في مجلس رمضاني بسيط في منطقة الجولان برأس الخيمة يطلق عليه اسم «مجلس المتقاعدين» يمكن للمرء متابعة كل ما هو مهم في مسيرة الحياة ويستمتع إلى حديث أناس خبروا الهموم وخبرتهم.
ففي كل مساء بعد صلاة التراويح يقصد المجلس مجموعة من الرجال ممن كانوا في السابق يلعبون دوراً وظيفياً مهماً لكنهم الآن تقاعدوا ولأنهم لم يجدوا شيئاً يشغل فراغهم انضموا إلى المجلس الرمضاني عله يخفف عنهم وطأة البطالة.
ويقول أحد هؤلاء: هذه الجلسة الرمضانية تمنحنا الفرصة لاجترار ذكريات مهمة وأيضاً يمكننا الحديث في كل ما هو من هموم الناس مثل خدمات الكهرباء والماء، حوادث السيارات، قضايا الزواج. مشكلات الشباب، غلاء المعيشة، الإسكان، الطرق وغير ذلك. لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذه الفئة من المواطنين ما تزال مرتبطة بالماضي وتعشق الحديث عنه بصوت مرتفع مسموع.
ويقول محمد علي محمد: نحن نؤمن بالمقولة «من ليس له أول ليس له آخر» ولذلك نسعى إلى أن يكون الماضي حاضراً دائماً في كل مجالسنا لأنه هو الأساس الذي ننطلق منه إلى واقعنا الذي نعيشه اليوم.
فالماضي يشكل نقطة الانطلاق في «سوالف» هؤلاء الرجال المتقاعدين عن العمل الوظيفي فكيف ينظرون إلى حياة أهل الديرة قبل بزوغ فجر الاتحاد؟
حياة بسيطة
يؤكد محمد علي بأن مواطني هذه البلاد عاشوا قبل قيام دولة الاتحاد حياة مريرة خالية من أبسط المقومات المعيشية. فكل ما هناك كان كفاحاً من أجل كسب لقمة العيش ولا شيء غير ذلك. ففي الصباح الباكر وبعد أن يؤدي أفراد الأسرة صلاة الفجر ينطلقون في كل اتجاه يبحثون عن شيء واحد وهو الأكل.
ويضيف: يومذاك لم تكن الحياة سهلة كما نراها اليوم تعتمد اعتماداً كلياً على الآلة التي نراها تتطور بشكل مثير بل إن الإنسان يدير أعماله وفقاً لقواه البدنية فعلى سبيل المثال حين يتوجه إلى مزرعته يحرث الأرض ويبذرها ويسقي الزرع ويحصده يدوياً يساعده في ذلك الآلات البسيطة المصنوعة محلياً والحيوانات مثل الثور والحمار.
ويعكس ما هو متاح اليوم فقد كان ابن هذه الديرة قبل تطور الحياة صاحب قوة بدنية لا يفتر وصحة جسمانية لا تمرض. ويضيف: ومن وجهة نظري فإن الأهم من كل ذلك أن أهل الديرة كان لهم الفضل الكبير في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي قام على أساسه مجتمع الإمارات.
وكما هي حال أبناء الإمارات دائماً فقد أشاد محمد علي بالمسيرة الاتحادية التي وصفها بأنها إنجاز عظيم بقيادة المغفور له الشيخ زايد وإخوانه حكام الإمارات مشيراً إلى أن ما تحقق في ظلها أذهل العالم بأسره لأنها بدأت من العدم ولكنها بلغت كل أهدافها في فترة وجيزة لم تتحقق لدولة أخرى في العالم.
*الديون البنكية
وكما هي العادة دائماً فإن الديون البنكية تكون حاضرة في كل تجمع حيث هي «أم المشكلات» في مجتمع دولة الإمارات العربية بحسب محمد عبدالله نادر أحد أعضاء المجلس الرمضاني في الجولات.
ويقول: مما لا يخفى على أحد أن الغالبية العظمى من أبناء الدولة وبخاصة رأس الخيمة غارقون في بحر الديون العميق وبالرغم من أنهم يحاولون الخروج منه بكل الطرق لكن هيهات الهروب من الديون فهي وحل لا أمل لأحد في الخروج منه.
ويضيف نادر: من جانبنا نحن نثمن المساعد الحميدة التي تبذلها حكومة رأس الخيمة لمعالجة الديون المعسرة بسدادها الفوائد في حين يقوم الشخص المقترض بسداد ما عليه من دين إلى البنك التجاري الدولي بأقساط تمتد لسنوات عديدة.
لكن من الواضح أن عدد الأشخاص المديونين أكبر من طاقة المشروع الذي تنفذه الحكومة وبالتالي فإن المنفعة لن تشمل الجميع مما يعني أن مشكلة الديون ستبقى الهم المؤرق لكثير من أبناء إمارة رأس الخيمة.
ولفت نادر الانتباه إلى الأسباب التي حدت بالمواطنين اللجوء إلى الاستدانة من البنوك موضحاً أن ذلك كان بدافع معالجة هموم أسرية ملحة وفي مقدمتها صيانة بيوتهم الشعبية الآيلة للسقوط أو بناء غرف إضافية عليها لاستيعاب النمو السكاني الأسري المتطور.
ويقول: بالطبع لم تكن الديون لأغراض مظهرية أو لأمور ترفيهية ولهذا السبب فأنا أدعو لتشكيل لجنة لدراسة تلك الديون للتأكد من أسبابها والنظر في أمر سدادها من قبل الجهات الرسمية لأنه تبين بالدليل أن المواطنين المديونين باتوا في وضع معيشي متفاقم بصورة لا تسمح لهم بالوفاء بما عليهم من التزامات بنكية ونتيجة لذلك كله فإن العديد من أبناء الوطن في رأس الخيمة دخلوا السجون تنفيذاً لأحكام سببها الديون.
ويستطرد قائلاً: بالنسبة للمتقاعدين فإن أحوالهم أشد سوءاً حيث هم الآن قابعين في دوامة الرواتب المغلقة التي لم تعد مواكبة للتطورات المعيشية المتسارعة.
* ارتفاع الأسعار
وفي الفترة الأخيرة قفز ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة إلى مقدمة هموم المواطنين حتى باتت محل نقاش لا ينقطع في كل المجالس.ويقول عبدالله أحمد محمد الشحي: قبل حل مشكلة الديون جاء غلاء المعيشة ليؤجج المتاعب الأسرية ويزيدها تأزماً.
ويضيف الشحي: بصراحة أنا غير مقتنع بالمبررات التي يسوقها البعض لشرح أسباب ارتفاع السلع الغذائية ووقود السيارات وترجع عدم قناعتي إلى كوننا دولة بترولية لذلك لم يكن ينبغي أن ترفع الشركات البترولية أسعار الوقود مثلما هو الحال في الدول الخليجية الأخرى الملتزمة بعدم تنفيذ زيادة الأسعار.
ويذكر الشحي في حديثه أن زيادة الوقود هي الهزة التي حركت الأسعار باتجاه الغلاء حيث قفزت أسعار السلع الغذائية إلى الضعف وتبعتها زيادة مزعجة في أسعار غاز الطبخ الذي قفز الآن إلى 60 درهماً ومن المتوقع حدوث المزيد من ارتفاع الأسعار. ويرى الشحي أن الأمور بعد زيادة أسعار الوقود في طريقها لمزيد من التفاقم ما لم تجد حلاً عاجلاً.
ويقول: من المؤكد أن القرار الأخير لمجلس الوزراء المتضمن تحرير استيراد 16 سلعة دون شروط كان قراراً صائباً حيث إن الهدف منه هو السيطرة على الأسعار ولكن من الواضح أن القرار ما يزال يفتقد الجدية في التنفيذ فالسلع التي تحررت تشهد ارتفاعاً يوماً بعد يوم.
ومن لا يصدق ذلك فليذهب إلى أقرب سوبر ماركت وليسأل عن أسعار سلعة من السلع التي حررها مجلس الوزراء وهي: الحليب المجفف، الخضروات المجمدة والمعلبة، حليب الأطفال، زيت الطعام، الأرز، الدقيق، الدجاج، الأسماك، اللحوم، الشاي، البن، المعجنات، الشعرية، المعكرونة، السكر.
* ضبط السوق
ويضيف الشحي صحيح ان ضبط السوق يتطلب نوعاً من التعاون بين السلطات والجمهور ولكن من وجهة نظري فإن هذا لا يمكن أن يكون مجدياً إلا إذا وجدت إجراءات جزائية جادة وصارمة لتأخذ بحزم كل من يحاول اللعب بالأسعار.
ويعترف بأن هذا هو ما نفتقده في أسواقنا. فالقائمون على التجارة وهم جميعاً من الوافدين يفرضون الأسعار التي تروق لهم دونما خوف من مساءلة أو معاقبة ومن يشكك في قولي هذا أمامه الأسواق فليذهب إليها ليرى العجب العجاب.
ويتدخل محمد حسن في النقاش متناولاً دور المواطنين في مواجهة قضايا وهموم الوطن مؤكداً أن أبناء الإمارات بوسعهم المساهمة في حل تلك القضايا التي تمثل في أغلبها الهموم المعيشية والسكنية.
ويقول: بات من المعلوم تماماً أن قطاعاً كبيراً من الشباب المتعلمين عاطلين عن العمل ولم يعد هذا سراً أو عيباً بل يتم الإعلان عنه بصورة مباشرة من قبل المسؤولين أنفسهم في أجهزة الإعلام.
وأنا كغيري من الناس يتملكني شعور مشحون بالاستغراب جراء ذلك الكم الهائل من أبناء الوطن العاطلين عن العمل في حين أن المجتمع يشهد كل يوم جديد مولد شركة أو بناء مصنع كبير.
ولدي سؤال موجه للقائمين على تلك الشركات: لماذا لا يخصصوا نسبة من وظائفهم لأبناء الإمارة العاطلين عن العمل إذا كانوا هم فعلاً جادين في تشغيلهم.
* تعفف المواطن
وكما هي العادة دائماً فقد ينبري لنا من يقول إن المواطن يتعفف عن عمل الشركات أو أنه غير جاد في إنجاز المهام الوظيفية التي تسند إليه ولكنني أرد على من يردد مثل هذا الكلام بأن هذا الكلام لم يعد قائماً الآن.. فالمواطن ذكراً أم أنثى يفضل العلم ودورات التأهيل..
تخلص من كل أوهام الماضي وصار جاهزاً للعمل بل هو يبحث عنه في كل مكان مهما كان نوعه والدليل على ذلك أنه بات من المألوف مشاهدة المواطنين في كل مواقع العمل. وتؤكد التقارير أنهم يتفوقون في العطاء المهني على نظرائهم الوافدين.
ويقول حياة: لم يعد البحث عن العمل حكراً على الشباب بل تخطاهم إلى المتقاعدين فهؤلاء يشكلون دفعة كبيرة يمكن الاستفادة منهم في مجالات عمل مختلفة مثل سيارات الأجرة والأسواق والحراسة وغير ذلك.
ويستطرد حياة: أتفق مع زملائي الذين سبقوني بالحديث في أن الأحوال المعيشية لم تعد تحتمل الجلوس في البيوت أو المقاهي بل هي تتطلب جهداً إضافياً لمواجهة متطلباتها المتزايدة.وأقترح على أولي الأمر تخصيص جزء من وظائف الشركات والمؤسسات للمواطنين المتقاعدين.
* افتقاد الجدية
ويشتكي عبدالله أحمد تويني من افتقار الشباب للجدية والتنظيم في حياتهم الخاصة العامة.
ويقول تويني وهو يشير بيده إلى مجموعة من الشباب يركبون دراجات نارية ويملأون بها الساحة ضجيجاً هؤلاء خير مثال على ما ذكرته لكم. فعلى مدى ساعات اليوم يسلكون الطريق ذهاباً وإياباً دونما هدف محدد بالطبع سوى إزعاج خلق الله في هذا الشهر الكريم.
ويضيف: باعتقادي أن مثل هذه التصرفات توحي بشيء واحد وهو أن جيل المستقبل غير جاد وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه في برامج الدولة الطموحة.
رأس الخيمة ـ سليمان الماحي:
