عقد مجلس الأمن أمس جلسة خاصة ناقش فيها تقرير ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، واعتبر ميليس في مداخلته أمام المجلس أن استكمال التحقيق سيعطي دمشق فرصة لتعاون أكبر معه.
وعقب مشاورات اعقبت الجلسة المفتوحة اعلنت واشنطن وباريس عن التوصل الى مسودة قرار دولي يطالب سوريا بالتعاون التام مع لجنة ميليس بينما طالب الرئيس الأميركي جورج بوش الأمم المتحدة بمحاسبة سوريا وقادتها، لكنه أوضح أن استخدام القوة ضد سوريا سيكون الخيار الأخير. لكن الرئيس الروسي دعا في المقابل الى التوازن في اي قرار دولي.
وعقب جلسة مفتوحة لمجلس الامن اعقبها مشاورات مغلقة قال مندوبا الولايات المتحدة وفرنسا أمس ان البلدين أوشكا على التوصل إلى اتفاق حول مسودة قرار يطالب سوريا بالتعاون التام مع التحقيق الدولي في اغتيال الحريري.
وصرح المندوب الأميركي في الأمم المتحدة جون بولتون عقب الاستماع الى إيجاز ميليس، ان مسودة القرار على وشك الانجاز. وقال المندوب الفرنسي جان مارك دو لا سابلييه «نحن نوشك على ان تكون لدينا مسودة».
وتردد ان هناك خلافا بين أعضاء المجلس حول الخطوة التالية. وقال دبلوماسيون في الأمم المتحدة انه من غير المرجح فرض عقوبات على سوريا في هذه المرحلة لأن العديد من أعضاء المجلس ومن بينهم الصين وروسيا اللتان تتمتعان بحق النقض (الفيتو)، مترددون في اللجوء إلى فرض عقوبات دولية على دمشق.
وخلال الجلسة المفتوحة لمجلس الامن قال ميليس «في مثل هذه القضية المتعددة الأبعاد والمعقدة لا يمكن أن يعتبر التحقيق كاملا الآن». وأضاف «يجب تخصيص مزيد من الوقت لإجراء مزيد من التحقيق في النتائج التي توصلنا إليها .
ودراسة الأدلة التي تظهر». وتابع إن «اللجنة ترى أن ذلك سيوفر فرصة أخرى للسلطات السورية لتظهر تعاونا اكبر وأكثر فائدة لتوفير أدلة مهمة حول الاغتيال».
وقال إن لجنة التحقيق التي يترأسها «تلقت العديد من التهديدات التي قدر خبراؤنا الأمنيون بأنها جدية». وأشار إلى أنه تم إبلاغه بأسماء شهود يتعين استجوابهم في إطار التحقيق.
كما سيتم تمحيص أدلة مادية جديدة عثر عليها مؤخراً. وأشار ميليس إلى أن اللجنة تنوي مواصلة عملها حتى 15 ديسمبر بطلب من الحكومة اللبنانية وافق عليه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ومجلس الامن. كما حض ميليس دمشق على إجراء تحقيق من جانبها.
في المقابل، قال سفير سوريا في الأمم المتحدة فيصل مقداد إنه كان على لجنة التحقيق «ألا تضع أي شخص في دائرة الاتهام» ما دام التحقيق لم يكتمل، واتهم اللجنة الدولية باختراق «مبدأ السرية» بتسريبها التقرير قبل تسليمه إلى سوريا.
ورفض مقداد الاتهامات التي أوردها ميليس في تقريره بشأن تورط سوريا في اغتيال الحريري. كما رفض المزاعم بأن دمشق رفضت التعاون مع التحقيق. وأشار إلى وقائع قال إن سوريا ساعدت التحقيق فيها كما تعهد باستمرار سوريا في التعاون خلال الأشهر المقبلة.
وأعلن المستشار القانوني لوزارة الخارجية السورية رياض الداوودي لمحطة «الجزيرة» القطرية إن «ميليس قال إن إجراء تحقيق سوري خاص سيساعد التحقيق. نحن مستعدون لمتابعة التعاون ولكن على ميليس أن يقول لنا بصدق وإخلاص ما نوع التعاون الذي يريد».
وفي واشنطن جدد بوش، في خطاب له في قاعدة بولينغ الجوية قرب العاصمة واشنطن أمس، مطالبة دمشق بالتعاون مع التحقيق الدولي. واتهم سوريا بأنها «لا تزال تعمل على زعزعة استقرار لبنان ودعم الإرهاب الدولي وتأمين مأوى للإرهابيين وتسمح بدخول الإرهابيين إلى العراق».
وأكد بوش أن «سوريا وقادتها يجب أن يحاسبوا على دعمهم المستمر للإرهاب بما في ذلك أي تورط في اغتيال الحريري». وحض المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي على التحرك بسرعة والرد بالخطوات المطلوبة.
وكان بوش قال الاثنين في مقابلة مع قناة «العربية» الفضائية، حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تستعد لمواجهة مع سوريا «آمل كثيرا أن يكون لا»، وأكد أن اللجوء إلى القوة العسكرية «هو دائماً الخيار الأخير بالنسبة إلى أي رئيس».
من جهتها صرحت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال زيارة إلى كندا، أن واشنطن ترغب في بعث «رسالة قوية إلى سوريا وهي انه عليها عدم رفض تقرير ميليس كما فعلت حتى الآن»، وانه «يجب على السوريين أيضاً أن يدركوا أن أحداً لن يتحمل أي أعمال أو سبل لمضايقة الشعب اللبناني كرد فعل على التقرير».
وقالت رايس إنها تعتقد أن مجلس الأمن سيعقد اجتماعا على مستوى الوزراء في 31 أكتوبر الجاري لمناقشة الخطوات المقبلة في أعقاب تقرير ميليس. وأوضحت أن «هناك عددا من الخيارات على الطاولة». وأضافت أنه يتعين عدم إعطاء السوريين انطباعا بأن المجتمع الدولي سيتسامح مع تصرفاتهم.
ومقابل الموقف الاميركي المتشدد دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المجتمع الدولي الى اتخاذ موقف «متوازن» تجاه سوريا في مجلس الأمن. وفي محادثة هاتفية مع نظيره السوري بشار الأسد، رحب بوتين باستعداد سوريا «للتعاون بشكل اكبر مع اللجنة الدولية للتحقيق»، طبقا للمكتب الصحافي في الكرملين. إلا ان بوتين «أكد ضرورة ان يتخذ المجتمع الدولي موقفاً متوازناً حتى لا يسمح بخلق توتر جديد».
الى ذلك نقلت الشبكة التلفزيونية الأميركية (إن بي سي) عن مصادر استخباراتية أميركية أمس قولها «إن متشددين في الإدارة الأميركية يريدون الإطاحة بالرئيس السوري ويعتقدون أنهم قادرون على ذلك، إذ أن هناك قوات «دلتا» الخاصة (للعمليات السرية الخاصة) جاهزة على الحدود لتنفيذ ذلك».
وأضافت الشبكة نقلاً عن مصادر استخباراتية ودبلوماسية رفيعة «إن بعض الدول (العربية) النفاذة والمؤثرة في المنطقة تسعى لدى الإدارة الأميركية للإطاحة بالرئيس السوري والخلاص منه.
لكن وزارة الخارجية الأميركية تجادل بأن العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية قد تغير من سلوكه، كما تجادل بأن من يخلفه في حال الإطاحة به قد يكون أكثر تشدداً».
نيويورك، واشنطن ـ محمد صادق والوكالات: