قفز الوضع الأمني إلى صدارة الاهتمام في لبنان بعد اشتباكات مسلحة بين تنظيمين متنافسين عند أطراف مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب مدينة صيدا الجنوبية، هي الأولى منذ تقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي تسبب في حالة استقطاب على الساحة اللبنانية ودفع بملف السلاح الفلسطيني إلى الواجهة.
لكن الاشتباكات التي ينظر إليها باعتبارها أحد تداعيات تقرير ميليس لم تخطف الأضواء من التقرير الذي تم بناء على ما جاء فيه اعتقال مشتبه به ومنع 11 شخصية رفيعة المستوى من السفر خارج البلاد. فيما واصلت سوريا هجومها على التقرير.
ونفى نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم ما جاء فيه بأنه هدد الحريري، وفي المقابل دعا النائب اللبناني وليد جنبلاط الرئيس السوري بشار الأسد إلى التعاون مع لجنة التحقيق التي سيكون تقريرها محور اجتماع مجلس الأمن الدولي غداً الثلاثاء لتقرير الخطوة التالية، مع استمرار الشحن السياسي الأميركي البريطاني لتحرك دولي ضد سوريا.
وقالت مصادر الشرطة اللبنانية إن اشتباكاً مسلحاً اندلع أمس بين جماعة أسباط الأنصار الأصولية الموالية لسوريا وحركة فتح الفلسطينيتين، عقب جدال بين عناصر من المجموعتين.
وقالت المصادر إن الاشتباك أسفر عن قتيل وإصابة ثلاثة آخرين.وذكرت الشرطة إن الجدل تحول إلى تبادل لإطلاق نيران استخدمت خلاله البنادق الآلية.
وفي وقت سابق قالت الشرطة إن الاشتباكات وقعت بين التنظيم الشعبي الناصري ومجموعة الضنية المسلحة اللبنانيين عند أطراف المخيم، إلا أن مصادر أخرى في الشرطة قالت إن الاشتباكات وقعت بين مجموعتين أصوليتين لبنانيتين الأولى بقيادة أبو العبد شمندر والثانية بزعامة أبو رامز سحمراني.
وسارع النائب أسامة سعد من التنظيم الشعبي الناصري إلى نفي اشتراك التنظيم في الاشتباكات، موضحاً أن الاشتباك وقع بين أجهزة أمنية تابعة للحكومة اللبنانية مؤكداً أن الاشتباك مدبر.
ويأتي الاشتباك بعد ثلاثة أيام من تقرير ميليس وتصاعد المطالب الداخلية والخارجية بنزع سلاح المخيمات الفلسطينية تنفيذاً للقرار الدولي 1559.
وفي التداعيات الأمنية أيضاً لتقرير ميليس أوقفت القوى الأمنية اللبنانية الليلة قبل الماضية أول مشتبه به بعد صدور التقرير. وقال مصدر قضائي إن محمود عبدالعال الذي ورد اسمه في التقرير والعضو في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش) تم اعتقاله بناء على مذكرة قضائية.
وذكر تقرير ميليس أن محمود عبدالعال وهو شقيق أحمد عبدالعال المشتبه به بالاشتراك في اغتيال الحريري اتصل بالهاتف الخلوي للرئيس اللبناني إميل لحود قبل دقائق من اغتيال الحريري.
كما أعلنت السلطات اللبنانية مساء أمس منع 11 شخصية رفيعة المستوى من السفر خارج البلاد من دون أن تكشف عن الأسماء. وذكرت مصادر قضائية لوكالة الأنباء الألمانية أن الممنوعين من السفر هم من الوزراء اللبنانيين السابقين ونوابهم ممن كانوا في الأساس على صلة قوية بسوريا.
وفي التداعيات السياسية لتقرير ميليس واصلت سوريا هجومها على التقرير ونفي ما جاء فيه حيث نفى نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم أمس أن يكون قد هدد الحريري خلال لقائهما في فبراير الماضي وقبل نحو أسبوعين من اغتيال الحريري كما ذكر التقرير بناء على تسجيل للقاء بين المعلم والحريري اطلعت عليه اللجنة.
وقال المعلم في اتصال مع التلفزيون السوري: إن ذلك غير صحيح، لم أذهب لرئيس الوزراء الحريري كي أهدده. ذهبت لأبلغه حول مهمتي وأطلب منه التعاون لإنجاح مهمتي.
كما اعتبرت القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية، التي تضم ثمانية أحزاب يقودها حزب البعث الحاكم في سوريا في بيان أمس إن المفاجئ في التقرير اعتماده شكوكاً وأقوالاً وشهادات منسوبة إلى أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من الصدقية.
لذا فإن التقرير اعتمد على الشبهة والظن والاحتمال والافتراض، الأمر الذي يؤكد أن اللجنة وقعت تحت تأثير قوى ضاغطة يهمها إضعاف موقف سوريا.
ووجهت وسائل الإعلام السورية أمس انتقادات لاذعة للنائب اللبناني سعد الحريري، آخذة عليه ترحيبه بالتقرير الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية.
وقات إذاعة دمشق في تعليق لها أمس إن سعد الحريري أوحى لكل من تابعه بأنه يتكلم باسم دولة لبنان والشعب اللبناني وأعطى لنفسه حق الوصاية والتدخل في شؤون الآخرين والتفرقة بين أبناء الشعب السوري وبين قيادته وهو تدخل سافر وتحريض مرفوض.
في المقابل نصح النائب اللبناني وليد جنبلاط الذي كان يوماً حليفاً لسوريا وأصبح من أشد معارضيها الرئيس السوري بشار الأسد بالتعاون مع لجنة التحقيق الدولية من أجل كشف الحقيقة.
وعارض جنبلاط في مؤتمر صحافي في بيروت أمس فرض عقوبات على الشعب السوري داعياً إلى حصرها بالمسؤولين عن الاغتيال الذين وصفهم بحفنة من الأشرار مستعيراً وصف النائب سعد الحريري، ومؤيداً مطلبه بتشكيل محكمة دولية لمقاضاة المتهمين.
ويترافق التجاذب الإعلامي السوري اللبناني مع عمليات شحن سياسي تقوده واشنطن ولندن في الأمم المتحدة عشية انعقاد مجلس الأمن للتحرك ضد سوريا في أعقاب التقرير.
وقالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في مقابلة مشتركة مع نظيرها البريطاني جاك سترو بثتها هيئة الإذاعة البريطانية أنا مقتنعة بأننا سنقرر ما ينبغي القيام به عندما يلتئم المجتمع الدولي، إذ لا يجوز ترك هذه القضية معلقة وعلينا أن نتحرك فعليا«.
وكانت الولايات المتحدة قد دعت الجمعة إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي غداً الثلاثاء ولاحظ سترو أن »مجرد انعقاد مجلس الأمن على المستوى الوزاري يشكل إشارة واضحة للسوريين إن موقفهم غير مقبول.
وأضاف لدينا ما يكفي من الخبرة للقول أنه عندما يظهر المجتمع الدولي تصميما ووحدة فإن الحكومة السورية ستفهم الرسالة، وعلى (السوريين) أن يفهموا أنه لا يمكن أن تتورط حكومة في عمليات اغتيال، على أي مستوى كان، واعتبرت رايس أن تقرير ميليس »يثير القلق، ويشير على الأقل إلى أن سوريا لم تتعاون.
بيروت، دمشق، واشنطن ـ البيان والوكالات
