يعقد مجلس الأمن الدولي اليوم الثلاثاء جلسة خاصة على مستوى وزراء الخارجية للبحث في نتائج التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اتهم دمشق بالتورط في الاغتيال.

واستبقت واشنطن الاجتماع بتوجيه رسالة علنية لدمشق أن "ساعة الاعترافات الفعلية دقت" كما أبدت لندن موقفاً متشدداً للرد بحزم على سوريا، وأعربت باريس عن أملها في تبني مشروع قرار بالإجماع يطالب سوريا بالتعاون الكامل في التحقيق في اغتيال الحريري.

في وقت عمت المدن السورية أمس تظاهرات تندد بتقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق، وتلقت دمشق أمس دعماً لبنانياً بإعلان حزب الله وحركة أمل تحفظهما على التقرير باعتباره »لم يوصل اللبنانيين إلى الحقيقة المنتظرة".

وقال وزير الخارجية فيليب دوست بلازي خلال مؤتمر صحافي أمس إن بلاده ترغب في أن تتيح أعمال مجلس الأمن التوصل سريعا إلى مشروع اتفاق نأمل أن يتم تبنيه بالإجماع. وأضاف انه يجب "مطالبة السلطات السورية بتقديم كامل التعاون في هذا التحقيق".

وتابع بلازي إنه في حال لم تتعاون، سيطلع ميليس مجلس الأمن بذلك وسيكون هناك تبعات. وبدا هذا الموقف منسجما مع الموقف الأميركي الذي عبر عنه الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان، الذي قال في رد على سؤال حول احتمال تبني عقوبات:

"سنبحث مع مجلس الأمن في طريقة التصرف، مشيرا إلى لقاء على مستوى وزراء الخارجية لأنه من الضروري المطالبة بحسابات"، وأعلن سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة جون بولتون ان ساعة الاعترافات الفعلية دقت بالنسبة لسوريا.

وقال في تصريح صحافي: سنشدد بالتأكيد على قيام تعاون كامل من قبل سوريا.. لقد دقت ساعة الاعترافات الفعلية لم يعد هناك مجال للعراقيل ولا لإنصاف الإجراءات، نريد تعاونا حقيقيا ونريده على الفور.

وفي لندن صرح الناطق باسم رئيس الوزراء توني بلير للصحافيين: ان بلاده تدعم بشكل تام الدعوات لعقد جلسة لوزراء الخارجية في الأمم المتحدة، كما ندعم تماما من يقولون ان هذه المسالة خطيرة جدا.

وعلى سوريا ان تطبق التزاماتها الدولية، وأضاف من الواضح ان هذا التقرير خطير للغاية ويحتاج إلى رد حازم للغاية. وفي سوريا، تظاهر أمس عشرات آلاف السوريين وسط دمشق .

وفي باقي المدن احتجاجا على تقرير ميليس، ورددوا شعارات ورفعوا لافتات تتهم القاضي الألماني بالتبعية للولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت وجه الرئيس بشار الأسد رسائل إلى أعضاء مجلس الأمن يطلعهم فيها على موقف بلاده.

يشار إلى أن تقارير صحافية لبنانية أشارت إلى أن الرسائل استثنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لكن الخارجية السورية أكدت في بيانها أن الرسائل وجهت إلى الدول الـ 15 الأعضاء.

وردت صحيفة تشرين السورية أمس بإسهاب على تقرير ميليس وسألت »لماذا لم يتجه التحقيق إلى جهات مثل الموساد«، وتابعت في افتتاحية عددها أمس القول: "بما أن المجموعة التي اغتالت الحريري ذات تنظيم واسع وإمكانات وقدرات كبيرة (كما جاء في الفقرة 7 من التقرير) فلماذا لم يتجه التحقيق إلى جهات أخرى أيضا ولماذا لا تكون تلك المجموعة تابعة لاستخبارات دولة متطورة أو الموساد أو بالتنسيق بينهما".

أما على الجبهة اللبنانية الموالية لسوريا، فقد أبدى كل من حزب الله وحركة أمل، في بيان بعد اجتماع قيادتيهما برئاسة الشيخ حسن نصر الله ونبيه بري، تحفظات على تقرير ميليس .

وقالتا ان التقرير لم يوصل اللبنانيين إلى الحقيقة المنتظرة، وأكدا على أن الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى مزيد من التحقيق الجدي والقضائي الذي يستند إلى الوقائع والأدلة الملموسة والبعد عن التوظيف السياسي ولذلك كانت الموافقة على تمديد عمل اللجنة حتى الخامس عشر من ديسمبر.

كما رفضت الجماعتان فرض أي عقوبات على دمشق. وجاء في البيان أنه »أمام الحملة الضاغطة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل نعلن رفضنا لأي قرار يريد فرض عقوبات".

وفي هذا السياق، أكدت كتلة نواب المستقبل في مجلس النواب اللبناني (التي يتزعمها سعد الحريري) على وجود فرق بين الشعب السوري وبين المتورطين في الاغتيال، مشيرة إلى أواصر القربى والتاريخ المشترك.

وعلى صعيد الضغوط الداخلية على الرئيس اللبناني إميل لحود لتقديم استقالته، دعا النائب البارز بطرس حرب لحود إلى وقفة ضمير وطنية وتقديم استقالته في اقرب فرصة.

كما دعا البطريرك الماروني نصر الله صفير إلى وضع يده على هذا الملف والعمل على دفع الأمور في اتجاه التغيير المنشود، بما يحفظ كرامة المعنيين به، وبما يحقق مصلحة لبنان العليا، وبما يحفظ حقوق اللبنانيين، وفي صورة خاصة حقوق المسيحيين والموارنة.

وعلى خلفية تقرير ميليس أعلن مصرف لبنان المركزي أمس انه جمد خمسة حسابات مصرفية ورفع السرية عنها في إطار التحقيق.وابلغ محافظ البنك رياض سلامة رويترز ان البنك قدم لمحققي الأمم المتحدة معلومات بشأن 15 حسابا لكن القانون يمنعه من الكشف علنا عن أسماء أصحاب الحسابات.

وأضاف في مقابلة انه كانت هناك مرحلة أولى بناء على طلب لجنة التحقيق الدولية تمثلت في تبادل المعلومات ولكن سرية هذه الحسابات ظلت محفوظة واستمرت حرية التصرف فيها.

وقالت مصادر قضائية في وقت سابق هذا الشهر ان المدعي العام طلب من مصرف لبنان المركزي تجميد حسابات أربعة من كبار الضباط اللبنانيين المؤيدين لسوريا أوقفوا في أغسطس للاشتباه بهم في قضية اغتيال الحريري يوم 14 فبراير.

وفي سبتمبر قالت مصادر مصرفية وسياسية ان مصرف لبنان وافق على فتح حسابات عدة شخصيات لبنانية وسورية أمام الفريق التابع للأمم المتحدة الذي يحقق في مقتل الحريري و22 آخرين في بيروت.

وتابعت المصادر ان من بين هذه الشخصيات وزير الداخلية السوري غازي كنعان الذي رأس جهاز الأمن السوري في لبنان على مدى 20 عاما والذي انتحر أخيراً فيما يبدو.

وأضافت المصادر ان قائمة الشخصيات تضم أيضا خلفه رستم غزالة الذي غادر لبنان عندما انسحبت القوات السورية في ابريل تحت ضغط دولي ومحلي في أعقاب عملية الاغتيال.

ومن بين الشخصيات اللبنانية النائب السابق ناصر قنديل المقرب من سوريا وشارل أيوب صاحب إحدى الصحف المؤيدة لسوريا. ولم ترفع السرية فيما يبدو عن حسابات هؤلاء.

وأحجم سلامة عن الإفصاح عما إذا كان يتوقع مزيدا من طلبات رفع السرية عن الحسابات المصرفية مع تمديد مهمة فريق الأمم المتحدة حتى منتصف ديسمبر ولكنه قال ان المصرف المركزي سيتعاون مع التحقيق في إطار القانون اللبناني.

نيويورك، دمشق، بيروت ـ البيان والوكالات