لا تكاد تمر ساعة حتى يطلق أحد المسؤولين في دولة ما تحذيراً شديد اللهجة من خطورة تفشي مرض انفلونزا الطيور وخروجه عن السيطرة.
وفي ذات الوقت لا يكاد يمر يوم إلا وتعلن دولة من الدول عن اكتشاف حالة مصابة بانفلونزا الطيور، أو وفاة أحد مواطنيها متأثراً بالمرض. ولأول مرة في التاريخ تتصدر أنباء هذا المرض صفحات الصحف والنشرات الإخبارية في جميع دول العالم. فمن يقرأ أخبار الصحف أو يستمع إلى المحطات الإذاعية أو يشاهد المحطات التلفزيونية، تتكون لديه قناعة بأن وباء انفلونزا الطيور أصبح في وضع الاستعداد للهجوم على بني البشر، وبات قاب قوسين أو أدنى من الدخول في شوارعنا ومنازلنا وغرف نومنا.
ولأن الطيور لا تحمل جوازات سفر، ولا تعترف بالحدود الجغرافية للدول، ولأن الفيروس المسبب للمرض "اتش 5 ان 1" لا يفرق بين بني البشر، ولا يحترم كبيرهم أو يوقر صغيرهم، فإن معظم دول العالم شرعت في حشد طاقاتها لمواجهة هذا العدو "مجهول الهوية".
خاصة مع بدء الهجرة الفصلية للطيور، فلا تزال المنظمات الصحية الدولية تحذر من أن كل إصابة جديدة بفيروس انفلونزا الطيور بين البشر يعني الاقتراب من كارثة وباء عالمي ربما يحصد ملايين الأرواح.
ولم تكن دولة الإمارات العربية بمعزل عن الأزمة إذ بادرت بتشكيل لجنة وطنية تقوم بتحديد أدوار ومسؤوليات كافة القطاعات المعنية »الصحة والزراعة والبيئة« بهدف مكافحة المرض ومنع تسربه.
كما وضعت اللجنة استراتيجية وقائية وعلاجية على ضوء التوصيات والبروتوكولات التي أصدرتها المنظمات الصحية الدولية والتي تتضمن مراقبة الطيور المهاجرة والبرية ومنافذ الدخول وتوفير المضادات الحيوية بكميات كافية، وتدريب العاملين الصحيين على تشخيص وعلاج الحالات.
وكذلك تنشيط إجراءات التقصي الوبائي ومتابعة الحالات الأكثر عرضة للخطر، كما استعانت الدولة بعدد من الخبراء والمختصين في محاولة الاستفادة القصوى من الخبرات العالمية لدرء هذا الخطر الداهم.
وزارة الزراعة
وزارة الزراعة والثروة السمكية تقول أنها أصدرت عدة قرارات وزارية تقضي بفرض حظر الاستيراد على كافة أنواع الطيور الحية ومنتجاتها من الدول التي ظهر بها المرض، كما تم منع استيراد طيور الزينة من جميع دول العالم بالإضافة إلى منع دخول أي إرساليات دواجن حية ومنتجاتها إلا بشهادة صحية بيطرية.
وقالت ان الوزارة تتابع الوضع الصحي للثروة الحيوانية من خلال شبكة المعلومات للمنظمات العالمية للصحة الحيوانية ومنظمة الأغذية والزراعة ومن خلال البلاغات الصادرة عن الحالات الوبائية تقوم الوزارة باتخاذ الإجراءات الكفيلة والتي تمنع تسرب المرض وتتابع الوزارة هذا المرض باهتمام منذ ظهور أول حالة له في هونغ كونغ عام 1997.
وأضافت انه نتيجة لتلك الإجراءات التي اتخذتها الوزارة وخطة الاستقصاء للمرض التي تتبعها فإنه لم تظهر أي حالة لهذا المرض في الدولة حتى الآن.
وزارة الصحة
من جهتها تجدد وزارة الصحة تأكيداتها بأنها لم ترصد أية حالات مصابة بهذا المرض لا في الطيور ولا في البشر. ويقول الدكتور محمود فكري وكيل الوزارة المساعد لشؤون الطب الوقائي أنه على الرغم من أن دولة الإمارات تختلف عن باقي الدول الأخرى التي ظهر فيها المرض.
إلا ان الدولة اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية والوقائية للحفاظ على خلو الدولة من المرض حيث تم تشديد الرقابة الصحية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية لاكتشاف أية حالات مصابة بالمرض.
وأشار إلى ان وزارة الصحة بناء على قرار صدر من معالي وزير الصحة، شكلت لجانا في جميع المناطق الطبية على مستوى الدولة تقوم باتخاذ جميع الإجراءات الوقائية والعلاجية لهذا المرض وتجهيز وإعداد الأقسام الطبية بالمستشفيات.
وتوفير كافة الأدوية والمستلزمات الطبية، وكذلك توفير الكوادر الطبية والتأكد من جاهزية المختبرات، وإبلاغ المسؤولين بالوزارة بالحالات الإيجابية التي يمكن أن تكتشف.
بالإضافة إلى التأكد من وجود أماكن صالحة لعزل الحالات الإيجابية في كل مستشفى ومنطقة، واتخاذ أي تدابير أخرى تضمن عدم انتشار المرض والسيطرة عليه وتقديم العلاج المناسب للحالات الإيجابية.
وعلى الرغم من انتقال عدوى انفلونزا الطيور من منطقة جنوب شرق آسيا »الدول الحاضنة للفيروس منذ عام 2003« وتمكنه مؤخراً من التسلل إلى العديد من دول أوروبا انه لم يصب إلا عدداً قليلاً من الناس ومعظمهم من المخالطين للطيور »حوالي 119 توفي منهم 66 شخصاً«، كما انه لم تسجل أية حالة عدوى انتقلت من إنسان لآخر في أي مكان في العالم.
إلا ان حالة الفزع والترقب التي تسيطر على خبراء الصحة والمنظمات الدولية لها ما يبررها إذ ان فيروس انفلونزا الطيور يملك خاصية التحول والتحور، فإذا ما أصاب شخصاً ما مصاب بنوع من انفلونزا البشر فمن الممكن ان يندمج فيروس »اتش 5 ان1« مع فيروس البشر ـ كما يؤكد خبراء منظمة الصحة العالمية ـ فيتطور جينياً.
ويتحول إلى فيروس يستطيع الانتقال من شخص إلى آخر وفي هذه الحالة يصبح وباء قاتلاً. وإلى ان يتم تصنيع وإنتاج مصل مضاد له وربما يستغرق ذلك ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر، يكون الفيروس قد أنهى مهمته في القضاء على ملايين البشر.
"تامي فلو"
ومع تزايد المخاوف من انتشار المرض وتفشيه على نطاق واسع في مختلف دول العالم، بدأت بعض الدول بل وعلى مستوى الأفراد في تخزين دواء »تامي فلو« الذي يخفف من أعراض مرض انفلونزا الطيور.
وطلبت منظمة الصحة العالمية من الحكومات القيام بتخزين هذا الدواء خشية أن ينفد من الأسواق قبل الحاجة إليه، وأكدت ان هذا الدواء لا يستخدم إلا في علاج المصابين فعلياً بفيروس انفلونزا الطيور.
مصل الانفلونزا
لا يوجد حتى الآن تطعيم مناعي لفيروس انفلونزا الطيور ـ هكذا يؤكد العلماء وخبراء الصحة ـ ويوضحون ان الأمصال التي تشتريها دول العالم حالياً هي عبارة عن أمصال ضد أنواع مختلفة من الانفلونزا العادية .
ولا تقي الإنسان من الإصابة بمرض انفلونزا الطيور، إلا ان جهود العلماء والباحثين في أميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا لا تزال متواصلة لتحضير .
واكتشاف مصل يقي الإنسان من الإصابة غير ان المعضلة التي تواجه العلماء حالياً هي انهم لم يضعوا أيديهم على التركيبة الجينية للطور الجديد الذي سيكون عليها هذا الفيروس والذي يتمكن بها من الانتقال من إنسان إلى إنسان.
وقد انتقد أحد خبراء الصحة بعض الدول التي تهرول لشراء كميات كبيرة من الأمصال والأدوية وتقوم بتخزينها ووصفها بأنها »عديمة الجدوى« وقال اننا نستعد لمواجهة فيروس غير معروف، فلا يمكن ان نعرف على وجه اليقين ان كانت تلك اللقاحات التي تم تخزينها فعالة أم لا؟
عائلة "الارثوروماكزوفايريدي"
الدكتور هادي محمد الناصر المختص في الطب البيطري والدواجن يقول ان مرض الانفلونزا كوحدة مرضية شخصت قبل ألف عام وهي تصيب الانسان والحيوان والفيروس يعود إلى عائلة "الارثرو ماكزوفايريدي" .
وهو على ثلاثة أنواع، نوع (A) ويصيب الطيور بصورة أساسية وممكن أن يصيب الإنسان والخنزير والخيول وبعض اللبائن. و(B,C) يصيبان الإنسان.
ويمكن التفريق بين الأنواع الثلاثة بواسطة المستضدات للمواد البروتينية في مراكز هذه الفيروسات. فالنوع (A) يصيب الطيور بصورة أساسية ولكنه أيضاً يمكن أن يصيب الإنسان والخنازير والخيول ولهذه الفيروسات غلاف تظهر منه نتوءات بارزة وهي الهيمو كلوتنين (H) .
وهذه البروزات هي التي تساعد الفيروس على الالتصاق بجسم الكرية الحمراء وكذلك يحوي الغلاف بروزات أخرى تدعى نيوكلوتيدات (N) وهذه تلعب دوراً في تحرير الفيروس من الخلايا والانتشار إلى بقية الخلايا.
عدوى المرض
ويضيف الدكتور هادي بأن فيروسات المرض تطرح على المحيط الخارجي عن طريق إفرازات الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي وفي أماكن المواد العضوية التي تحافظ على الفيروسات وحمايتها من تأثير المواد المطهرة.
كما ان طريقة انتقال المرض بين أفراد القطيع الواحد أو بين القطاعن ما زالت معقدة وغامضة بعض الشيء وهناك صعوبة في تقييم انتقال المرض.
ويوضح الدكتور الهادي ان كيفية انتقال الفيروس من الدجاج إلى الإنسان تتأتى عن طريق إفرازات الطيور التنفسية ما قد يؤدي إلى تلوث البشرة بهذه الإفرازات ودخول الفيروس إلى جسم الإنسان.
أو قد يستنشق الفيروس والذي له القابلية لإصابة الإنسان والرأي المرجح انه يحصل له تطوير وإحداث الإصابة.ويضيف.. ان المرض سجل حالات مرضية عديدة في الإنسان كما حدث في هونغ كونغ عام 1997 .
وما يحدث حالياً في فيتنام وبعض الدول الآسيوية والآن في أوروبا فللمرض القابلية على إحداث الإصابة في الإنسان والسبب في الوفيات، ففي هونغ كونغ حصلت الإصابة في مايو عام 1997 وكان المصاب طفلاً عمره ثلاث سنوات وتم عزل المسبب المرضي (H5 N1) وكان هؤلاء الناس من الذين يتعاملون في الأسواق التجارية لبيع الدواجن.
المشككون
بعض المشككين يؤكدن أن فوبيا »انفلونزا الطيور« التي تجتاح العالم غير المبررة وان القائمين على صناعة اللحوم في العالم والذين خسروا مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة نتيجة الزوبعة التي أثيرت حول مرض جنون البقر.
قرروا رد الصاع صاعين للقائمين على تربية وصناعة الدواجن فاستغلوا مرض انفلونزا الطيور لاسترداد خسارتهم السابقة. وان الأمر في كلتا الحالتين لا يعدو ان يكون "زوبعة في فنجان".
وقد ذكرت خبيرة فرنسية مختصة في الصحة العامة ان فيروس انفلونزا الطيور مرض حيواني لا يمثل خطراً على الإنسان. وقالت ان هذا الخوف مبالغ فيه بشكل كبير، وان فرصة تحول المرض ليصبح بشرياً لا تتعدى حدود خمسة بالمئة.
ولكن إذا استدعينا الماضي وقرأنا ان الانفلونزا الإسبانية التي اجتاحت العالم في عام 1918 قد يكون مصدرها فيروس ينتمي إلى الطيور قضت على نحو 35 مليون إنسان، يجعل مخاوف جميع دول العالم في محلها.
تحقيق: مصطفى خليفة: