أسدلت محكمة التمييز بدبي الستار على قضية «غسل أموال» بدأت فصولها مع شهر مايو لعام 2002، حيث رفضت محكمة التمييز دعوى تقدمت بها مؤسسة «ن» للتوزيعات ضد أحد المصارف بالدولة طالبة إلزام الأخير بدفع مبلغ 9,10 ملايين درهم والفائدة بنسبة 12%.

وحسبما أوردته المؤسسة في دعواها فإن المصرف قام بتجميد حساباتها لديه، وأن المبالغ المترصدة لصالحها في هذه الحسابات بتاريخ 6-مايو-2002 بلغ مقدارها 9,6 ملايين درهم، وأن المصرف أرسل إليها فاكسا يشير إلى أن تجميد حساباتها تم بناء على تعليمات المصرف المركزي.

وترتب على ذلك التصرف الذي لا يقوم على أي أساس آثار ضارة، ما يحق لها المطالبة باسترداد المبالغ المجمدة بحساباتها مع فوائدها من تاريخ التجميد وحتى السداد التام، فضلا عن تعويضها عن الضرر الذي لحقها من جراء ذلك والذي تقدره مؤقتا بمبلغ أربعة ملايين درهم.

وكانت محكمة دبي الابتدائية حكمت برفض الدعوى، فما كان من المؤسسة إلا أن استأنفت الحكم، لتؤيد الاستئناف الحكم الابتدائي، وبعدها طعنت المؤسسة على الحكم بالتمييز التي قضت مؤخرا برفض الدعوى وبإلزام المؤسسة بالمصروفات وبمبلغ ألفي درهم مقابل أتعاب المحاماة مع مصادرة التأمين.

وجاء في حكم التمييز أن القانون الاتحادي رقم 4 لسنة 2002 في شأن تجريم غسل الأموال يدل على أن المشرع في سبيل مكافحة غسل الأموال الناشئة عن أنشطة غير مشروعة، والتي يقصد مرتكبوها إضفاء الشرعية عليها عن طريق توظيفها في البنوك أو غيرها في المؤسسات المالية، أصدر هذا القانون.

وحتى تتحقق الغاية منه بالقضاء على هذه الظاهرة التي تنال من الأمن الاجتماعي والاقتصادي للدولة، فقد أوجب المشرع على المنشآت المالية بالدولة إبلاغ المصرف المركزي عن العمليات المشبوهة المتصلة بغسل الأموال التي تقع فيها، ورتب جزاء جنائيا على أي من العاملين بها يعلم بهذه الأفعال.

ويمتنع عن إبلاغ المصرف المركزي عنها. ولحث هذه المنشآت على القيام بواجبها في هذه الشأن، فقد أعفاهم المشرع من أية مسؤولية تترتب عن الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة طالما لم يثبت أنه تم بسوء نية بقصد الإضرار بصاحب المعاملة.

كما جعل المشرع المصرف المركزي هو المنوط به بحث ودراسة الحالات المبلغة إليه واتخاذ الإجراء اللازم بشأنها، فله أن يأمر بتجميد الأموال التي يشتبه بها لدى المنشآت المالية لمدة لا تزيد على سبعة أيام إذا رأى أن الاشتباه في غسل الأموال قائم على أسباب مبررة، ومن ثم إبلاغ النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وفي سبيل ذلك لها أن تأمر بالتحفظ على الأموال المشتبه فيها.

لما كان ذلك وكان من المقرر قضاء هذه المحكمة «التمييز» أن مسؤولية البنك عن نشاطه المصرفي كأي مسؤولية لا تقوم إلا بتوافر أركانها الثلاثة، من خطأ ثابت في جانبه إلى ضرر واقع في حق المضرور وعلاقة سببية تربط بينهما، بحيث إذا انتفى ركن الخطأ فإن هذه المسؤولية تنتفي.

ومن المقرر أن استخلاص ثبوت الخطأ أو نفيه هو ما يدخل في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع طالما أقامت قضاءها على أسباب سائغة مستمدة من عناصر في وقائع الدعوى.

ولما كان الحكم المطعون فيه نفى الخطأ عن المصرف في إبلاغه المصرف المركزي عن الاشتباه في معاملات المؤسسة وتجميد حساباتها لديه، لأن المصرف حين أقدم ذلك يكون التزم صحيح القانون، ومن ثم فلا خطأ مدنياً في جانبه يحاسب عليه، خاصة أن الأوراق خلت ما يفيد أن إبلاغه لجهة الاختصاص بالمصرف المركزي تم بسوء نية بقصد الإضرار.

كما أن الثابت في الدعوى أن المصرف تلقى كتابا من المصرف المركزي بتجميد جميع الحسابات المقيدة لديه باسم المؤسسة، ثم تلقى خطابا آخر بذات المضمون تنفيذا لقرار النائب العام بالتحفظ على تلك الحسابات.

وبعدها عقد اجتماع بين ممثلين عن المؤسسة والمصرف وبين المسؤولين عن وحدة مكافحة غسيل الأموال بالمصرف المركزي، بشأن كشف الحقائق والمعاملات التجارية المتعلقة بحسابات المؤسسة لدى المصرف، نفاذا للقانون والإجراءات المتبعة عند الاشتباه في مصدر أموال.

وإذ لم تقدم المؤسسة الإيضاحات المقنعة لجهات الاختصاص بشأن مصادر أموالها، فقد ظل قرار النائب العام بالتحفظ على تلك الأموال ساريا، ولم يتم الإفراج عنها حتى الآن، وعلى ذلك يكون ما سلكه المصرف من إجراءات بشأنها لا يعدو سوى مباشرته لحق من حقوقه المشروعة، الأمر الذي يكفي لعدم مساءلته مدنيا لانتفاء الخطأ عنه، لذلك حكمت المحكمة برفض الطعن.

كتبت رابعة الزرعوني: