بعد 250 يوماً على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري أعلن رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الذي كان له وقع الزلزال سياسي ضرب دمشق، بعد ان اتهم مسؤولين سوريين ولبنانيين كباراً بالتورط في الاغتيال ومن ثم في عرقلة التحقيق، وذكر تحديداً أسماء ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري وصهره رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية آصف شوكت كمشتبه بهما ووزير الخارجية فاروق الشرع الذي اتهمه التقرير بعرقلة التحقيق.

وذهب التقرير إلى ان كبار المسؤولين الأمنيين اللبنانيين تولوا متابعة التخطيط والتنفيذ وأن السيارة التي استخدمت في التفجير تم إعدادها في سوريا، وتضمن التقرير أيضاً إشارات اشتباه بالرئيس اللبناني اميل لحود.

وفيما اعتبرت مصادر لبنانية التقرير بأنه »الحقيقة« وصفته سوريا بأنه بعيد كل البعد عن الحقيقة ورفضت ما جاء فيه باعتباره بياناً سياسياً مليئاً بالشائعات، لكن واشنطن سارعت لاشهار سيف المحاسبة الدولية.

وجاء في التقرير الذي سلمه ميليس فجر أمس إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إن اللجنة «خلصت إلى أن عدم إبداء الحكومة السورية تعاونا جوهريا مع اللجنة أعاق التحقيق وجعل من الصعب متابعة بعض الخيوط التي أبرزتها الأدلة التي تم جمعها من مصادر مختلفة».

وأشار التقرير إلى فاروق الشرع باعتباره أحد المسؤولين الذين عرقلوا التحقيق كما طالبت لجنة التحقيق باستجواب سوريين «خارج سوريا» وأوردت إفادة شاهد أشار إلى ضلوع شقيق وصهر الرئيس السوري بشار الأسد في العملية.

وأعلن ميليس في مؤتمر صحافي أمس انه قرر حذف أسماء بعض المسؤولين السوريين المشتبه بتورطهم من نسخة أولى من التقرير بصفتهم مشبوهين رئيسيين، بما في ذلك آصف شوكت صهر الرئيس السوري. وأضاف ان تلك النسخة وصلت إلى وسائل الإعلام بالخطأ.

ونفى ميليس أن يكون حذف هذه الأسماء تحت ضغط الأمين العام للأمم المتحدة، مشيرا إلى أن «افتراض البراءة» دفعه إلى القيام بذلك.ووفقا للتقرير، اتهمت اللجنة بالتورط إلى جانب شوكت كلا من ماهر الأسد، وحسن خليل الرئيس السابق للاستخبارات السورية.

وبهجت سليمان وهو صديق شخصي للرئيس السوري، فضلا عن أسماء أخرى، وقال مراقبون ان التقرير وضع سوريا أمام خيار صعب: إما التعاون مع لجنة التحقيق أو الاستمرار في نفي أي تورط لها في هذه القضية مع المجازفة بالتعرض لعقوبات دولية.

ويقول التقرير ان رستم غزالي رئيس المخابرات السورية في لبنان في ذلك الوقت لعب فيما يبدو دوراً مهماً في الاغتيال، وقدم التقرير بالمثل أدلة بشأن الضباط اللبنانيين الأربعة الكبار الموالين لسوريا الذين اعتقلوا ووجهت إليهم تهم في وقت سابق فيما يتصل بمقتل الحريري بناء على توصية من ميليس.

ومضى التقرير يقول ان السلطات السورية بعد ترددها في البداية في تقديم المساعدة تعاونت «إلى درجة محدودة» لكن عدة أفراد حاولوا تضليل المحققين «بالإدلاء بتصريحات كاذبة أو غير دقيقة».

وقال التقرير انه حتى الرسالة الموجهة إلى لجنة التحقيق من وزير الخارجية السوري فاروق الشرع «ثبت انها تحوي معلومات كاذبة». وقال التقرير ان نائبه وليد المعلم كذب أيضاً في تصريح للمحققين بشأن ما قيل أثناء اجتماع مع الحريري في أول فبراير.

واعتبر التقرير ان مخطط الاغتيال نفذته مجموعة «تتملك قدرات تنظيمية وموارد كبيرة» وقد تم الإعداد له على مدى عدة أشهر. وأوضح التقرير ان «عبر التنصت المتواصل على هواتف الحريري اطلعت أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية باستمرار على تحركات الحريري واتصالاته».

وفي التفاصيل التقنية، استبعدت لجنة التحقيق الدولية قيام احمد أبو عدس بقيادة السيارة المفخخة التي قتلت رئيس الوزراء اللبناني السابق ونقلت عن شاهد ان شوكت «اجبر» أبو عدس على تسجيل شريط يتبنى فيه الاغتيال.وقالت اللجنة نقلا عن شهود ان سيارة الميتسوبيشي التي استخدمت في الاغتيال دخلت لبنان من سوريا وشوهدت في مركز للاستخبارات السورية في لبنان قبل ثلاثة أيام من التفجير.

وخلصت لجنة التحقيق الدولية إلى أن القنبلة التي استخدمت لقتل الحريري تم تفجيرها فوق الأرض، وبلغت زنتها حوالي ألف كيلو غرام من المتفجرات التي تستخدمها القوات العسكرية.

ولكن لم تقطع اللجنة بالكيفية التي تم بها التفجير، خاصة أن القافلة التي كان يتحرك بها الحريري استخدمت أجهزة إلكترونية تحول دون تفجير قنابل عن بعد. الأمر الذي يرجح أن يكون التفجير ناجما عن هجوم انتحاري. وسارعت سوريا إلى رفض التقرير مؤكدة أنها تعاونت مع التحقيق.

وقال السفير السوري لدى الأمم المتحدة فيصل مقداد ان بلاده ستواصل تعاونها مع لجنة ميليس التي تم التمديد لها أمس حتى 15 ديسمبر المقبل. وقبل ذلك وصف وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله التقرير بأنه «بيان سياسي مليء بالشائعات» ضد سوريا، نافياً أي تورط لسوريا في الاغتيال.

ونفت الرئاسة اللبنانية أمس ما ورد في تقرير لجنة التحقيق عن اتصال هاتفي بين احد المشتبه بهم محمود عبد العال ورئيس الجمهورية إميل لحود قبل دقائق من الاغتيال، وقال المستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية رفيق شلالا في بيان ان التقرير أشار إلى ان «الاتصال تم بهاتف رئيس الجمهورية وبالتالي ليس مع رئيس الجمهورية» وأضاف ان «الهاتف التابع لمكتب رئيس الجمهورية هو خط من سلسلة خطوط معروفة من الجميع يتلقى عليها فخامة الرئيس شكاوى واتصالات لمواعيد أو غيرها».

وأكد شلالا ان «التقرير لا يتضمن لا اتهاما ولا إدانة ولا شبهات تطال رئيس الجمهورية ولا ارتباط للرئيس لا من قريب ولا من بعيد بعملية الاغتيال». وطالب النائبان اللبنانيان في كتلة الحريري، إلياس عطاالله وجبران التويني باستقالة لحود بعد صدور التقرير.

وفي إطار ردود الفعل الدولية دعا الرئيس الأميركي جورج بوش إلى تحرك فوري للأمم المتحدة رداً على ما وصفه بالتقرير «المقلق» للجنة التحقيق الدولية. وقال بوش «اليوم ظهر تقرير جدي يتطلب من العالم أن يتمعن فيه ويرد عليه بناء على ذلك».

وقال بوش للصحافيين في مكتبة رونالد ريجان الرئاسية إن تقرير الأمم المتحدة قال بأن هناك سبباً كافياً للاعتقاد بأن قرار قتل الحريري لا يمكن أن يكون قد اتخذ من دون موافقة مسؤولين سوريين رفيعي المستوى ولا يمكن ان يكون قد نظم من دون مساعدة نظرائهم في أجهزة الأمن اللبنانية.

«وقال بوش إن «التقرير مثير للقلق بشدة» وأضاف انه طلب من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ان تطلب من الأمم المتحدة «عقد جلسة بأسرع ما يمكن» لمناقشة التقرير، وطالبت رايس في وقت سابق بمحاسبة سوريا، وقالت للصحافيين أثناء سفرها إلى الاباما «المحاسبة ستكون مهمة جدا بالنسبة للمجتمع الدولي لا يمكن قبول فكرة مشاركة جهاز دولة ما او تورطه في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق..في دولة أخرى.

واعتبر السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون أمس ان التقرير يتطلب «تحركا حازما» من مجلس الأمن الدولي، ووصف بولتون التقرير بأنه «تاريخي» وقال بولتون انه التقى ميليس في وقت سابق أمس لمناقشة التقرير كما اتصل بمندوبي دول أخرى أعضاء في مجلس الأمن لمناقشة «الخطوات التالية التي قد تتخذ».

وأوضح «نحن نفكر بعدد من الخيارات» وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتاي ان «التقرير يشير إلى تعاون السلطات السورية غير الكافي في مجرى التحقيق»، مضيفا «من الأكيد ان على سوريا ان تتعاون».

وقال «علينا الآن ان ننظر في كل نتائج هذا التحقيق وسنواصل مشاوراتنا مع شركائنا في مجلس الأمن (الدولي) بشأن الخطوات التي ينبغي ان تليه» وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية ان «التقرير تطور ايجابي يصب في الاتجاه الصحيح» كما حذرت المفوضية الأوروبية من «ان سوريا ستسيء لمصالحها الخاصة إذا لم تبد تعاونا كاملا مع التحقيق».