم، كما كان أيضا يزور الأندية ويلتقي مع الكفاءات الشبابية ويحاورهم وكان يهتم بالرياضة.
فاعتقد أن رعاية الأبناء والبنات واهتمامه الشخصي بالتعليم إحدى ثماره هذه الكوكبة الجميلة الواعدة من الأبناء الذين يديرون ويشغلون هذه التنمية الواعدة لدولة الإمارات العربية المتحدة.
مفخرة للجميع
* سعيد الكندي: التعليم في دولة الإمارات جيد. لقد مررت بمؤسسة »اتصالات« فوجدت شبابا مواطنين يصلحون التلفونات. سألتهم "إلى أي بلد تنتمون؟« فقالوا "نحن من الإمارات". سألتهم: »أين درستم؟« قالوا:
»في دولة الإمارات العربية المتحدة». من دون شك هذه مفخرة وشيء نعتز به. لا يوجد مصرف اليوم إلا وتجد فيه وجوها من المواطنين، ولا يوجد مستشفى إلا فيه مجموعة من المواطنين. وهذا الشيء كله من جهود زايد والحكام. والحمد لله اليوم لدينا نخبة من الرجال الخيرين الدارسين في داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.
أنا في السابق كنت أسافر مرتين في السنة إلى نيويورك ثم إلى واشنطن لملاقاة أولادي الستة الذين يدرسون هناك. يشهد الله علي أنني أبقى عندهم أسبوعا وإذا تركتهم تدمع عيني. »أذكر مودتهم والدمع يقطر بيننا وكذاك كل مودع مشتاق«. يشهد الله علي أن عيني كانت تدمع. وأذكر انه بقي واحد منهم لم يكن قد أنهى دراسته. قال له الأستاذ:
"أنت الآن في بداية حياتك لكن في مجال العمل، هناك تكون نتيجة الدراسة الصحيحة؟«. ودعته عند القطار وكنت متجها إلى نيويورك من واشنطن. أما اليوم، والحمد لله، فأبناؤنا موجودون في جامعات في دولة الإمارات. نحافظ عليهم ونتابعهم ونراهم ونعيش معهم.
على كل حال الواحد اليوم منا يشعر بفخر واعتزاز بأبناء دولة الإمارات وهم قابضون على الأعمال التجارية والصناعية والمهنية. يقول سلطان بن علي العويس رحمة الله عليه »ابنوا المصانع ثم قولوا رأيكم تجدوه مقبولا أمام الضاري.
وإذا تفاخرتم فقولوا مصنعا نحتاج للحداد والنجار«. اليوم لدينا رجال من خيرة الرجال في دولة الإمارات. أتمنى إن شاء الله أن نستمر في هذه الحياة الطيبة، ونطلب للجميع الخير والسعادة.
* د. روضة المطوع: إذا أردنا أن نتكلم عن التعليم في فكر الشيخ زايد، نقول إن الشيخ زايد منذ بدايته كان التعليم هاجسا بالنسبة له، تعليم المرأة والرجل. تماما مثل ما كان بناء الدولة أيضا هاجسا بالنسبة له.
هذا الرجل رجل أمة، رجل تاريخ، رجل بناء الإنسان.
رجل وقف وقال إن البترول ليس غاليا على الرغم من حاجتنا إليه، لكن لدينا دم عربي أغلى من البترول. وقف وقال إن التعليم هو المرآة التي يستطيع الإنسان أن يرى فيها نفسه. برأيه عندما يكون المرء متعلما يكون قادرا حتى أن يتجنب عدوه.
وكان يقول أمامنا دائما: لماذا الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يقول »اطلب العلم ولو في الصين«، وترون كم الصين بعيدة عن مكة والمدينة، إلا انه كان يعلم بوجود بلاد بعيدة هي الصين... اذهبوا، هل تريدون أن تدرسوا في مصر تخصصات أخرى، سافروا وادرسوا في مصر. اذهبوا إلى الأردن إلى أي دولة أخرى وادرسوا.
كان لديه أفق في التعليم راق جدا. أنا دائما أقول إن زايد بنى علاقة بينه وبين شعبه. كان ضمير أمته وضمير شعبه. نحن نرى في وجه زايد ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة.
لان الكراسي التي وضعت في المدرسة فتحت لنا كجيل سابق آفاقا وقد درس عليها أولادنا وسيدرس عليها أحفادنا، حتى لو تغير الكرسي ككرسي وتغير المبنى كمبنى ولو تغير المسمى، إلا أن كل هذا يسجل في تاريخ زايد. التعليم لدينا هو زايد، وزايد هو التعليم بالنسبة لنا كشعب إماراتي.
رعاية الشباب
* هشام الكتّاب: اهتم المغفور له الشيخ زايد بالتعليم حيث انتشرت في عهده المدارس والجامعات وحارب الأمية بين الأجيال الناشئة، علاوة على سعيه لمحو الأمية بين الكبار.
ولم يكتف بذلك بل أرسل البعثات إلى خارج البلاد للاستفادة من تجارب وخبرات الدول المتقدمة واستقدم خيرة الأساتذة للتعليم داخل الدولة وشجع الفتيات على ارتياد هذا الحقل، بعد أن كانت أبوظبي محرومة من المدارس ومناهل العلم ويسر لهم ذلك مجانا.
لقد اهتم القائد بالشباب من الجنسين لأنهم في نظره أمل الغد وعماد المستقبل، وكانت من اهتماماته حملات التوعية بينهم وحثهم على الفضيلة والتحلي بالأخلاق الحميدة.
وكان رحمه الله دائما يشير إلى انه يحاول أن يعوض شعبه عما لاقاه من عنت الحياة الماضية وان تعم نعمة الله كل بيت في وطنه، فقام بتوزيع الأراضي على المواطنين وسهل لهم بناءها للسكن أو للاستثمار لتغطية احتياجاتهم المعيشية.
كما وزع عليهم الأراضي الزراعية وقدم لهم الخبرات والأموال لتطوير الأراضي وتحسين الإنتاج، وأنشأ لهم المراكز الزراعية لاستقبال منتجاتهم وتسويقها للدولة وللأسواق المحلية.
* سيف العامري: سأل أحد الصحافيين المغفور له الشيخ زايد في مقابلة »هل إن ما بنى دولة الإمارات هي المصانع؟«. فرد عليه المغفور له الشيخ زايد: »عزيمة الرجال هي التي تبني المصانع، لا المصانع هي التي تبني الرجال. أنا زرعت والآن أجنى الثمرة، ثمرة الشباب والتقدم الذي وصلت إليه دولة الإمارات سواء من التعليم أو من الصناعة".
لقد كرس الشيخ زايد تعليم الشباب ووفر لهم وسائله، سواء من خيرة الأساتذة والمدرسين أو من الجامعات والمدارس، كما أنار لهم حسن فكرة التعليم والهدف الذي يصل إليه الإنسان من العلم الجيد.
* د. روضة المطوع: إذا أردنا أن نتكلم عن الشيخ زايد، فالشيخ زايد أب وقائد وزعيم وصديق، وهو إلى جانب ذلك شخص متواضع. وعندما تجلس مع شخصية تتميز بكل هذه السمات، يفتح معك محاور تعجز أو تخجل كمتعلم عنها. مثلا، جئت في إحدى المرات فرحة أقول له »خلاص انحلت قضية فلسطين. وقعوا اتفاقية كامب ديفيد». فقال لي:
"لا لا، تعالي" وأجلسني قربه وقال لي: »اليوم بدأت مشكلة فلسطين». شعرت بصدمة، إذ كيف بدأت اليوم والناس تهلل! لكنه دائما كان يقول لنا لا تحكموا على الشيء من الظاهر.
مرة أخرى، اخبرني عن الشيخ صقر بن محمد، الله يطول لي عمره. وقال لي »في إحدى المرات من الفرح أمسكت الميكروفون في عام 1967 وقلت: أسقطنا للعدو 300 طيارة. ولما أغلقت الميكروفون قلت الحمد لله مبروك خلصت طائراتهم.
". ثم قال: لم تقولي كم عدد الطائرات التي هجم بها العدو حتى استطعتم إسقاط 300 طائرة منها. هذه نقطة، والنقطة الثانية لم تقولي كم اسقط لكم العدو من طائرات".وفعلا أنا إلى اليوم ما زلت مصدومة أن طائراتنا هي التي كانت على الأرض وأننا كنا لا حول لنا ولا قوة. فكان يعطي ملامح في التعليم، كان يربي وكان يعلمنا كيف نكون إلى حد ما حكماء، وكم كان حكيما!
أتذكر مرة الشيخ عبد الله بن زايد عندما كان صغيرا، كان يقترب مني بين فينة وأخرى، وأنا في مجلس الشيخ زايد، ويهمس في أذني ويسألني أسئلة لا استطيع أن أجيب عنها. كان يسألني مثلا »مستقبل الطيران هل هو للطائرة الكبيرة أم الصغيرة؟». ولا حظ الشيخ زايد ذلك فسألني: ما الذي يريده؟
فقلت له انه يطرح علي أسئلة لا استطيع الإجابة عنها. فقال لي الشيخ زايد باستغراب: »ولم تستطيعي الإجابة عليه؟« قلت له :»لا«، قال لي: »كيف إذن تكونين مربية؟ اذهبي وردي على سؤال عبد الله عن الأمر«. حتى في علاقته مع أولاده كان ينورهم، كان معلما.
أتذكر أولاد الشيخ حمدان بن زايد يوم حصل الغزو العراقي للكويت، كل الصغار تم إلباسهم ثياب الميدان وعندما رآهم الشيخ زايد لابسين الزي العسكري وقادمين لإلقاء السلام عليه، وقف هذا الرجل العظيم حتى يرد عليهم السلام والتحية. فهذا فعلا هو القائد المعلم.
* د. سليمان الجاسم: أريد أن اسرد واقعة حصلت مع المخرج المعروف يوسف شاهين. فقد زارني في مكتبي مرة، فسألته: ما سبب الزيارة؟ قال لي: هذه أول زيارة لي للإمارات. وأضاف: كنت مريضا في مصر في المستشفى وكانت حالتي خطيرة جدا بين الحياة والموت.
وفجأة دق التلفون فقام ابن أختي الجالس بجانبي في الغرفة برفع السماعة، فجاءه الكلام »هنا سفير الإمارات العربية المتحدة، أريد أن أتكلم مع السيد يوسف شاهين». وأضاف يوسف انه أخذ التلفون بيده وسأل عن الموضوع فجاءني الرد:
"أنا سفير الإمارات ولدي توجيهات الآن من الشيخ زايد بتوفير العلاج لك في أي مكان سواء في القاهرة أو في الخارج«. يقول يوسف شاهين تساءلت حينها أيعرفني الشيخ زايد؟ وكيف عرف أني مريض وواقع في هذه الأزمة، ويترك مشاغله كلها ويهتم بواحد مثلي قابع في مستشفى في القاهرة؟
أنا أقول إن هذا الإنسان غير طبيعي لا يسأل عن شعبه فقط، بل يسأل عن ابعد شخص في الوطن العربي. وقال يوسف شاهين انه رد على سفير الإمارات: مجرد سؤال الشيخ زايد عن صحتي واتصالك بي هو بمثابة علاج لي. فقال السفير: لا، أنا لدي تعليمات بذلك. وفعلا الله يرحمه الشيخ زايد وفر العلاج.
وأضاف يوسف شاهين خلال زيارته لي في المكتب: »انتم لديكم قائد فذ، شخصية كاريزمية فذة ليس رئيساً بل قائد. انه يتعامل معكم بمشاعر الأبوة، يتعامل مع الشعب وكأنهم أبناؤه. وقد أعجبتني لافتة وأنا انزل من مطار أبو ظبي مكتوب عليها »أحببتنا فأحببناك«. هو أحبكم فأنتم بادلتموه الحب. انتم عندما تعاملتم معه ليس خوفا منه .
كما في الأنظمة الديكتاتورية التي تتعامل مع حكامها وقياداتها خوفا من الزعيم، يصفقون أمامه ويخرجون في مظاهرات وبعدها يتكلمون عنه بكلام سيئ. بل تعاملتم معه معاملة أب، لأنه أحبكم وعطف عليكم ورعاكم واهتم بكم، وانتم بالمقابل أحببتموه«.
وهذا تجلى أيضا في خروج المظاهرات لاستقبال المرحوم الشيخ زايد بعد عودته من العلاج، وكذلك عندما أعلن انه لن يجدد رئاسته للاتحاد وخرجت الناس في مظاهرات. وأيضا هذا الكم الهائل من الناس الذين شيعوه رحمه الله، وليسوا فقط من المواطنين بل أيضا من المقيمين في هذه الدولة. فهو تعامل مع الكل معاملة أبوية.
* د. محمد المطوع: على ذكر العراق، فان الشيخ زايد رحمه الله، حتى في ذروة الأزمة، عرض مشروعا على صدام حسين حتى لا يتعرض الشعب العراقي للقصف أو ما حدث فيما بعد، لكن صدام لا يسمع لأحد.
اعني انه في تلك اللحظة الحرجة كان الشيخ زايد حريصا على الشعب العراقي وعلى ألا يتعرض لما حدث بعد ذلك.
* هشام الكتاب: وأول دولة بادرت وسعت لإرسال المعونات إلى الشعب العراقي هي الإمارات العربية المتحدة، والشيخ زايد هو الذي أمر بذلك من خلال بناء المستشفيات وتوفير المياه.. وغيرها.
المرأة والأسرة
* د. محمد المطوع: في ظل هذه الاهتمامات، بالطبع، لا ننسى مشروع الشيخ زايد للإسكان وكذلك إسهاماته في رعاية الشباب، مثل صندوق الزواج وغيره من المشاريع الكثيرة التي كانت تهدف إلى توفير الحياة الكريمة للمواطنين، سواء عن طريق توفير السكن وحتى المساعدة على الزواج. وطبعا التعليم كان مهتما به كثيرا، وربما اغلب الجالسين.
وأنا احدهم، لولا توجيهات الشيخ زايد لما استطعنا الحصول على الدكتوراه في الخارج، ولما واصلنا تعليمنا في الجامعات، حيث لم تكن في الإمارات جامعة في تلك الفترة.
فكل ما نراه الآن من جامعات ومؤسسات تعليمية في الدولة إنما هو نتيجة توجيهات زايد واهتمامه بالتعليم. والآن ننتقل للمحور الثالث حول المرأة والأسرة في فكر زايد وممارسته، والبداية مع الدكتورة روضة..
* د. روضة المطوع: رغم أني أتذكره دائما وأدعو له بعد كل صلاة، إلا أنني مهما قلت لن أوفيه حقه. أما المرأة في فكر زايد فقد كانت دائما لها مكانة خاصة. نظر إليها بعيني شاعر. تمثل شعره في المرأة في نظرته إليها بحنان وتقدير وإعجاب.
أبدأ بحياته الخاصة، ثم بعد ذلك في الحياة العامة. اذكر له ثلاثة مواقف تجاه أسرته الخاصة توضح كيف كانت نظرته للمرأة. ففي إحدى المرات كنا في عيد ونحن هنا في الإمارات وكان الشيخ زايد في المغرب .
واتصل بنا فكنت على الهاتف ثم أوصلته إلى أم محمد (سمو الشيخة فاطمة) فهناته بمناسبة العيد، ثم سألها إن كنت ما زلت موجودة وأملاني، ردا على تهنئة الشيخة فاطمة في هذه المناسبة، بيتا (من الشعر النبطي) يقول فيه:
العيد عيدك يا مها الخودِ
والا أنا فلا جاني العيدِ
مرة أخرى كنت موجودة معه في أبو ظبي بينما كانت أم محمد في طريقها عائدة إلى الدولة، فقلت له: طال عمرك، لا يمكن أن نجلس معك طويلا لان الطائرة ستصل وسنذهب إلى المطار. فقال لي: عندما تصل قولي لها يقول لك زايد: يا سفر هذا الوطن.
وفي مرة ثالثة أصابته الانفلونزا مع حرارة أقعدته في الفراش ثلاثة أيام، وكانت (الشيخة) شما تجلس عند رأسه وتحضر له »كمادات« وكل ما فتح عينيه وجدها إلى جانبه.
فلما خفت حرارته واطمأنت على حالته الصحية ذهبت إلى بيتها وحين لم يجدها سأل أين هي، فقلت له إنها ذهبت إلى البيت، فسألني ما الذي في يدك، وكنت احمل مظروفا ورقيا، ثم قال لي اكتبي:
قفّا ولا ودعني ها الضيف وشبلاه؟
هو زعلان مني والا حمقوه اخواه!
فالمرأة كانت لها مكانة كبيرة عند الشيخ زايد، وفي التعليم بصورة خاصة. أنا، مثلا، لماذا تركت رأس الخيمة وذهبت إلى أبو ظبي؟ رأس الخيمة لم تدخل الاتحاد عند قيامه، وكلكم تعرفون ذلك، فجاء الشيخ زايد في زيارة إليها.
وكنت أنا حينها مديرة حضانة أطفال وقيل لي انه سيزور روضة الأطفال، فانتظرته لكن الاجتماع امتد ولم يصلنا إلا حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، ولحظة وصوله بادرني بالسؤال: كل هؤلاء عيالك وما زلت تحبسينهم حتى الآن؟
فأجبته إنهم ينتظرونكم، فسألني إن كانوا قد تغدوا؟ وعندما رددت عليه بالإيجاب قال: إذن، أنا الآن مطمئن على أن الجيل القادم الذي تتحملون أمانته ستقومون بتربيته ورعايته.
وكان دائما يحثنا على الحضور والمشاركة في كل المؤتمرات النسائية العربية والدولية، ولكن بشرط ألا تشقوا الصف العربي، وحين قلت له إن البعض يستفزنا أحيانا، رد علي قائلا: مهما كان، كونوا دائما مع الإجماع العربي ولا تشذوا.
وكان يسأل باستمرار عن أحوال الجمعيات النسائية ويحرص على تشجيعها وتلبية مطالبها مهما كانت ما دامت تعلم المرأة وتفيدها. وكان يحب أن يطمئن على أن بنات الجيل الجديد يعرفن ويجدن مهن أمهاتهن وجداتهن، من طبخ ومهام منزلية وغيرها. وكان يقول: إذا لم تتعلم بنات الجيل الجديد كيف كانت تعمل أمهاتهن وجداتهن فلن يحفظن النعمة.
وكنت أؤكد له أن الجيل الجديد من بناتنا يعرفن ذلك، وأننا في الجمعيات والاتحادات النسائية نقوم بتدريبهن وتعريفهن بهذه العادات والتقاليد من خلال معسكرات ومخيمات المرشدات والكشافة. بل إني اقترحت عليه أن يجرب ذلك بنفسه من خلال مشاهدة احد المعسكرات، وقد حصل فعلا، وقدم لنا هدايا قيمة في تلك المناسبة.
المرأة عند زايد هي حاضنة الأطفال ومربية الأجيال وصانعة الرجال. وكان يقول دائما اننا إذا استطعنا أن نوجد امرأة قادرة وقديرة في الوقت نفسه، فإننا نستطيع أن نكوّن جيلا قادرا على حماية هذا الوطن. كما كان يحثنا على التحلي بأخلاق آبائنا وأمهاتنا.
زايد كان يعز المرأة كثيرا ولم يبخل عليها بأي شيء، وحتى وهو على فراش مرضه الأخير أحس أن هناك خطوة لا بد من انجازها لكي تستكمل المرأة ما تتمناه من مساواة يتشدق بها الغرب، فأعطاها الوزارة وكانت وزارة الاقتصاد من حق المرأة.
زايد وموقفه من المرأة حديث يطول، وجرح غيابه لا يندمل والحزن عليه كبير.
* د. سليمان الجاسم: الشيخ زايد رحمه الله أنصف المرأة وأعطاها حقها أكثر من أي دولة من الدول المجاورة، واهتمامه بها بدأ مبكرا ومن البداية من خلال الاهتمام بالتعليم .
حيث أقيمت مدارس البنين والبنات وأنشئت جامعة الإمارات وكليات التقنية للطلاب والطالبات ثم فتحت جامعة زايد للبنات عام 1998، ونسبة البنات في التعليم اكبر من نسبة الأبناء مما يؤكد قناعتنا بان المرأة المتعلمة هي التي ستكون الأم والزوجة الصالحة، وهي التي تستطيع أن تدير وتحقق التنمية.
كذلك عندما تم تأسيس جمعية نهضة المرأة الظبيانية ثم الاتحاد النسائي، حيث ساهم بشكل كبير في تشجيع فتح جمعيات نسائية في الإمارات الأخرى. فالشيخة فاطمة تولت ريادة العمل النسائي في الدولة وعلى المستوى الإقليمي بل والعالمي أيضا.
وهناك مشاركات نسائية كثيرة جدا في مؤتمرات ولقاءات دولية تعكس الصورة الحقيقية لابنة الإمارات. المرأة عندنا ضابطة وشرطية وفي القوات المسلحة، وفي المصنع وفي المجالات التقنية وفي كل مكان.
وهذا نتيجة اهتمام وقناعة من المغفور له الشيخ زايد. ونحن نفخر في دولة الإمارات بتوجيهات وقناعة الشيخ زايد استطاعت المرأة أن تأخذ دورها الطليعي في تحمل المسؤولية وإدارة دفة البلد ووصلت لدرجة وزيرة وهناك سفيرات في وزارة الخارجية ووكيلات وزارات ونتمنى أن نرى قريبا نساء في المجلس الوطني أيضا.
* هشام الكتاب: لقد اختار القدر الشيخ زايد ليقود المجتمع الذي فرض عليه التخلف، إلى التقدم والازدهار، دون مساس بالقيم الأساسية وعقيدة السماء. وقف هذا الإنسان الشجاع ليضرب بقوة مهدما التقاليد البالية التي تكبل المرأة وتقيد حريتها.
ولنستمع إلى ما صرحت به سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وهي تقول بان زايد هو مثلها الأعلى، وتزيد بالقول إن الشيخ زايد رحمه الله كان مستعدا لإنفاق كل ثروته إذا احتاج الأمر لإحداث التغيير الاجتماعي الذي لا يمكن أن يتحقق بدون مشاركة المرأة والنهوض بها.
لذلك فقد كان رحمه الله أول المشجعين والدافعين لخروج المرأة إلى معترك الحياة العامة، دون أي إخلال أو مساس بالتقاليد والقيم.
وقالت سموها إن النشاطات والأعمال التي تقوم بها في جمعية نهضة المرأة الظبيانية وفي الاتحاد النسائي العام »ما هي إلا نتيجة ما بثه من مؤازرة وتشجيع على خدمة المرأة في الإمارات».
إن المرأة في الإمارات تدرك أهمية المحافظة على تقاليدنا الأصيلة المستمدة من تعاليم الإسلام الذي أعطى المرأة المسلمة منذ 1400 سنة ما تحاول المرأة في أرقى دول العالم أن تصل إليه الآن!
في عهد زايد احتلت المرأة مراكز حساسة متقدمة، فكانت سيدة الأعمال والمدرسة والمحامية والشرطية والطبيبة والدبلوماسية ووكيلة الوزارة ثم الوزيرة. ووقفت جنبا إلى جنب مع الرجل في بناء هذا الوطن ومستقبل الأمة.
* د. سليمان الجاسم: يكفي أن الشيخة فاطمة أم الشيوخ هي التي كانت تقف إلى جانب الشيخ زايد الذي كان يلجأ إليها ويستشيرها في الكثير من القضايا قناعة منه بان المرأة يجب أن يكون لها دور وان يسمع رأيها وتساهم في النظام الاجتماعي والسياسي في البلد. مكانة المرأة تعززت بوجود الشيخة فاطمة على رأس الاتحاد النسائي في الدولة، وهي أيضا تمثل المرأة المخلصة الأم وزوجة القائد في الدولة.
* د. روضة المطوع: إذا كانت هناك إضافة بالنسبة إلى الشيخة فاطمة، فالشكر للشيخ نهيان (بن مبارك) الذي أطلق عليها »أم الإمارات«. فعلا هي أم الإمارات، كان مجلسها دائما مفتوحا وتستمع إلى كل مشاكل المجتمع، سواء كانوا إماراتيين أو مقيمين، وكنا نعمل من اجل تحقيق كل ما يرغبون.
وقد كان الشيخ زايد رحمه الله يقول لنا دائما: كل ما توجه به أم محمد (الشيخة فاطمة) وتراه من نقص في المدارس أو في ما يخص الجمعيات النسائية ومشاركتها في مختلف المؤتمرات واللقاءات اخبروني عنه.
وفي إحدى المرات كان علينا أن نسافر للمشاركة في مؤتمر نيروبي ووجدنا صعوبة في الحصول على مقاعد كافية لكل عضوات الوفد البالغ عددهن 35 في طائرة واحدة، وعندما أعلمته الشيخة فاطمة بذلك أمر بتوفير طائرة خاصة للوفد وإعطاء كل التسهيلات اللازمة لسفره ووصوله إلى مكان المؤتمر.
وبعد مؤتمر نيروبي مباشرة كانت الدورة الخامسة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، فقال لي الشيخ زايد: ما دمت قد ذهبت إلى نيروبي فاذهبي أيضا إلى الأمم المتحدة. وبعد عودتي سألني ماذا قلت لهم عن المرأة في الإمارات.
فأجبته بأنهم لم يتناولوا الموضوع، ولكن ممثلة إسرائيل في الجمعية استفزتني بان ادعت أن الإمارات تبيع النفط سرا لحكومة النظام العنصري في جنوب إفريقيا الذي كان مفروضا عليه حظر دولي في ذلك الوقت. فسألني باهتمام:
وكيف كان ردك عليها؟ فقلت إنني طلبت الكلام ,خاطبت الحضور بالقول: انه ليس غريبا على من اغتصب وطنا أن يتهم غيره بسرقة النفط. فصفق بيديه وقال: كفيت وزدت. فهذا مثال من التشجيع الذي كان يمنحه لنا باستمرار.
وفي الجانب الإنساني، كان من عادتي أن اقرأ له مساء كل يوم ملخصا لما ورد في الصحف من أخبار، وفي احد الأيام ورد خبر عن أن أخت شاه إيران السابق تعاني من المرض ولا تملك تكاليف العلاج، فلما سمع الخبر قال: ابحثوا عن طريق للاتصال بها، مضيفا »ارحموا عزيز قوم ذل». زايد كان رجلا عظيما، رجل امة ورجل تاريخ.
السياسة الخارجية
* د. محمد المطوع: بقي لدينا المحور الأخير عن السياسة الخارجية لدولة الإمارات في عهد الشيخ زايد، وبما أن لدى البعض منكم ارتباطات فإننا سنحاول الاختصار قدر الإمكان، وأريد أن نبدأ الحديث مع هشام الكتاب بحكم انه كان قريبا من هذا الجانب.
* هشام الكتاب: إن أجمل ما أطلق على الشيخ زايد من أسماء وألقاب عديدة، منها: حكيم الأمة، القائد، الزعيم، الرائد.. إلا أن لقب »الوالد» كان هو اللقب المميز لهذا الإنسان العظيم.
إن لهذا اللقب دلالات كثيرة وعميقة في قلوب أبناء شعبه وأبناء أمته العربية والإسلامية، فكان أحلى الألقاب وأعذبها لأنه كان نابعا من صميم القلوب..
إن مواقف هذا الإنسان العظيم لم تقف عند حدود وطنه، بل جاوزها إلى حدود الوطن العربي والعالم.. لقد كان برا بأبناء أمته.. مد لهم يد الخير والمحبة والسلام..
لقد كان نموذجا نادرا من الرجال والقادة الذين نذروا حياتهم لإسعاد شعوبهم.لم تغيره السلطة ولم يتسلط عليه المال، بل روض كل شيء من اجل حماية الإنسان وتطوره ورفاهيته. لقد جسد مفهوم السلطة وجعله وسيلة لخدمة شعبه، لا أداة لقهره.
إنسانيته امتدت إلى خارج البلاد.. واذكر انه خلال الصراع الذي دار على الأرض اللبنانية والحرب الأهلية، وكان رحمه الله في جلسة رمضانية دعا إليها سفراء الدول العربية والأجنبية العاملين في الإمارات.
قال وهو يتحدث عما يجري في هذا البلد الشقيق »إن الأجيال القادمة سوف تحاسبنا حسابا عسيرا وتقول ماذا فعلتم لإيقاف نزيف الدم في لبنان وتضميد جروحه؟«، وأضاف رحمه الله:
"إن قطرة دم واحدة من دماء طفل لبناني سقطت على الأرض تساوي كل ثروات دول الحليج«. لقد كان رحمه الله شديد الحرص على لم شمل أمته وحمايتها، كما كان شديد الحرص على علاقات الدولة مع دول العالم الأخرى، وخاصة دول الجوار منها.
فكان ترسيخا لهذا المبدأ يسعى في حل المشاكل والخلافات إلى الإجراءات السلمية والحوار البناء، دون تزمت أو توتر.لقد كان رحمه الله شديد الحرص على توثيق التضامن العربي والإسلامي، وكان صوت الإمارات عاليا في مساندة قضايا الأمة، وكانت قضية فلسطين شغله الشاغل.
أما عن علاقات الإمارات الدولية فقد كانت له رؤية إنسانية شاملة من منظور المصالح المشتركة، وكان ينهج في تامين علاقة دبلوماسية متوازنة مع كافة دول العالم، حتى استطاع بنجاح منقطع النظير أن يجعل الإمارات تتمتع باحترام تلك الدول، حيث استطاع أن يدير الأزمات بحكمة ورؤية واعية.. حتى حاز بحق لقب الحكيم.
* سعيد الكندي: دليل وفاقنا مع دول العالم واضح وصريح، فالإمارات ملتقى رجال مال وأعمال ورجال فكر وصناعة. ولولا أن هناك ما يميز الإمارات عن بقية الدول لما رأيت العالم كله يتوافد إلى هذه الدولة.
دولة الإمارات لا شك أنها وفقت لحياة مميزة بين دول العالم من الناحية الأمنية والاقتصادية. والأمن والأمان فوق كل شيء والجميع يسعى إليه في دول العالم، لكننا في دولة الإمارات استطعنا أن نبني علاقات صداقة وتعاون مع دول العالم وأصبحت الإمارات معروفة بين كل الدول بمكانتها ومواقفها الخيرة.
وهذا كله بناه المغفور له الشيخ زايد بحنكته وحكمته. نحن في دولة الإمارات جندنا أنفسنا، رئيسا ومسؤولين وتجارا وكمواطنين عاديين، لخدمة هذا الوطن والوصول به إلى مصاف دول العالم المتطورة، ونتمنى دوام الخير والتوفيق.
* د. سليمان الجاسم: اعتقد مع بداية الاتحاد كانت هناك قناعة راسخة لدى الشيخ زايد أننا يجب أن نقيم علاقات جيدة مع جميع الدول وخاصة دول الجوار حيث كانت علاقاتنا معها ممتازة، وهذا احد العوامل الأساسية لتوطيد الأمن والاستقرار والاستمرار لهذه الدولة.
كان الشيخ زايد رحمه الله حريصا على ألا يخلق للدولة نزاعات جانبية مع دول الجوار أو غيرها من الدول، حماية لأمن الوطن والتزاما بسياسة حسن الجوار التي كانت قناعة راسخة في ذهنه ونهجا ثابتا في ممارسته وعلاقاته الإقليمية والدولية. وهكذا كانت علاقاتنا، مثلا، مع السلطنة ومع المملكة العربية السعودية، سواء في ما يتعلق بقضايا الحدود والعلاقات الثنائية.
أو بالنسبة للقضايا الإقليمية والدولية التي تهم دولنا ومجتمعنا. وكان المغفور له يؤكد باستمرار على حل جميع الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية أو اللجوء إلى المحاكم الدولية دون استخدام السلاح.
لقد اكتسب الشيخ زايد ثقة العالم، وأصبح ابن الإمارات محترما ومرحبا به في كل بلد يزوره لأنه قادم من »بلد زايد». ليس فقط على المستوى الإقليمي الخليجي والعربي، بل على مستوى العالم بشكل عام. الإمارات أصبح لها موقع متميز جدا في علاقاتها مع بقية الدول.
وفي ما يخص التضامن العربي والإسلامي، كان يحرص رحمه الله على أن يوجه كل المسؤولين في المواقع والمراكز المختلفة بالسير في ما يكفل ويصون الصالح العام والتضامن العربي والإسلامي وبالمشاركة في كل المؤتمرات واللقاءات التي تعقد في هذا الإطار.
كانت هناك قناعات مؤكدة لدى المغفور له الشيخ زايد بأننا نحن جزء من هذا العالم العربي وهذا العالم الإسلامي ومن هذه الكينونة العالمية وان نهتم ونتعامل مع البشر كبشر قبل أي شيء آخر.
* د. روضة المطوع: لا أريد أن أزيد على ما قاله الإخوان، إلا أن سمة الأمن والأمان كانت فعلا سمة الشيخ زايد التي منحها لدولة الإمارات. لقد جعلها حضنا لكل الناس، وان شاء الله تبقى كذلك على الدوام.
* المر بن سعيد: أنا في الحقيقة زرت العديد من دول العالم، في أوروبا وأمريكا فضلا عن الدول الخليجية والعربية الأخرى، ولم أجد أي بلد يتمتع بمستوى من الأمن مثل ما هو موجود في الإمارات، وهذا وفره لها الشيخ زايد رحمه الله. وهذه نعمة كبيرة سنحافظ عليها ان شاء الله.
* د. محمد المطوع: من الواضح تماما، والكل يعلم ذلك، أن سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها في بداية السبعينات من القرن الماضي تقوم على مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين والحياد الايجابي وإقامة العلاقات مع جميع الدول.
ولعلكم تتذكرون وتعرفون جميعا أن دولة الإمارات كانت ثاني دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي السابق، رغم الجو العام السائد حينذاك في المنطقة.
وكل هذا يدل على وجود سياسة واضحة تماما تتمثل في إقامة علاقات وثيقة مع كل الشعوب، بناء على المصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية على ألا يتدخلوا في شؤوننا الداخلية.
وفي الحقيقة، في نهاية هذه الندوة، لا بد أن نعترف بأننا لن نعطي الشيخ زايد رحمه الله حقه مهما قلنا عنه وفيه. فتناول شخصية بهذا المستوى يحتاج إلى ندوات ومحاضرات عدة ودراسات معمقة حتى يستطيع الجيل الجديد أن يطلع ويلتمس بشكل.
واضح تماما ما قام به الشيخ زايد رحمه الله من تأسيس دولة في مستوى ومكانة دولة الإمارات العربية المتحدة الآن، وأيضا خلق إنسان منتج ومبدع، وإعطاء الفرصة لقيام نموذج تعايش بين مختلف الشعوب والديانات والثقافات، حيث يعيش الجميع في امن وأمان.
ونرجو أن يستمر ذلك بإذن الله وان يحافظ الجميع على ما بناه المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه، كي يتصل العطاء وتستمر المسيرة.