من نعم الله تعالى السابغة عليّ، وإحسانه إليّ، ورحمته بي أن سلكني في حَمَلة الشريعة الإسلامية الغراء،ووفقني إلى نيل درجتي الماجستير والدكتوراه في الفقه الإسلامي.وفي شهر نوفمبر عام 1991 كنت ضمن المكرّمين في جائزة راشد للتفوق العلمي بمناسبة حصولي على درجة الماجستير آنذاك، وقد سألني أحد الصحافيين يومئذٍ عن المشاعر التي تتواثب في خاطري في ذلك اليوم الأغرّ الأبلج.
وقد نوّهتُ في إجابتي عن سؤاله بجلالة هذا التكريم ونباهة محله، وعلوّ قدره للمكرّمين الذين توفّروا على خدمة العلم، وقضوا ربيع أعمارهم في مغانيه العامرة ورياضه الزاهرة، من أجل أن يُعْلوا صروح العلم والعزّ والمجد والسؤدد في أوطانهم.
وأعربتُ عن فكرة نبيلةٍ ملأت عليّ نفسي من أقطارها، إذ كنت أتشوّفُ إلى إنشاء جائزةٍ للمتفوقين في حفظ القرآن الكريم وتلاوته تسمو على كل الجوائز ؛ لأنّ كلام الله تعالى هو أعظم الكلام وأشرفه وأنبله، وفضله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه ؛ ولأنّ حفظة القرآن هم أشرافُ أمة الإسلام.
وما هي إلا سنواتٌ معدوداتٌ حتى نهد إلى تحقيق هذه الأمنية العزيزة الغالية رجلٌ ماجدٌ نبيل، كريم المحتد، أصيل النِّجار، مُعرقٌ في المعالي والفِخار، لا يفتأ يوجف خيله وركابه في ميادين الخير والبِرّ والإيثار، ذلكم هو الفريق أوّل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وليُّ عهد دبي ووزير الدفاع، إذ أصدر قراره الحصيف الصائب الرشيد، ومرسومه الميمون المبارك السديد بإنشاء جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم،
ورصد لها المكافآت الجسيمة والجوائز العظيمة، والهبات الكريمة، حتى إنها بذّت بفضل الله تعالى وتوفيقه، وهي حديثة الإنشاء، كلّ الجوائز الّتي تُمنح لحفظ القرآن وترتيله في العالم كلّه، فإذا الأماني حقائق مشرقات تغدو وتروح، تزرع فينا العزم والثقة والأمل،
وتُذكي في صدورنا روح البذل والعطاء والعمل، ولايزال الفريق أوّل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يرعى هذه المأثرة الجليلة حقّ الرعاية، ويوليها كامل الاهتمام والعناية، ويحوطها من جوانبها كافة، ويتابع أدقّ تفصيلاتها بحصافته المعهودة وألمعيّته المشهودة، فطابت ثمارها، وأينع جناها، فله أخلص الشكر وأصدقه وأزكاه.
ولا ريب أن هذه الجائزة إكرامٌ لله تبارك وتعالى؛ لأنّ من إكرام الله عزَّوجلَّ إكرامَ حملة كتابه المبين، غير الغالين فيه ولا الجافين عنه ؛ ولأنّ أهل القرآن هم أهلُ الله سبحانه وتعالى وحزبه المتقون وأولياؤه المفلحون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنّ من إكرام الله تعالى إكرام ذي السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي الشيبة المسلم »، وقال عليه الصلاة والسلام: « إنّ لله أهلين » قيل: من هم يارسول الله ؟ قال: « أهل القرآن هم أهل الله تعالى وخاصته ».
ولا جرم أنّ لهذه الجائزة آثارًا طيّبات وعواقبَ محمودات، ونتائج غُرًّا محجّلات، إذ نفثت في روع أبنائنا خاصة وأبناء المسلمين عامّة حُبّ القرآن المبين، المعجزة السرمدية المستمرّة على تعاقب الأزمان، والشمس المشرقة ما تعاقب الليل والنهار، وأورت عزمهم، وأذكت حزمهم للإفادة من أوقاتهم، والوقت هو الحياة، لاغتنام نعمة الشباب ونعمة الفراغ واهتبال فرصة العمر في حفظ القرآن الكريم، وإتقان أحكام تلاوته،
وتدبُّر ما فيه من التشريعات والهدايات والآداب والفضائل والأمثال والمواعظ والحكم والأحكام؛ ليتسربلوا بالخصال الحميدة والشمائل المجيدة، والشيم المرضيّة والآداب السنيّة، ويكونوا عُدّة الفتح المبين، ويحملوا رايات القرآن في الخافقين. وقد عَرَّفت هذه الجائزة أبناءنا القراءات القرآنية المتواترة التي نقلها القرّاء العدول الضابطون الحُذّاق عن أمثالهم من أول السند إلى منتهاه نقلا عذبًا سلسلا بالأسانيد المتواترة على مرّ العصور من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا،
فبعض المشاركين يقرأ برواية حفص عن عاصم بن أبي النُّجود الكوفي وبعضهم يقرأ برواية ورش أو قالون عن نافع بن أبي نعيم المدني، وآخرون يقرأون برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وهكذا، وكلّ هذه الروايات في التواتر والثبوت سواء، والقراءات السّبع متواترة بإجماع العلماء، وذلك لعمري يبعث في النفس السرور الغامر، والإعجاب الباهر، والثناء العاطر، والثقة والأمل بالمستقبل العظيم الزاهر.
إنّ في هذه الجائزة بحقّ إجلالا وإكرامًا لحفظة القرآن الكريم الذين أسهموا في هذه الدورة والدورات الّتي سبقتها، وللحكومات والدول والمؤسسات والجهات الّتي رشّحتهم، ولأهل القرآن الذين لم يُقدَّر لهم حضور هذه الرياض الربانيّة.ولا ريب أنّ الذي بوّأ هؤلاء الفتية هذا المقام العليّ المكين هو حفظهم القرآن المبين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين »،
ولهم في الآخرة مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر يوم الدّين كما أخبر بذلك إمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم بقوله: « يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها ». وتكشف هذه الجائزة عن سرٍّ عظيم من أسرار القرآن العظيم، إذ يَسَّر الله تعالى حفظه في الصدور وجعل السُّبل إلى ذلك معبّدة ذُللا، قال تعالى: «ولقد يَسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر»، وآية ذلك أن الأعجميّ يحفظه في صدره مجوّدًا مرتّلا، يأخذ بأزمّة القلوب إذا قرأ أو تلا،
ويتبوّأ بصنعه عند الله تعالى الدرجات العُلى، وهو لا يُحسن أن يقيم حرفًا من حروف العربية، وإنما حَفِظ القرآن وتلقّاه وأحكمه بالرواية والمشافهة والسّماع من أفواه القرّاء النُّبغاء الحُذّاق، وهذا من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين وأمة القرآن المبين، «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم»، وفي المشاركين عددٌ من الإخوة الذين لا يُحسنون الكلام بالعربية، وهم من المهرة الحفظة المتقنين.
ومن مزايا هذه الجائزة النبيلة تفرّدها بالشخصية الإسلامية، إذ يُكرّم في كلّ دورة من دوراتها علمٌ من أعلام الأمة في هذا العصر، تقديرًا لجهوده المحمودة وأياديه البيض في نصرة الإسلام، والدعوة إليه، والذِّياد عن شعائره وشرائعه ومشاعره، وقد وفّق الله تعالى اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم في مسعاها،
وسار اليُمْن في ركابها، إذ أحسنت الاختيار، وكرّمت أبناء الأمّة الأبرار، الذين لهم قدمُ صدقٍ في الدفاع عن حُرُماتِ الإسلام، والجهاد في سبيله، الذين ترجموا العلم إلى العمل، وأسرجوا جياد الأمل، ودفعوا عن أمتهم كلّ خطب جلل، ونصروا قضاياها المصيرية، وأحيوا مآثرها ومكارمها وفضائلها وآمالها.
ولا بُدّ لنا أن نزجي الشكر مرّة أخرى إلى الفريق أوّل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منشيء هذه الجائزة، وإننا لنرنو بعين الثقة والأمل إليه، وهو البحر العذب الفرات، سليل الأمجاد والمآثر والمكرمات، ونطمع أن ينشيء سموه جائزة أخرى للعلوم الإسلامية المختلفة ولا سيّما الحديث الشريف والفقه المُنيف ليضيف مآثر أخرى إلى صرح مكارمه الشامخ المنيف ؛
لأنّ الحديث الشريف هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الّذي وصفه الله تعالى بقوله: «وما ينطق عن الهوى ؟ إن هو إلا وحي يوحى»، وأمّا الفقه فما أحوج الأمة إلى فقهاءَ أعلام ينيرون الدرب للناس، ويأخذون بأيديهم في زمنٍ اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبح كلّ ناعق يدّعي علمًا، وتشتت أمر الأمّة بسبب الفتاوى المنحرفة والأفكار المتطرفة والتأويلات المضلّلة لنصوص القرآن والسنّة الصادرة عن طائفةٍ لم تذق حلاوة الإيمان ولذّة العلم، ولم تتربّ بعلم السلوك،
ولم تنشأ على معرفة قدر أهل العلم، ولم تتعوّد احترام رأي الآخرين من أعلام الأمة، بل أخذ الغرور منهم كلّ مأخذ حتّى ظنّوا أنفسهم شيوخ الإسلام وأئمة الدين، يحلّلون ويحرّمون، ويبدّعون ويفسّقون، وجرّوا على الأمة الويلات وشرور المفسدين .
ولا يمكن لنا أن نغفل عن التنويه بالجهود الكبيرة التي تبذلها اللجنة المنظمة للجائزة ممثلة برئيسها المستشار الأستاذ الأديب إبراهيم محمّد بو ملحة، ونائبه الفذّ الدكتور سعيد حارب، وأعضائها كافة، إذ إنها لم تألُ جهدا في حسن التنظيم والمتابعة والترتيب، وإبراز وقائع المسابقة في ثوبٍ جذّابٍ مهيبٍ قشيب، يأخذ بأعنّة الأفئدة والنفوس، فلها منا خالص الشكر مصحوبًا بعاطر الثناء وصادق الدعاء.