ضابط مارينز.. ومحترم
وشهد شاهد من أهلها.. هذا ما فعله الرائد في السرية السابعة من الكتيبة الثالثة في البحرية الأميركية »المارينز«، عندما استيقظ ضميره، وقرر أن يتطهر ويغسل كل ذنوبه، كي يتمكن من النوم مستريحاً، فألف كتاباً وضع له عنواناً هو »اقتل اقتل اقتل ــ جرائم الحرب في العراق«. الكتاب صدر في باريس وباللغة الفرنسية منذ أسبوعين، بعد أن ضاقت كل مساحة حرية الرأي والنشر الواسعة في الولايات المتحدة عن استيعاب اعترافات ميسي، ولم تقبل أي دار نشر أن تتولى نشره.
جيمي ميسي، يبلغ من العمر 32 عاماً، خدم في المارينز 12 عاماً، وكان لا يزال أمامه سبع سنوات أخرى حتى يتقاعد، لكنه فضل ترك كل ذلك ومغادرة الجيش لأنه يرغب في قول الحقيقة لأنها حسب اعتقاده العلاج الوحيد لحالته.
الكلمات والوقائع والأوصاف والتفاصيل الواردة في الكتاب ليست دعاية يطلقها المناهضون للاحتلال الأميركي للعراق، سواء كانوا عراقيين أو عرباً أو أجانب، لكنها من جندي أميركي يتحدث فقط عما فعله هو، وما رأى زملاءه أو رؤساءه يفعلونه، وبالتالي فهو واحد من أهم الوثائق عما جرى ويجري في البلد العربي الكبير الذي كان يسمى البوابة الشرقية للأمة العربية.
كلمات ميسي هي اعتراف وصحيفة اتهام واضحة ومحددة الأركان، وخلاصتها ــ حتى بتعبير محرر صحيفة معاريف أور هيلر في الرابع عشر من أكتوبر الجاري ــ أن الجيش الأميركي سبب حالة الفوضى السائدة في العراق الآن.
يقول ميسي: كنت مؤمنا بالجيش ورسالته. بل وكنت أقوم بإلقاء المحاضرات لتجنيد متطوعين جدد للمارينز.. وعندما ذهبت إلى العراق مع بداية الغزو، لم أصدق ما فعلت.. بحسب كلمات هذا الرائد، فإنه وكتيبته قتلوا المدنيين، وأشعلوا النيران في السيارات بركابها، نهبوا وسرقوا القتلى وألقوا ببعضهم في المستنقعات، ثم واصلوا سيرهم وكأن شيئاً لم يحدث، بل حسب كلماته فإن البعض من زملائه الجنود كان يضحك، عندما أطلقوا النار على عراقي أعزل فجرى وساقه مبتورة! وعندما قال لقائده إننا نقوم بعملية إبادة عرقية بهدف النفط نعته بالجبان.
الوقائع أو قل الفظاعات التي لا تصدق التي يحكيها الرائد ميسي تقدم الوجه الأكثر إظلاما في العراق، وتكشف الممارسات التي ارتكبها »رسل الديمقراطية« هناك.
عندما بدأ ميسي يتحدث عما رآه، عرض عليه قائده ان يترك الميدان ويمارس عملاً مكتبياً، لكنه رفض، وبدأ في الحديث والانضمام إلى المعارضين للحرب، بل والتظاهر أمام البيت الأبيض مع سيندي شيهان.
أما المضحك والمبكي فهو رد الجيش الأميركي، فما حدث هو حالة عربية عالمثالثية بامتياز.. الجيش وافق على تسريحه لأنه »يعاني من توترات نابعة من اضطراب ما بعد الصدمة«، والناطقة باسم المارينز قالت رداً على الكتاب »إننا فحصنا كل ما قاله ميسي وحققنا فيه وتبين أنه غير صحيح«. إذن ميسي هو مضطرب وربما مجنون حسب الجيش الأميركي، فنحن في زمن أصبح فيه العقل فضيحة.
عماد الدين حسين
emadiraqi@yahoo.com