ضمير الأمة.. حكيم العرب.. رجل يجسد الوطن وأمة في رجل.. موحد الآمال وباني الأجيال.. الأب والمعلم.. نبع الأصالة ورائد الحداثة.. من حمى الوطن بسياج المحبة قبل قوة السلاح.. الوحدوي نهجا وقناعة.. الموحد إيمانا وعقيدة..
من لم يعرفه بقربه منه، عرفه بمآثره وأياديه البيضاء التي لم تثنها الحدود أو توقفها الحواجز، لتمتد عبر أوطان العرب ومواطن المسلمين، وصولا إلى الأسرة الإنسانية جمعاء، وفق رؤية واعية لمصالحها المشتركة ومصيرها الواحد..
تلك بعض صفات وسمات الراحل الكبير المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ومن كانت هذه بعض صفاته فهيهات أن يحده مجلس أو تحيط به ندوة أو يغني عنه كتاب.. لكن ما لا يدرك كله فلا اقل من أن يشار إليه ويتوقف عنده..
وفي الذكرى الأولى لهذا الرحيل الأليم عقدت وحدة الدراسات في »البيان« ندوة خاصة بهذه الذكرى، شاركت فيها نخبة من أصحاب الرأي والخبرة الذين عايشوا بدايات المسيرة.
وبواكير النهضة الشاملة التي وضع أسسها وحدد معالمها ورعى مراحلها المختلفة فقيد الوطن والأمة الشيخ زايد رحمه الله، كما شارك في الندوة بعض الشباب من »جيل زايد« الذي وعى نضج مسيرة العطاء والبناء وحصد ثمار ما زرعه الآباء من جد وجهد في مرحلة التأسيس والبناء بقيادة المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه.
وقد أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع الذي افتتحها بكلمة شكر فيها الحضور على تلبيتهم الدعوة للمشاركة في ندوة عن الشيخ زايد القائد والإنسان يرحمه الله ويسكنه الجنة.
وأضاف: حين نتكلم عن الشيخ زايد في الحقيقة نعجز، ومهما أقمنا من ندوات ومهما أجرينا من دراسات وأبحاث تبقى شخصية الشيخ زايد من الشخصيات المميزة في تاريخ الإمارات والمنطقة العربية ككل، وأيضا في العالم الإسلامي.
الشيخ زايد رحمه الله ترك آثاره الطيبة على هذه الأرض وقد كان من القيادات التي لن تتكرر ثانية. ربما بعد فترة طويلة من الزمن سوف نفهم هذه الشخصية كيف تعمل، وما شهدناه خلال السنة الماضية من تفاعل الناس المقيمين سواء داخل الدولة أو خارجها عندما سمعوا بنبأ الوفاة، يشير إلى صدمة حقيقية، مع الإيمان بان الأعمار بيد الله .
وان كل نفس ذائقة الموت، ونتمنى من الله أن يسكنه الجنة، وستظل أفعاله ودوره الحقيقي في ترسيخ الدولة الاتحادية، وما يتمتع به الإنسان في هذه الأرض سواء من المواطنين أو الوافدين ذكرى للجميع عن هذا الدور.
ونحن نتحدث عنه في هذه المحاور الأربعة سنتناول ملامح شخصيته ونهجه في القيادة والبناء، ودوره في بناء الإنسان كهدف ووسيلة لبناء الوطن، ونظرته إلى المرأة وتشجيعه لها واهتمامه بالأسرة، بالإضافة إلى السياسة الخارجية في عهده.
نحاول، من خلال هذه المحاور، أن نغطي جانبا من حياة الشيخ زايد قدر المستطاع في ندوة، على الرغم من أن هذه المحاور كل منها يحتاج لندوات، وان نوفي جزءا من حق هذا الإنسان علينا بان نذكره أو نحاول قدر المستطاع أن نبين هذه الملامح للأجيال الجديدة التي ستظل ذكرى زايد دائما في وجدانها.
لنبدأ بالمحور الأول والذي يتناول أساسا ملامح شخصية الشيخ زايد ونهجه في القيادة والبناء وأبرز معالم شخصيته وسيرة حياته وكونه أبا ومعلما، ودوره في تأسيس وقيام الدولة الاتحادية، وأخيرا نماذج من أسلوبه ومنهجه في القيادة والتوجيه.
طموح مبكر
٭ سعيد محمد الكندي: شكرا لكم على هذه الدعوة ونتمنى أن تكون هناك ندوات أخرى تسهم في خدمة هذا الوطن. حديثنا اليوم سيتناول الشيخ زايد.. القائد والإنسان.
الشيخ زايد رحمه الله كانت أمنيته وهدفه منذ البداية بناء دولة الإمارات، فقد عايش ظروف الحياة الصعبة التي كان يعيشها شعبه ومجتمعه. فمواطن دولة الإمارات في الماضي كان يفتقر إلى الكثير.
الشيخ زايد رئس الدولة في بداية مرحلة إنتاج البترول. وفي بداية عهد البترول كانت الحياة بسيطة. زايد قبل أن يكون حاكم أبوظبي ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، كان في العين، وكان يقترض من الغير من أجل سد حاجة الناس الموجودين في مدينة العين.
والجميع يشهد بذلك. وأنا اخبرني عنه المغفور له عبد الجليل الفهيم، وأخبرني غيره أيضا ماذا أعطى زايد ولمن وكيف. زايد سعى وعمل على سد حاجة المواطنين. ترأس دولة الإمارات العربية المتحدة وسد حاجتها لمدة أكثر من 34 عاما.
في بداية رئاسته لدولة الإمارات في تلك الأيام كانت هناك حاجة إلى مال ورجال وإلى إعداد واستعداد، والحمد لله زايد وفق في المال والرجال. في بداية دولة الإمارات، كنا في صحراء وفي ساحل بحري يمتد من الفجيرة إلى حدود قطر وإلى سلطنة عمان. أرضنا كانت مالحة وتفتقر إلى الكثير.
الشيخ زايد عمرها وعمر الإنسان. أذكر أنهم كانوا يقدمون لنا في المدارس وجبات في الصباح ويوزعون علينا الملابس. وذلك كله بفضل زايد، وهو لا يراه فضلا علينا بل واجبا عليه تجاه هذا الوطن. وبالفعل، لم يكن زايد يعده فضلا علينا بل واجبا عليه تجاهنا.
وأنا إذا سئلت اليوم ماذا قدم زايد، فان ما قدمه زايد موجود على الأرض. نحن لم يكن لدينا مدرّس أو طيّار أو طبيب. زايد أوجد ذلك كله ووفره لنا. وزايد في ثالث سنة من رئاسته للدولة، توجه إلى بريطانيا واقترض مالا منها لأجل هذه الدولة ولحياتنا.
زايد سعى مسعى طيبا لهذه الدولة، الله يغفر له ويرحمه ويدخله جناته.وأتمنى لصاحب السمو الشيخ خليفة الخير والتوفيق والسعادة، وان شاء الله نحن جميعا في هذه الدولة نجند أنفسنا لخدمة الوطن.
٭ د. سليمان الجاسم: سعادة سعيد الكندي كفّى ووفّى بحديثه عن هذه التجربة الفريدة. ونحن لو تمعنّا في البيئة التي نشأ فيها الشيخ زايد يرحمه الله، فقد ولد في عام 1918 في بيئة صحراوية قاسية.
وترعرعه في هذه البيئة خلق لديه القدرة على مواجهة التحديات منذ طفولته. في سنة 1946، كلف بحكم مدينة العين وكان عمره 28 سنة. وخلق هذا الأمر لديه قناعة بان يبادر إلى خدمة أهالي المنطقة لحل مشاكلهم وكان يلتقي بهم بشكل يومي.
واهتم بالزراعة واهتم ببناء الإنسان وإعداده. بعدها بحوالي 20 سنة أي سنة 1966 امسك دفة الحكم في أبوظبي، وواجه الكثير من التحديات. وهذه التحديات خلقت لديه الحاجة ليؤسس ويشغل ويدير الإمارة التي كانت بحاجة إلى الكثير من البنى التحتية والخدمات.
في سنة 1968 كان طموحه أكبر من أن يكون حاكم إمارة ومسؤولاً عن منطقة جغرافية صغيرة محدودة تضم الجزيرة أو واحة العين. إنما طموحه كان اكبر في أن يلتقي مع إخوته الآخرين. في فبراير 1968، التقى مع المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وطرحت فكرة تأسيس دولة اتحادية لأول مرة.
ومن حينها بدأت تنضج الفكرة لديه لأنه وجد التفكك والانهزام العربي لاسيما بعد ما حصل عام 1967 والتشرذم الذي يحصل وحالة الوطن العربي عموما، وجد أن هناك صيغة بإمكانها أن تخرج هذه الأمة من حالة التمزق والتشتت إلى تأسيس كيان اتحادي قادر على مواجهة التحديات والصعاب.
سنة 1971 تم تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورأس هذه الدولة، وكان تحديا جديدا له أن يرأس دولة بوجود الكثير من المشاكل، مشاكل حدودية ومشاكل سياسية ومالية.
كما ذكر سعادة سعيد الكندي، وكذلك مشاكل داخلية في التعليم وفي بناء الإنسان وفي إعداد البنية التحتية، إلا انه واجه هذه التحديات بعزم وإصرار فقامت الدولة وترسخت دعائمها.
سنة 1981، كان طموحه يكبر. بدأ من مدينة صغيرة في العين إلى إمارة أبوظبي إلى اتحاد بين دبي وأبوظبي عام 1968، إلى قيام اتحاد بين الإمارات التسع انتهت بسبع إمارات. وفي عام 1981 كان طموحه أكبر أيضا بتنسيق خليجي بين دول مجلس التعاون الخليجي .
وأعلن في أبوظبي في مايو عام 1981 عن تأسيس دول مجلس التعاون الخليجي، وأيضا هذا انجاز كبير يسجل للشيخ زايد يرحمه الله وجوده وحكمته في تقريب وجهات النظر بين حكام ورؤساء دول مجلس التعاون الخليجي. كانت مساعدته كثيرة أيضا، وسأتكلم عن هذا الموضوع لاحقا.
جيل محظوظ
٭ د. روضة المطوع: إضافة إلى ما قاله الإخوان، معروف أننا نحن جيل محظوظ. الله سبحانه وتعالى وهب دولة الإمارات أمرين في اعتقادي نحن محظوظون فيهما عن كل شعوب العالم. احدهما انه وهبنا زعيما مثل زايد. قد يعتبر البعض أن هبة النفط هي التي أوصلت دولة الإمارات إلى هذه المكانة.
في الحقيقة لا، الهبة هي أن الله أعطانا زايد، لأنه توجد دول كثيرة غيرنا لديها النفط، لكن من خلال زياراتي الأولى لبعض هذه البلدان التي تعتبر هي أيضا غنية بثرواتها النفطية وغير النفطية صدمت بما رأيته عندهم وسعدت بما رأيته في وطني. إذا نحن محظوظون بالشيخ زايد. زايد بالنسبة لنا مثل الأب »بابا«.
وقد نكون الشعب العربي الوحيد الذي ينادي رئيسه »بابا«، نحن جميعنا نناديه "بابا زايد"، والى اليوم أطفالنا غير مصدقين انه لا يوجد »بابا زايد«، بالنسبة لهم الصورة تعني "بابا زايد"، والسلام الوطني والعلم أيضا الذي يقف أمامه الطفل أو يشاهده في التلفزيون يعني »بابا زايد«. إننا فعلا شعب محظوظ كثيرا.
لدينا تاريخ ولا نستطيع أن نقول إننا من دون جذور، لكن زايد سطر أول سجل لدينا تحت الشمس أن يكون لدينا سجل لشعب موحد بقيادة الشيخ زايد. وأنا عندما كنت استعد للسفر إلى القاهرة لتكملة دراستي سألوني: »في أي موضوع تريدين أن تحصلي على الماجستير؟« أجبتهم:
"سيكولوجية الانتماء.. دراسة مقارنة بين جيلين من أبناء دولة الإمارات، الجيل الذي ولد قبل الاتحاد والجيل الذي ولد بعد الاتحاد". قالوا لي: »هل تجربة دولة الإمارات بالعمق الذي يسمح أن تجعلي منها تجربة«. قلت لهم:
»نعم أراها حتى لو كانت صغيرة في المدة الزمنية، إلا إنها كبيرة وضاربة في التاريخ بعمق تاريخ زايد«. وفعلا كانت رسالة لم تسبقها دراسات حول أي وحدة اتحادية. وحتى الوحدة بين مصر وسوريا، وكانت ثنائية ثم ثلاثية بدخول اليمن، لم أجد أي دراسة أو توثيق عنها، فذهبت إليه وقلت له:
"أنا أريد أن اكتب رسالة الماجستير، إلا أنهم يقولون لي لا توجد دراسات سابقة«. قال لي: »بل أنجزيها وتحديهم«. فأجبته: »لكن لا توجد دراسات سابقة حول الموضوع«. قال: »وماذا تقولين للناس؟ ليست لديكم دراسات سابقة«!
الكلمة الوحيدة التي استطيع أن اسطرها وأقولها، هي أننا بدأنا من لا شيء، وأصبحنا شيئا. وأيضا اسطر أنني أتحدى نفسي وأقول إن لدينا جذورا مع زايد ولدينا اتحادا سيبقى بإذن الله إذا لم ننس زايد. زايد تاريخ أمه، زايد صنع لنا مكانة تحت الشمس، وزايد لا يغيب عن عيوننا.
٭ هشام الكتّاب: نحن نتكلم عن شخصية فذة ومرحلة حساسة ودقيقة وكلامنا يتكرر، ولو تكلم المئات والآلاف سيتكرر هذا الكلام نفسه، ولكننا نتكلم للأجيال وندون للأجيال القادمة.
هذا الإنسان، الشيخ زايد رحمه الله بحر من العطاء ومهما قلنا عنه فلن نوفيه حقه. إنه ظاهرة تاريخية في حياة الشعوب والأمم لا تظهر إلاّ مرة واحدة كل عدة عقود. لقد انعم الله عليه وأحبه.. فأجمع الناس على حبه.
لقد كان من حسن حظي ونعمة الله علي أن أعاصر هذا الزعيم العظيم وأن أعمل تحت قيادته الرشيدة منذ عام 1968 مع كوكبة من مساعديه من خيار الرجال من شيوخ آل نهيان وعلى رأسهم ولي عهده الأمين آنذاك، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،.
والمغفور له الشيخ حمدان بن محمد والشيخ مبارك بن محمد، مع بقية الشيوخ الأفاضل ومع الرواد من أبناء أبوظبي الذين بذلوا جهودهم الحثيثة المخلصة من أمثال: أحمد خليفة السويدي، وحمودة بن علي، ومحمد الحبروش.
والدكتور مانع العتيبة، ومن أبناء العروبة أمثال: صالح فرح عبد الرحمن مؤسس دوائر العدل بتوجيه الشيخ سرور بن محمد والدكتور حسن عباس زكي ومحمود حسن جمعة والدكتور خالد الهاشمي وعبد الله إسماعيل وغيرهم.
لقد كانت أسعد أيامنا في الساعات التي كنا نعمل تحت إمرته وتوجيهاته ليلا ونهارا لتعويض ما فات أبوظبي ومواطنيها من تقدم.. كان يسمع ويناقش ويحلم بعيدا في المستقبل ويقلب الأمور على وجوهها المختلفة ويأمر بالتنفيذ مسابقا الزمن.
لقد كان رحمه الله، رغم بصيرته النافذة، لا يستغني عن مشاورة أبنائه ومستشاريه ومناقشتهم في كل صغيرة وكبيرة، في سبيل الحلول المثلى لدفع التقدم في إمارة أبوظبي. كانت أحلامه العظيمة هي أحلام شعبه في التقدم والرفاهية، لم يكن المغفور له يدخر جهدا في سبيل تحقيق الرفاهية لهذا الشعب.
وأذكر جيدا، ولا بد أنكم تذكرون معي، صورته وهو عائد من آخر رحلة بعد العلاج الطويل في الخارج وكيف طاف في بلده وبادر في تفقد بعض المشاريع الجديدة، رغم ما كان يبدو عليه من وهن ورغم أن النور والابتسامة لم تكن تفارق وجهه الكريم.
كنا نواصل زيارته والاجتماع معه يوميا في مجلسه العامر بشيوخ القبائل والمواطنين والزوار، وكان الجميع ينهل من حكمته وبعد نظره. كان الإنسان السمح المتواضع البسيط المتسم بروح الحلم والمرح والابتسام، الإنسان الحالم الواقعي الشاعر الفنان والرياضي.
كان يصغي للجميع باهتمام للكبير والصغير، وكان يناقش كل ما يعرض عليه في مجالسه الودودة المبسطة وكان يأمر بتنفيذ ما يسمعه من آراء جادة ومفيدة لأبناء وطنه وأمته.
لقد كنت من ضمن حاشية سموه في رحلاته الرسمية للخارج في مؤتمرات القمة المختلفة أو زياراته للدول الشقيقة والصديقة أو في زياراته الخاصة للراحة والاستجمام.
والتي كان يكرسها للراحة والصيد ومجالس الشعر والتاريخ، ورغم ذلك لم يكن منقطعا عن متابعة ما يدور في الوطن عن طريق جهاز اللاسلكي وإصدار توجيهاته في كل ما يخص المواطن.
بالنسبة لدوره في تأسيس وقيام الدولة الاتحادية، كان إعلان الاتحاد في الثاني من شهر ديسمبر 1971 من أهم الأحداث التاريخية في دول الخليج العربي أو في تاريخ الأمة العربية. لقد كانت فكرة قيام اتحاد بين الإمارات أملا يداعب أحلام زايد منذ أمد بعيد قبل أن يتولى الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966.
لقد كان هذا القائد العظيم وحدويا في طبيعته وفي سلوكه، لأن الوحدة في يقينه هي طريق إلى القوة ووسيلة للتغلب على الواقع المفكك الضعيف المتخلف والمعزول عن التطور.
لقد نجحت مساعي حاكم أبوظبي مع جاره القوي الحكيم الآخر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي وأبنائه، وتوجه الحاكمان الحكيمان بنداء إلى حكام الإمارات المجاورة الذين استجابوا لهذه الدعوة، وتم عقد اجتماع في دبي في 27 فبراير 1968 أعلنوا فيه الموافقة من حيث المبدأ على فكرة قيام الاتحاد فيما بينهم.
وفي 2 ديسمبر 1971 أعلن رسميا قيام الدولة الاتحادية (الإمارات العربية المتحدة) دولة عربية مستقلة ذات سيادة وجزء من الوطن العربي، وانتخب الشيخ زايد على اثر ذلك رئيسا للدولة لمدة خمس سنوات وسمي الشيخ راشد بن سعيد نائبا لرئيس الدولة.
لقد تحقق حلم زايد وشيد قلعة منيعة محققا واحدا من اعز أحلامه، ورغم أن المشوار كان طويلا والتحديات والموانع صعبة فقد كان الرجل عملاقا وجسد مع أشقائه الحكام وأبنائه المواطنين مزايا الاتحاد باعتباره طريقا للرخاء والخير والقوة والاستقرار.
الإرادة والتسيير السليم
٭ د. محمد المطوع: لننتقل للجيل الجديد، ونبدأ بـ »المر بن سعيد الكندي".
٭ المر بن سعيد: لن أتحدث في مواضيع ذكرتموها، فأنتم عايشتهم هذه المرحلة منذ فترة طويلة.
لكن هناك شيئا ذكرته الدكتورة روضة وهو أن دول الخليج دول نفطية، إلا انه أحيانا يكون المال بدون إرادة نقمة. الشيخ زايد وفق في إدارته لهذا النفط وسخر عائداته لخدمة أبناء هذه الدولة.
حتى الدول الغربية لا تنكر على الإمارات أن الأمر الجيد هو في الإدارة الصحيحة لهذا المال وإن الدخل من عائدات النفط يستغل في الدولة. وجميع المراكز المعنية بشهادة معظم الدول الغربية تقول إن إدارة دولة الإمارات لعائدات النفط، أفضل من غيرها من الدول الأخرى.
٭ سيف العامري: هناك مقولة تفيد بأنه »إذا توفر الطموح تم العمل«. والحال انه إذا توفرت مجالات مثل التجارة أو النفط بدون طموح لا نصل إلى النتيجة المطلوبة. فحياة المرحوم الشيخ زايد كان لها دور عظيم في بناء دولة الإمارات العربية المتحدة، سواء في أبوظبي أو الإمارات الأخرى.
وحققت انجازات كبيرة في مختلف المجالات ومنها التعليم والأمان. وهذا الأمان الذي تسعى إليه كل الدول الآن، هو الذي أدى إلى نمو دولة عظيمة في فترة بسيطة جدا، في حين أن إنتاج واستنزاف الثروات النفطية في الكثير من الدول الأخرى لم يؤد إلى بناء دولة عظيمة مثل دولة الإمارات العربية المتحدة.
٭ د. محمد المطوع: اعتقد ما تم في دولة الإمارات بقيام الدولة الاتحادية هو تحقيق لحلم بدأه المرحوم الشيخ زايد بن خليفة، وهو جد الشيخ زايد، في ما يعرف بـ "اجتماع العوير" حوالي عام 1904.
خلال تلك الفترة عقد اجتماع في مدينة العوير ودعي إليه كل حكام الإمارات في ذلك الوقت، بهدف الدعوة لوحدة هذه المنطقة. لكن للأسف الشديد ولعوامل عدة لم تتم هذه الوحدة إلا بعد الانسحاب البريطاني سنة 1971.
الجانب الثاني والمهم في تجربة قيام الدولة الاتحادية في الإمارات، أن الكثيرين كانوا يعتقدون فعلا في البدايات الأولى أنها تجربة لن تستمر، آخذين بعين الاعتبار ما انتهت إليه التجربة المصرية السورية.
وبالتالي كيف يمكن أن تنجح تجربة في الخليج العربي تحديدا. ولله الحمد ثبت العكس، باستمرار هذه التجربة بالرغم من كل الظروف التي مرت بها. وبذلك تأكد تماما أن حلم الأجداد الذي قد يكون قديما جدا قد تحقق على أيدي الأحفاد.
ربما كانت بداياتها اتفاقية المرحومين الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله، لكن في ما بعد أنا متأكد من أن دولة الإمارات الآن هي تجربة رائدة وناجحة، وبكل المعايير تعتبر نموذجا.
وأنا اعتقد انه ما كان ليتم ذلك لولا وجود إرادة، كما تفضل الإخوان، لدى الشيخ زايد والشيخ راشد ولدى حكام الإمارات جميعا لتأسيس هذه التجربة والمحافظة عليها، بالرغم من كل الظروف التي مرت بها المنطقة.
طبعا يتأتى هذا عن بعد الرؤية والقراءة الواضحة تماما للمستقبل لتأسيس دولة فعلا بدأت من الصفر. ونحن جيل بيننا من يتذكر أننا كنا نشرب ماء من الطوي (الآبار التقليدية).
لم يكن يوجد إلا القليل من المدارس، والشوارع غير موجودة وكل الحاجات لم تكن متوفرة. وكنا بالعكس نعد من الدول الفقيرة جدا التي كانت، ولا أنكر ذلك، تتلقى مساعدات من جيرانها.
لكن بحكمة الشيخ زايد وإخوانه أصبح دخل الفرد لدينا الآن عاليا جدا، وننعم بالحياة الكريمة والتعليم.
لم نكن نتصور في المراحل الأولى انه سيصبح لدينا دكاترة وأطباء ومهندسون وطيارون... الخ.وسوف نتكلم عن دور المرأة أيضا في هذا المجال، لولا حكمة زايد وإخوانه رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
٭ سعيد الكندي: قال الشاعر »تجري الرياح بما لا تشتهي السفن«، فرد عليه أحدهم وقال:
»تجري الرياح كما تجري سفينتنا نحن الرياح ونحن الموج والسفن" كما تبغي سفينتنا الرياح تجري، وليس الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، عندها كل شيء يختلف. على كل حال، اليوم الشيخ زايد انتقل إلى المولى عزّ وجل، سلم لنا هذه الدولة، دولة الإمارات العربية المتحدة بمالها وخيرها ورجالها، والله يوفقنا جميعا في المحافظة عليها، وان ننعم بالأمن والاستقرار والحياة السعيدة الطيبة.
ليس لدينا شيء آخر، لدينا خيرات الوالد، وأتمنى أن أرى كذلك مواطن هذه الدولة في أول الصف في حياة التقدم، وان لا أراه موظفا. أغلب المواطنين موظفون وأغلبهم يطالب بوظيفة، بينما نجد غيرنا يأتي من مختلف دول العالم.
ويحصل على تأشيرة من دولة الإمارات ويقيم مركزا تجاريا أو مبنى كبيرا أو مصنعا ويكبر. أتمنى على المواطنين أن يكونوا في أول الصف وليس في آخره. أمنيتي في حياتي، وهذه دائما أكررها، أن "الوطن برجاله الخيرين" .
ويجب ألا نكون في آخر الصف في حياتنا، بل يجب أن نكون في أول الصف، وأتمنى من كل الإخوة الإعلاميين أن يتابعوا باستمرار حياة مواطني هذه الدولة. أن نشترك مع الغير فهذا جيد، لكن أن لا نكون ساعين إلى وظيفة، فالوظيفة ليست ذخرا.
هناك أعمال كثيرة وبلدنا فيه خير كثير، الله سبحانه تعالى منعم علينا. ونحن جميعنا اشتغلنا في البداية في أعمال بسيطة لكن الحمد لله حصلنا على خير ونعمة وسعادة، وأتمنى أن يعم الخير على الجميع.