زار الرئيس المصري حسني مبارك دمشق أمس لعدة ساعات بصورة مفاجئة مستبقاً احتمال صدور قرار من مجلس الأمن يوم الاثنين المقبل بفرض عقوبات على سوريا، وسط تقارير عن تفعيل الجهد المصري السعودي لتخفيف الضغط على دمشق.
وبحث إمكانية قيام جامعة الدول العربية بدور فعال في هذا الملف يركز أيضاً على حض سوريا على التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. لكن دمشق بادرت أمس إلى التحرك في اتجاه آخر بإعلانها اتخاذ كل التدابير اللازمة لضبط أمن حدودها مع العراق ومنع المتسللين من الدخول إليه. فيما وجه الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله أعنف انتقاد لمبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن.
واصفاً إياه بالمندوب السامي الذي يمارس الوصاية الكاملة على لبنان، ومعتبراً ما يحدث بالمأزق الكبير والخطير والتحدي المصيري، مطالباً العرب بالتحرك قبل فوات الأوان، ومؤكداً التضامن مع سوريا.
وعلى الرغم من عدم تسرب تفاصيل عن حيثيات المحادثات السريعة التي أجراها مبارك مع الرئيس بشار الأسد، اكتفى بيان رئاسي سوري بالقول إن "القمة أكدت على عدم تسييس التقرير أو توجيه نتائجه غير المنتهية لتخدم مآرب بعض الأطراف المعروفة"، وأن الأسد جدد حرص بلاده واستعدادها لمواصلة التعاون مع لجنة التحقيق الدولية.
وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) التي بثت البيان إن المحادثات بين الرئيسين السوري والمصري تناولت "مستجدات الأوضاع في المنطقة والمشاورات الدائرة في مجلس الأمن بعد نشر تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس".
وتزامنت زيارة مبارك إلى دمشق والتي لم تستغرق سوى ساعات قليلة مع كشف مصادر عربية مطلعة في القاهرة لـ "البيان" عن »تحركات مصرية مكثفة وعاجلة لاحتواء الفتور في العلاقات السعودية ـ السورية.
وجذب الرياض للقيام بجهد مصري سعودي مشترك لتخفيف الضغط الدولي على دمشق، مع بحث إمكانية قيام جامعة الدول العربية "بدور فعال في هذا الملف بالتوازي مع دورها في الملف العراقي".
وقالت المصادر إن مدير جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير عمر سليمان حمل أفكارا مصرية في هذا الشأن إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قبل يومين وحمل رده عليها إلى مبارك الذي ناقشها بدوره مع الأسد.
وأوضحت المصادر أن القاهرة والرياض، تشاركهما بعض العواصم العربية الأخرى، اتفقتا على ضرورة عدم استبقاء النتائج النهائية للتحقيق الدولي بعقوبات دولية على سوريا قد تزيد من تعقيد الموقف.
وإضافة بؤرة توتر جديدة في المنطقة هي في غنى عنها، مع حض دمشق على التعاون الكامل مع لجنة التحقيق لقطع الطريق على الولايات المتحدة لاستصدار عقوبات من مجلس الأمن.
وقالت المصادر إن النية تتجه لدى كل من الرياض والقاهرة إلى رد الملفين العراقي والسوري معا عند الحديث مع الإدارة الأميركية خصوصا أن أميركا »مستفيدة بالتأكيد من التهدئة« على الساحة العراقية.
وترجح المصادر أن تسفر المشاورات بين القاهرة والرياض ودمشق، وعواصم عربية ودولية أخرى، عن قيام الجامعة العربية وأمينها العام عمرو موسى "بدور مهم في الملف السوري ـ اللبناني" خلال المرحلة المقبلة.
وفي أولى بوادر هذا التوجه لربط الملفين العراقي والسوري أكد مسؤول سوري مكلف ضبط الأمن على الحدود مع العراق أن بلاده اتخذت كل التدابير اللازمة لضبط امن حدودها ومنع تسلل المسلحين الأجانب إلى العراق.
مشيراً إلى أن سوريا ألقت القبض على عدد كبير من السوريين كانوا يحاولون التسلل وتهريب البضائع، كما قامت شرطة الحدود باعتقال نحو 2500 عراقي تم تسليمهم إلى القوات الحدودية العراقية أو الأميركية، إضافة إلى 1400 متطرف من جنسيات مختلفة.
في غضون ذلك، صرح وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط بأن مشروع القرار المطروح حاليا للتداول في مجلس الأمن بخصوص سوريا لا يتضمن حتى هذه اللحظة فرض عقوبات وإنما سلسلة طلبات محددة من سوريا".
مشيراً إلى انه يصعب الآن تحديد الشكل النهائي لهذا القرار خاصة في ظل وجود تحفظات لدى مجموعة من دول مجلس الأمن تجاه المنهج المطروح في الصيغة المبدئية لمشروع القرار وتجاه اللجوء لفرض عقوبات على سوريا ولفت أبوالغيط بالنظر إلى أن التقرير الذي أعده ميليس ليس هو الوثيقة الوحيدة في الموضوع.
حيث أضيف إليه البيان الذي ألقاه ميليس نفسه أمام مجلس الأمن وقال فيه إن التحقيقات الجارية قد تستغرق شهوراً إن لم يكن سنوات.. ومن هنا فإن التقرير هو مجرد مؤشرات وإشارات تجاه أفراد وليس تجاه دولة.
لكن الصيغة المعدلة لمشروع القرار الذي وزعته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على أعضاء مجلس الأمن لا تزال تتضمن تهديداً بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على دمشق.
فهي تنص على أن مجلس الأمن سينظر في تدابير أخرى بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، لضمان أن سوريا ستطبق المواد الأساسية في النص وتقضي المادة 41 من الميثاق بأنه يمكن لمجلس الأمن أن يقرر أي إجراءات لا تشمل استخدام القوة المسلحة يجب اتخاذها لتطبيق قراراته«، وبعبارة أخرى فرض عقوبات اقتصادية أو دبلوماسية.
وأدخلت تعديلات في الشكل على الفقرة التي تفرض على سوريا السماح للجنة باستجواب أي مسؤول أو مواطن سوري تعتبر انه من المفيد استجوابه خارج الأراضي السورية و/أو من دون وجود مسؤولين سوريين.
لكنها بقيت كما هي في المضمون. ويقضي النص الجديد بأن »اللجنة ستكون قادرة على تحديد مكان وإجراءات استجواب المسؤولين والمواطنين العاديين السوريين الذين ترى انه من المفيد استجوابهم".
ويتعلق التعديل الأهم الذي أدخل على النص بشروط تطبيق العقوبات الفردية (تجميد أرصدة ومنع للسفر) التي يمكن أن تفرض على الأشخاص الذين تشتبه لجنة التحقيق الدولية في تورطهم في اغتيال الحريري.
إذ أعيد تحديد مدى تجميد الودائع المالية في الخارج ليستثنى منها الأموال اللازمة للاحتياجات الإنسانية والأدوية والعلاج الطبي والضرائب وإيجارات السكن وتكاليف القروض ونفقات التأمين. أما القيود على سفر المشبوهين فقد استثنيت منها الرحلات التي يمكن تبريرها بالاحتياجات الإنسانية وخصوصا الدينية.
في هذه الأجواء الدولية الضاغطة، انتقد الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله الذي يطالب قرار دولي بنزع سلاح حزبه، بشدة تقرير المبعوث الدولي المكلف بمتابعة تنفيذ القرار الدولي 1559 تيري رود لارسن.
وقال إن الأمم المتحدة التي تمارس وصاية كاملة على لبنان، معتبرا ما يجري في المنطقة استهدافا للمثلث السوري اللبناني الإيراني، مشددا على وقوف الحزب مع سوريا، كما طالب جامعة الدول العربية بالتدخل سريعا لمواجهة مشاريع وضع لبنان تحت الوصاية والضغوط التي تمارس على سوريا.
وقال نصر الله في كلمة ألقاها في احتفالات يوم القدس أمس إن اخطر ما في التقرير انه يحرض ويبث سموم الفتنة بين اللبنانيين والفلسطينيين وبين اللبنانيين والسوريين وبين اللبنانيين أنفسهم وبين المقاومة والحكومة.
ورأى أن التقرير واضح من تفاصيله. انه يمارس وصاية دولية على لبنان ننفيها في لبنان وننكرها لكنها واضحة. التقرير لا يتحدث فقط عن بنود 1559 بل عن شؤون داخلية وانتخابات ومشاركة حزب الله في الحكومة وطبيعة العلاقات مع سوريا ومع الفلسطينيين.
كما انتقد نصرالله إشادة لارسن في تقريره بانتشار الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا ومحاصرته قواعد عسكرية للفلسطينيين الموالين لسوريا خارج المخيمات إضافة إلى "التحريض" على ترسيم الحدود مع سوريا رغم الأجواء المتوترة بين البلدين«.
وأضاف أن التقريريعبر عن ممارسة لوصاية دولية كاملة على لبنان مندوبها السامي تيري رود لارسن يحمل سيف القرار 1559 ويلاحق به الحكومة وسوريا والفلسطينيين.
ولفت إلى أن مجلس الأمن عين للقرار 1559 ناظراً ومراقباً خلافاً لسائر قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإسرائيل والفلسطينيين التي لم يحدد لها كذلك مهلة زمنية ولا تقارير نصف سنوية. وانتقد انحياز تقرير لارسن الذي يسمي الأشياء بأسمائها كلما ذكر اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين لكنه يجهل الفاعل عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
وفي ما يتعلق بالعرب، قال نصر الله: ندعو الجامعة العربية إلى التدخل سريعاً، وليس بعد فوات الأوان كما تفعل في العراق. ندعوها إلى مبادرة جدية تعالج المشاكل العالقة سواء في التحقيق (في اغتيال الحريري.
أو في العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا. وحمل دولاً عربية مهمة مثل السعودية ومصر، مسؤوليات كبيرة في هذا المجال، بقوله: لا يجوز لهم أن يقفوا جانباً وان يتركوا المنطقة للسيد الأميركي.
وشدد على أن لبنان وسوريا »يواجهان مأزقاً كبيراً وخطيراً وتحدياً مصيرياً نتيجة التطورات الأخيرة، مطالباً بالسعي للحؤول دون استغلال الولايات المتحدة لتقريري ميليس ولارسن مناشداً سوريا من دون تسميتها المساهمة في تأمين كل الفرص لتحقيق جدي في قضية الحريري.
واعتبر أن ما ورد في تقرير ميليس عن "مستر اكس" (فسرته بعض وسائل الإعلام بأنه شخصية شيعية) تحريض طائفي وإهانة وطنية، مشيراً إلى أن ميليس ليس نبياً حتى لا يصح انتقاده.
وأعرب عن خشيته أن تخرج هذه القضية الحساسة جداً والخطيرة من تحت سيطرة أولياء الدم لتصبح سلاحاً فتاكاً في لعبة الكبار وتوظف أما لانتقام أو خدمة لمشاريع أو صفقات مشبوهة على حساب لبنان وسوريا ودماء الرئيس الشهيد.
وأضاف: نرفض أن يذهب لبنان إلى مواجهة سوريا وإلى محاربة سوريا وإلى اعتبار سوريا عدو للبنان إننا نرفض من حيث المبدأ أن يحكم على أحد أي أحد في لبنان أو في سوريا أو من الفلسطينيين من دون دليل ودون محاكمة عادلة.
وفي آخر تطورات قضية الحريري، اصدر قاضي التحقيق العدلي أمس مذكرة توقيف وجاهية بحق احمد عبد العال الذي ورد اسمه في تقرير ميليس، ليرتفع بذلك عدد الموقوفين وجاهيا بمذكرات قضائية إلى 12 شخصاً. وذكرت مصادر قضائية أن القاضي الياس عيد استجوب عبد العال ثم اصدر مذكرة التوقيف بحقه.
وكان القاضي استجوب الخميس محمود عبدالعال، شقيق احمد، واصدر مذكرة توقيف بحقه.يذكر أن الشقيقين عضوان في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش) ولهما شقيق ثالث يدعى وليد وهو ضابط في الحرس الجمهوري.
القاهرة ـ كارم محمود:
بيروت، دمشق، نيويورك ـ البيان والوكالات:

