تتجه أنظار العالم إلى جلسة مجلس الأمن الدولي الثلاثاء المقبل التي سيبحث فيها اتخاذ إجراءات ضد سوريا بعد اتهامها بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، الأسبق رفيق الحريري، وسط توجه أميركي لتبني سياسة تغيير النظام السوري لا سلوكه حسب مصادر أميركية.

واستبقت دمشق الاجتماع برفض ما جاء من اتهامات لها في تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس الذي كان له وقع الزلزال في الشرق الأوسط لتضمنه أسماء من عائلة الرئيس السوري بشار الأسد، ورغم الرفض السوري لمضمون التقرير واعتباره منحازاً ومسيساً إلا أن توابع الزلزال دفعت دمشق إلى تجديد تأكيدها بمواصلة التعاون مع اللجنة الدولية.

وعلى العكس من الموقف السوري امتدحت الحكومة اللبنانية ما جاء في التقرير باعتباره معبراً عن ذاته بقوة الحقائق، وكان الأبرز في الموقف اللبناني مطالبة النائب سعد الحريري نجل رفيق الحريري بإنشاء محكمة دولية لمحاسبة المسؤولين عن الاغتيال الذين وصفهم بأنهم «حفنة من الأشرار».

وأعربت مصادر مطلعة في واشنطن عن اعتقادها بأن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش «قد تتحرك قدماً لتبني سياسة تغيير النظام في دمشق، بدلاً من سياستها المعلنة حتى الآن، والقائلة بضرورة تغيير سلوك النظام»، مشيرة إلى أن الرئيس السوري بشار الأسد نفسه ليس بعيداً عن دائرة التحقيق الدولي في اغتيال الحريري.

وأضافت المصادر لـ «البيان»: «إن ما ورد في تقرير ميليس عن ضلوع مسؤولين سوريين كبار في اغتيال الحريري، وما سيرد في تقرير آخر حول مدى تجاوب سوريا مع القرار الدولي 1559، المتعلق بانسحاب سوريا من لبنان، ودعمها لحزب الله اللذين سيقدمان لمجلس الأمن الثلاثاء المقبل لا يوجد ما يؤشر لاستجابة سوريا لمطالب المجتمع الدولي.

وهو سيعطي الإدارة الأميركية قوة دفع وزخم لتشديد الضغط على سوريا، مدعوماً بتأييد من المجتمع الدولي، المؤكد أن يظهر جلياً فيما سيصدر عن مجلس الأمن، بعد الاجتماع الطاريء للمجلس الذي دعا الرئيس بوش لعقده في أسرع وقت ممكن. للرد على ما ورد في تقرير ميليس.

وأشارت المصادر إلى الأهمية الكبرى التي أعطتها الإدارة لما جاء في تقرير ميليس، وعكستها تصريحات الرئيس بوش نفسه، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون، وأكدت في وقت واحد تقريباً، ضرورة معاقبة ومحاسبة الضالعين في الجريمة.

كما توقعت ألا تجد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أي صعوبات تذكر في مجلس الأمن لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على سوريا، أو أي قرار يصدر عن المجلس يطالب سوريا بتسليم من وردت أسماؤهم بأنهم ضالعون في الجريمة من كبار المسؤولين لمحاكمتهم أمام محكمة دولية، وقالت «إنها لا تتوقع أن تجد سوريا تعاطفاً معها في مجلس الأمن سواء من روسيا أو الصين، لأن ما ورد في تقرير ميليس، أمر لا يمكن لأحد التغاضي عنه».

وأضافت: «إن الكثير سيتوقف على كيف سترد سوريا على ما سيطلب منها في الأيام القليلة المقبلة، خصوصاً تسليم كبار المسؤولين الضالعين في تلك العملية الإرهابية التي قتلت الحريري.

لأن تسليمهم سيكون جوهر التعاون الذي نص تقرير ميليس على ضرورة أن تقوم به سوريا، في المراحل المقبلة من التحقيق، وتأكيده (ميليس) على أن تقريره هو مرحلة أولى، ولابد من استكمال التحقيق بشفافية وحرية مع الضالعين في الجريمة خارج سوريا، ودون وجود مسؤولين سوريين، كما جرى في التحقيقات التي أجراها مع عدد من المسؤولين السوريين».

وأكدت المصادر أن مجلس الأمن والمجتمع الدولي لن يقبل بأقل من جلب المشتبه بهم إلى العدالة لمحاكمتهم، وفي مقدمتهم كبار المسؤولين الأمنيين السوريين، بالإضافة إلى مطالب عدة سيتبناها مجلس الأمن قريباً.

وأشارت المصادر إلى أن الرئيس السوري بشار الأسد كما جاء في تقرير ميليس، إنه هدد الحريري في اجتماعهما في 26 أغسطس من العام الماضي، ليس بعيداً عن دائرة التحقيق، والمتوقع أن يتم الاستماع إلى شهادته في المرحلة المقبلة من التحقيقات، وأكدت إن تداعيات كثيرة ستترتب خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

ورداً على تقرير ميليس اعتبر مساعد وزير الخارجية السوري أحمد عرنوس أن التقرير متأثر بالأجواء السياسية التي قامت في لبنان عقب اغتيال (الحريري) وينطلق من أفكار مسبقة ليتوصل بعدها إلى نتائج ذات طابع سياسي تضع سوريا في دائرة الاتهام والتشهير من دون أي دليل.

وأكد في بيان رسمي تلاه في مؤتمر صحافي إن سوريا «تؤكد أنها المتضررة الأولى من هذه الجريمة». من جهته اعتبر المستشار القانوني في وزارة الخارجية السورية رياض الداوودي ان «تقرير ميليس لا أساس له وهناك جهات إقليمية ودولية تريد تسييس هذا التقرير والنيل من سوريا».

وأضاف إن «هذا التقرير يوجه اتهامات بناء على أجواء معينة وفرضيات معينة قبل اغتيال الحريري وبعده واللجنة بنت اتهاماتها على هذه الأجواء». وشكك في صدقية شهادات بعض «المسؤولين اللبنانيين» الواردة في التقرير لأنهم معروفون بموقفهم المعادي لسوريا. لكن الداوودي أعلن أن سوريا «ستواصل تعاونها مع المجتمع الدولي».

وقال «كل ما ورد لجهة عدم التعاون لا أساس له من الصحة ونحن سنتابع التعاون ضمن المعطيات التي ستطرح». وأكد أن «سوريا تظل متمسكة بقرارات الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) وسنواصل تعاوننا مع المجتمع الدولي. وأسف بيان الخارجية السورية لإهمال التقرير «الشهادات التي اعطيت من قبل مسؤولين سوريين أو تحريف مضمونها».

وتابع الداوودي «كان الأجدى أن يقدم التقرير كتقرير إجرائي لأنه لا يحتوي على شيء نهائي، هناك إحدى عشرة نتيجة يفتح بها ميليس الأبواب للوصول إلى دليل حتى يقام عليه الاتهام». وقال أيضاً «لسنا أمام تقرير يمكن بموجبه تقديم متهم إلى المحكمة».

وفي بيروت أشاد مجلس الوزراء اللبناني أمس بتقرير لجنة التحقيق الدولية الذي «ظهر معبراً عن ذاته بقوة الحقائق». وفق ما أعلن وزير الإعلام غازي العريضي الذي أضاف إثر الجلسة الطارئة التي عقدها مجلس الوزراء لمناقشة التقرير نقلا عن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إن «التقرير كان عند حسن ظن اللبنانيين وتوقعهم».

مشيراً إلى أن التقرير كان مشفوعاً بالتقنية العالية من دون مسايرة أو تحيز أو تسييس». وقال البيان «إن الجهد الكبير والمشكور الذي بذلته لجنة التحقيق يشكل القاعدة الصلبة والمتينة للتطلع إلى المستقبل من أجل استكمال التحقيق للكشف عن تفاصيل الجريمة الإرهابية..

وصولاً إلى الحقيقة الكاملة واحقاق العدالة بالاقتصاص من المجرمين القتلة أياً كانوا وأينما وجدوا». وأشار البيان إلى أن الهدف من الكشف عن تفاصيل الجريمة «وقف مسلسل الاغتيالات السياسية ليس في لبنان فقط بل في الأرجاء العربية المحيطة». وأكد مجلس الوزراء اللبناني أن تقرير ميليس «خطوة متقدمة مهمة على طريق الوصول إلى الحقيقة كاملة ومعاقبة الذين خططوا ونفذوا» جريمة اغتيال الحريري في 14 فبراير.

وقال العريضي رداً على سؤال حول احتمال مطالبة الحكومة اللبنانية بمحكمة دولية، إن أمام لجنة التحقيق الدولية مهلة حتى 15 ديسمبر ستبقى خلالها هي المسؤولة عن التحقيق، وإن البحث في محكمة دولية يأتي لاحقاً.

وكان النائب سعد الحريري طالب في بيان تلاه أمس بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسؤولين عن الاغتيال الذين وصفهم بأنهم حفنة أشرار، رافضاً أية مساومة داخلية أو خارجية على دم والده.

دمشق، بيروت ـ «البيان» والوكالات