ضاعف المجتمع الدولي ضغوطه على دمشق بإصدار ثاني تقرير للأمم المتحدة خلال أسبوع يشير إلى تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية، عبر تدفق السلاح منها إلى جماعات مسلحة في لبنان ومنها فلسطينية، بالتزامن مع حصار الجيش اللبناني لقوات منظمة فلسطينية موالية لسوريا في سهل البقاع الشرقي.
وزيادة في الضغوط على سوريا رفضت واشنطن تعهداً جديداً للرئيس السوري بشار الأسد بمحاكمة أي سوري يثبت تورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري باعتبار ذلك تعويضاً متأخراً عن التقصير وطالبت بتمكين لجنة التحقيق الدولية في الاغتيال من استجواب الأسد نفسه.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل مجلس الأمن مناقشة مشروع قرار أميركي فرنسي يطالب سوريا بتعاون أكبر مع التحقيق عبر اعتقال المشتبه فيهم الذين يدعو مشروع القرار إلى فرض عقوبات فردية عليهم مع تهديد ضمني بفرض عقوبات اقتصادية على سوريا لاحقاً.
فبعد أسبوع من تقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق في اغتيال الحريري والذي يشير لتورط سوري في الاغتيال أشار تقرير جديد أعده مبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن حول مدى التزام سوريا بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الداعي لسحب قواتها من لبنان .
ونزع سلاح الجماعات المسلحة إلى تدفق السلاح والأشخاص بطرق غير مشروعة من سوريا إلى جماعات مسلحة في لبنان. وقال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أمس ان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ابلغ المنظمة الدولية بان القوات المسلحة اللبنانية بدأت حملة على تدفق السلاح.
والأشخاص من سوريا إلى الجماعات المسلحة في لبنان. واستشهد تقرير الأمين العام الذي أعده المبعوث لارسن بتقارير أخيرة متنوعة تفيد بان ثمة زيادة في تدفق الأسلحة والأفراد من سوريا إلى بعض هذه الجماعات.
وقال عنان في التقرير الذي قدمه لمجلس الأمن إن الحكومة السورية أبلغته بأن تهريب الأسلحة والأشخاص عبر الحدود السورية اللبنانية يحدث بالفعل وان كان يحدث في الاتجاهين. وأضاف ان الحكومة اللبنانية أبلغت الأمم المتحدة بان القوات المسلحة اللبنانية اعتقلت عددا من الفلسطينيين يحملون أوراق هوية سورية.
وعرض التقرير لالتزام سوريا بقرار مجلس الأمن 1559 الذي يحظر وجود قوات مسلحة أجنبية على الأراضي اللبنانية ويطالب بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان. واعتبر ان المجموعات المسلحة التي تتحدى سلطة الحكومة اللبنانية تتعارض مع احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه.
وبالتزامن قال مسؤولو امن ان الجيش اللبناني اتخذ نقاط تفتيش في منطقة السلطان يعقوب في سهل البقاع الشرقي حيث تدير الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة والمدعومة من سوريا شبكة أنفاق.
وانتشرت أيضا وحدات عسكرية خاصة ودبابات على أجزاء من منطقة الحدود النائية حيث يشتبه الجيش اللبناني ان مسلحين فلسطينيين أطلقوا الرصاص الثلاثاء على متعاقد مع الجيش مما أفضى إلى وفاته. ونفى ناطق باسم الجيش اللبناني ان يكون الجيش وجه إنذاراً إلى مراكز الجبهة الشعبية-القيادة العامة بتسليم مطلقي النار.
لكن مسؤولاً من الجبهة الشعبية قال ان جنودا لبنانيين انتشروا حول قاعدتنا في السلطان يعقوب، متهما طرفا ثالثا بإطلاق الشائعات من اجل التسبب بصدامات بين الفلسطينيين وأشقائنا في الجيش اللبناني. كما نفى تورط الجبهة الشعبية -القيادة العامة في الحادث الذي ادى إلى مقتل المتعاقد مع الجيش اللبناني.
ويشكل تقرير لارسن ضغطاً إضافياً على سوريا ويأتي في وقت حرج يبحث فيه مجلس الأمن الخطوة التالية ضد سوريا بعد تقرير ميليس.ووزعت الولايات المتحدة وفرنسا مساء الثلاثاء مشروع قرار دولي يطلب من سوريا اعتقال أي سوري مشتبه فيه بالضلوع في اغتيال الحريري.
وجاء في مشروع القرار إن مجلس الأمن »قرر أنه يتوجب على سوريا أن توقف أي مسؤول أو مواطن سوري يمكن أن تشتبه لجنة التحقيق في أنه ضالع في هذا العمل الإرهابي وان تضعهم كليا تحت تصرف اللجنة. وينص أيضا على فرض عقوبات فردية، منع السفر وتجميد ودائع مالية، بحق هؤلاء الأشخاص المشتبه فيهم.
كما يتضمن تهديدا ضمنيا بفرض عقوبات اقتصادية على دمشق في الفقرة التي تنص على أن مجلس الأمن سيتخذ إجراءات أخرى بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة للتأكد من أن سوريا تطبق المواد الرئيسية" لهذا النص.
وتنص المادة 41 على انه بإمكان مجلس الأمن أن »يقرر الإجراءات التي يجب أن تتخذ ولا تتضمن استعمال القوة المسلحة من اجل إعطاء قوة لقراراته وبتعبير آخر فرض عقوبات اقتصادية.
وقد تثير هذه الفقرة ردود فعل معارضة داخل مجلس الأمن بحيث ان بعض الوفود من بينهم الصين وروسيا اللتان تتمتعان بحق النقض (الفيتو) تعارضان من حيث المبدأ استعمال تهديدات بفرض عقوبات.
حيث أعلنت موسكو أمس انها ستقوم بكل ما في وسعها لكي لا تفرض الأمم المتحدة عقوبات ضد سوريا، كما أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية ميخائيل كامينين.
وفي أجواء هذه المناقشات اعتبر السفير الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون أمس ان لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري يجب ان تكون قادرة على استجواب أي سوري في إطار تحقيقاتها حتى لو كان الرئيس بشار الأسد. وقال بولتون ان »هذا الأمر يشمل بالطبع الرئيس السوري لأنه لا احد فوق القانون.
وأضاف ان الرئيس (الأسد) خصص وقتا للتحدث إلى وسائل الإعلام، وإذا كان يستطيع ذلك فانه يستطيع تخصيص وقت للتحدث إلى القاضي ميليس. وفي مواجهة هذه الضغوط نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر دبلوماسية قولها ان الأسد تعهد في رسالة وجهها الأحد إلى كل من واشنطن ولندن.
وباريس ان يلاحق أمام القضاء أي سوري يثبت تورطه في اغتيال الحريري »على أساس أدلة ملموسة. وتشير الرسالة إلى أن الأسد سيتعاون مع التحقيق للتصدي للانتقادات، لكنه حذر من تسييس التقرير لجعله أداة ضغط على سوريا.
لكن الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ادم ايرلي شكك في تعهد الأسد. وقال مرة جديدة تظهر سوريا عبر سياساتها وتحركاتها أنها بعيدة عن المجموعة الدولية وفي هذه الواقعة تحديدا، عبر فشلها في قراءة اتجاه الأحداث والتعاون بشكل كامل مع التحقيق الدولي.
وأضاف لذلك يوجد مجلس أمن يجتمع للتوصل إلى استنتاجات حول ما يجب فعله حيال ذلك التقصير في التعاون. وتابع وبالتالي فإنه قد يكون أصبح الوقت متأخرا بعض الشيء الآن لسوريا لمحاولة التعويض عن القصور في الماضي.
وقالت مصادر دبلوماسية للصحيفة انه تم تسليم نسختين من رسالة الأسد، إحداها يرد فيه الالتزام بمحاكمة المتورطين المحتملين أرسلت إلى واشنطن ولندن وباريس وأخرى لا تتضمن هذا التعهد أرسلت إلى الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن.
نيويورك، دمشق ـ البيان والوكالات:
