أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة في الأمم المتحدة يوم الأول من أمس على الأهمية الملحة التي تكتسبها مبادرات الحوار بين الحضارات جنبا إلى جنب مع المبادرات السياسية المبذولة من أجل احتواء الصراعات والتفرقة بين الشعوب وتحقيق المزيد من التفاهم والتقارب .

فيما بينها ونشر أفضل الممارسات الإنسانية، وفي مقدمتها مبادئ التفاهم والتسامح والتضامن والتآزر المنافي لجميع أشكال التطرف البشري والكراهية.

جاء ذلك خلال البيان الذي أدلى به السفير عبد العزيز بن ناصر الشامسي المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة أمام الاجتماع الخاص الذي نظمته الجمعية العامة للمنظمة الدولية من أجل مناقشة البرنامج العالمي للحوار بين الحضارات.

وقال السفير انه بالرغم من التوصيات التي أجمع عليها قادة الدول والحكومات قبل خمس سنوات في مؤتمر الألفية وأكدوا عليها في قمة دورة الستين للجمعية العامة والهادفة إلى تنمية ثقافة السلام والحوار بين الحضارات من أجل التغلب على الصراعات والعقبات التي تفرق بين الأمم .

والشعوب إلا أن مظاهر التعصب العرقي والإثني والعقائدي وما صاحبها من ممارسات للعنف مازالت تشكل أحد أهم التحديات الأساسية التي تساهم في نمو بؤر التوتر والنزاعات المسلحة ومظاهر انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من دول العالم.

وهو الأمر الذي بات يكسب مبادرات الحوار بين الحضارات أهمية ملحة للغاية إلى جانب الجهود والمبادرات السياسية والدبلوماسية الأخرى المبذولة لتحقيق المزيد من التفاهم والتقارب بين الشعوب واحتواء الخلافات بينها.

وأضاف أنه ومع انتهاء الحرب الباردة وانخفاض مظاهر الصراع بين الشرق والغرب برزت أنواع جديدة من الصراعات الناجمة عن التنافس العرقي والديني والثقافي والحضاري بين الشعوب.

وغيرها من مظاهر التنافس بين الشمال والجنوب والأغنياء والفقراء والمهددة للأمن والسلم والاستقرار العالمي مشيرا الى أن مسؤولية معالجة الفجوات الحضارية المتعمقة بين الشعوب تقع على كاهل جميع الدول والقادة الروحانيين وغيرهم من الكوادر والشخصيات النموذجية الاجتماعية والعلمية الثقافية والرياضية كل في مجاله.

وأوضح أن مرتكبي العنف والإرهاب وممارسات التطهير العرقي وغيرها من جرائم الحرب المفجعة التي شهدتها العديد من مناطق العالم خلال السنوات القليلة الماضية ليسوا من جنسية أو ديانة أو عرق واحد بل يندرجون تحت أصول وانتماءات سياسية ودينية وعرقية مختلفة معربا عن قلق دولة الإمارات إزاء تواصل حملات التمييز والعداء والتشويه المغرضة التي تبثها العديد من وكالات ومؤسسات الإعلام ضد فئات عرقية أو عقائدية معينة.

واعتبر هذه الحملات بأنها تشكل مصدرا أساسيا لتغذية مناخ الكراهية والتمييز بين الشعوب والحضارات مطالبا بقيام الدول وخصوصا أجهزة الإعلام فيها بانتهاج الموضوعية والشفافية عند تناولها لقضايا وأزمات الدول النامية فضلا عن اتخاذها لجملة من التدابير الجادة والكفيلة بالتصدي لجميع ممارسات العداء والتحريض والتمييز ضد شعوبها وخصوصا الإسلامية والعربية منها.

وتطرق السفير الى الهيمنة الحضارية التي تمارسها الحضارات الغربية مشيرا إلى أن الأبعاد الإيجابية التي أفرزتها معطيات العولمة خلال العقدين الأخيرين ساهمت إلى جانب فوائدها الاقتصادية والتنموية المتعددة التي عمت العديد من الشعوب في إفراز ما يسمى بهيمنة مؤسسات الإعلام والتكنولوجيا المتقدمة على ثقافات الدول النامية وخصوصا فئة الشباب منهم والذين عزف الكثير منهم عن الانخراط في خصوصيات التنوع الثقافي الذي تتمايز به مجتمعاتهم.

وقال إن دولة الإمارات وهي تؤمن بأهمية التفاعل والتنوع المتساوي ما بين الحضارات تطالب مؤسسات الدول المتقدمة بوقف احتكارها للتكنولوجيا العالمية الحديثة وسياساتها الانفرادية الموجهة والعمل على تفهم هموم وشواغل وقضايا الدول والشعوب الأخرى دون التدخل في شؤونها الداخلية ومحاولات إنكار حقوقها الوطنية.

وشدد على ضرورة أن تشمل جميع مبادرات الحوار بين الحضارات اتخاذ التدابير الجادة والفاعلة والهادفة إلى تسوية مشاكل الاستعمار وبعض مظاهر الاحتلال الأجنبي التي مازالت باقية حتى الآن وتضييق الفجوة الآخذة بالاتساع ما بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية.

وخصوصا ما يتصل منها بمكافحة الفقر والتنمية والتمتع ببيئة آمنة ونظيفة بما فيها انتهاج خطط هادفة وغير مشروطة لتحرير التجارة وحصول الدول النامية على أحدث تقنيات الإنتاج المتقدم الكفيل بتوفير فرص إنمائية أفضل لسكانها وبما يساهم في تقريب المسافات المتباعدة بين مستوى الشعوب .

وفي إطار من العدالة والشفافية والمساواة التي تكفل احترام الذات البشرية وكرامتها وعقائدها وحقوقها غير القابلة للتصرف والبعيدة كل البعد عن توجهات الكيل بمكيالين التي مازالت تمارس حتى الآن تجاه العديد من قضايا ومصالح الدول.

وحول موقف دولة الإمارات من مسألة تعزيز الحوار بين الحضارات قال إن دولة الإمارات وانطلاقا من عادات وتقاليد مجتمعها العربي الأصيل والمستمدة من مبادئ الثقافة الإسلامية الحنيفة والمؤمنة بمبدأ التعددية حرصت على انتهاج سياسات عامة ملائمة في إطار محورين متوازيين الأول شمل بث العديد من البرامج التعليمية والثقافية والاجتماعية الهادفة إلى ترسيخ قيمها الإنسانية والأخلاقية الكريمة لدى فئات مجتمعها لضمان مشاركتها الأفضل بخطط التنمية الوطنية .

وفوائدها وحمايتها من جميع الآفات والأمراض الصحية والنفسية والاجتماعية السلبية المنتشرة والثاني تسخير وتطوير هذه القيم والمفاهيم مع متغيرات العصر ومستجداته دون المس بجوهرها وأيضا تكريس مفاهيم تعزيز الاحترام المتبادل لثقافات وتقاليد ومعتقدات الشعوب الأخرى لدى نفوس أبنائها.

وأشار إلى ان موقف الدولة تجسد في الخطاب الذي وجهه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» مؤخرا لضيوفه من علماء الدين الإسلامي بمناسبة شهر رمضان الفضيل.

والذي أكد سموه خلاله على ضرورة إبراز سماحة الإسلام ومعانيه السامية القائمة على التراحم والتآخي والتسامح واحترام الأديان الأخرى والحض على الفضائل والعمل في سبيل إرساء قيم الحق والمحبة والسلام وحب الخير للناس أجمعين.

وأضاف إن دولة الإمارات سنت جملة من القوانين والقرارات التي كفلت حرية ممارسة الأقليات الأجنبية المقيمة فوق أرضها لطقوسها وأنشطتها العقائدية والثقافية والاجتماعية كما شجعت على مدار العام على إقامة وتنظيم المنتديات والندوات والحلقات والمعارض الثقافية المستقطبة للمفكرين والصحافيين.

والفرق الموسيقية والفنية الفلكلورية المختلفة من جميع أنحاء المعمورة لإثراء معرفة وانفتاح مجتمع الإمارات على مفاهيم وأفكار وتنوع هذه الحضارات آخذة بالاعتبار تمسكه بخصوصيته وبيئته التي نشأ وترعرع فيها.

وحول نشاط الإمارات الخارجي أوضح السفير ان الدولة نشطت في إبرام العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والتبادل الثقافي والإعلامي والتربوي والتعليمي سواء على الصعيد الثنائي أو الإقليمي أو الدولي ودرجت أيضا على المشاركة في المؤتمرات ومنتديات الفكر والفن والفلسفة بالعالم مما ساهم في إثراء تفاعلها وتعاونها مع حضارات ومفاهيم الشعوب الأخرى.

وأعرب السفير عبد العزيز بن ناصر الشامسي عن أمله في أن تساهم مداولات الجمعية العامة باتجاه ترسيخ نموذج الحوار بين الحضارات كمنهج وأداة جديدة في طبيعة العلاقات الدولية لمد جسور التفاهم والتعاون والانفتاح بين الدول واستلهام جهودها المشتركة الرامية إلى تعزيز السلام والأمن وروح التعايش السلمي بين شعوبها وأجيالها القادمة.