أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي تسلم أمس تقرير ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، أن التقرير «تقني ويشكل بداية التعامل مع هذه القضية وليس نهايتها»، وحسب تسريبات مصادر في الأمم المتحدة قبل النشر الرسمي فإن التقرير لا يتهم أي مسؤول سوري أو الرئيس اللبناني اميل لحود لكنه يبقي الشبهة قائمة بحق عدد من الشخصيات والجهات الأمنية اللبنانية والسورية.
وفيما أعلن نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن واشنطن وباريس تسعيان للحصول من الأمم المتحدة على فرض عقوبات اقتصادية ضد دمشق في إطار «خطتهما» الهادفة للضغط على سوريا نفت باريس المعلومات عن مشروع قرار ضد سوريا في الأمم المتحدة.
وبينما أعلن مسؤول إسرائيلي أنه ليس لإسرائيل مصلحة في إقصاء الرئيس السوري بشار الأسد، رأت مصادر إسرائيلية أن الإدارة الأميركية ستشدد الضغوط على النظام السوري، ولكنها لم تستبعد صفقة مع الأسد على غرار صفقة الزعيم الليبي معمر القذافي.وسلم ميليس تقريره إلى عنان مساء أمس بعد تحقيق استمر أربعة أشهر، ومنع الصحافيون من حضور اللقاء بين الرجلين ولكن سمح فقط للمصورين بالتقاط بعض الصور.
وأعرب عنان في تصريحات صحافية أدلى بها ليل الأربعاء في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عن عزمه على إبقاء تقرير ميليس في نطاقه الفني والقضائي البحت رغم محاولات تسييسه من قبل بعض الأطراف المعنية في المنطقة.
وشدد عنان على ضرورة التعامل مع هذا التقرير بعيدا عن محاولات التسييس سواء كان ذلك داخل لبنان أو خارجه، مشيراً إلى أنه لا يستطيع منع هذا التسييس وأن مسؤولياته لا تسمح له بالمشاركة في أي من هذه المحاولات أو التشجيع عليها.
وقال إن إصدار تقرير ميليس سيتبعه عدد من الإجراءات القضائية الأخرى بما فيها توجيه التهم وتقديم الجناة للعدالة ورفض توجيه أية اتهامات إلى سوريا بهذه القضية قبل إطلاعه على تقرير ميليس، وكان ميليس وصل إلى نيويورك الأربعاء حيث سلم إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة نسخة عن تقريره، ومن المقرر أن تتسلم السلطات اللبنانية نسخة من التقرير اليوم.
وفي بيروت أكد مجلس الوزراء اللبناني أمس «أن لا شيء يدعو إلى القلق والخوف»، مشددا على أن الوضع هادئ والمؤسسات ستكمل عملها في صورة طبيعية حتى صدور تقرير ميليس.
وحسب مصادر واسعة الاطلاع في الأمم المتحدة فإن التقرير لا يشير بإصبع الاتهام إلى أي مسؤول سوري ولا إلى رئيس الجمهورية إميل لحود، ويبقي على الشبهة قائمة في عدد من الشخصيات والجهات الأمنية اللبنانية والسورية.
ويعرض التقرير الذي يقع في عدد كبير من الصفحات (يقارب المئة) بالتفصيل لكل ما قامت به لجنة التحقيق منذ مباشرتها عملها قبل أكثر من أربعة شهور، بما في ذلك الوقائع الكاملة لعملية الاغتيال ورواية اللجنة لكيفية حصولها، ونتائج التحقيقات التي جرت مع عدد كبير من الشهود، ما يجعل اللجنة تعرض للواقع السياسي الذي تم الاغتيال في سياقه ولوقائع تخص تحقيقات تفصيلية جرت في لبنان وسوريا وإبراز ما حصل من تعاون مع السلطات اللبنانية القضائية والأمنية اللبنانية بما في ذلك توقيف الضباط الأربعة وآخرين وتكرار شبهة اللجنة بهم وتوصيتها بإبقائهم قيد التوقيف.
وبحسب تقرير مفصل نشرته مجلة «شتيرن» الألمانية أمس، فإن ميليس يعرض لتجربته في هذه القضية «التي صارت قضية حياتي»، وهو تذكر عمل المفتش الدولي في العراق هانز بليكس وكيف كان يتعرض لحملة ضغوط قائلا «الآن اعرف كيف كان شعوره، رغم أن عملنا هنا مختلف عن عمله ونحن هنا لسنا فريقا عاديا ولسنا مثل جنود حفظ السلام في القوات التابعة للأمم المتحدة».
ونقلت المجلة عن مصادر يُفهم أنها ترتبط بميليس ان اللجنة تشتبه صراحة في صهر الرئيس السوري بشار الأسد، رئيس الاستخبارات العسكرية السورية اللواء آصف شوكت، ورئيس الاستخبارات السورية في لبنان سابقاً العميد رستم غزالة ومسؤولين سوريين آخرين، وان لدى اللجنة معطيات كبيرة حول ما حصل. ويفيد التقرير «إن اللجنة كانت لديها شكوك في تورط المخابرات السورية،
ولكن التأكيد حصل من جانب شاهد سوري هو غير محمد الصديق، وهو كان يعمل في المخابرات السورية وقد نقل إلى اللجنة معلومات مفصلة عن الذي حصل، وهذا الشاهد كان يحضر إلى لبنان ويغادره برفقة محقق خاص من اللجنة الدولية وهو موجود في مكان ما خارج لبنان بقصد حمايته».
وحسب التقرير، فإن هذا الشاهد هو العنصر الأبرز لدى لجنة التحقيق. كما يشير التقرير إلى ملف الاتصالات في الهاتف الخلوي والدور الذي قدمته في كشف أشياء كثيرة تخص المتورطين في الجريمة. يشار إلى أن الشاهد السوري الثاني هو نفسه الشاهد المقنع الذي أظهرته لجنة التحقيق الدولية في إحدى جلسات الاستجواب مع المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد.
ونقلت صحيفة «السفير» اللبنانية عن مصادر قضائية لبنانية قولها إن الصديق ربما قدم معلومات خاطئة أو هو عمل على تضليل التحقيق، ولكن هذا الرجل كانت له علاقات فعلية بعدد من الضباط والمسؤولين السوريين وخصوصا من كان يزور منهم لبنان.
وتبحث لجنة التحقيق عن ضابط سوري تقول مصادر لبنانية انه كان مسؤولا في الأمن الخارجي وقد أقيل من منصبه قبل نحو شهر ويدعى مروان ندورة وكان يتردد على لبنان بين الوقت والآخر، ويُشتبه في أن له علاقة بعملية الاغتيال،.
وأعرب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله أمس عن أمله في ان يتضمن تقرير ميليس، «أدلة دامغة» وإلا يكون «مسيساً». وقال نصر الله خلال إفطار في الضاحية الجنوبية الشيعية لبيروت «نحن نخاف من التسييس لأنه سيكون له تداعيات خطيرة وكبيرة لأن الجريمة غير عادية وكبيرة». وأضاف «نريد استنتاجات واضحة وأدلة دامغة».
وأكد ان «اللبنانيين، جميع اللبنانيين اجمعوا على معرفة الحقيقة (...) وان ينال المجرمون عقابهم مهما كانت هويتهم». وفي دمشق، قال وليد المعلم في حديث لصحيفة «لو فيغارو» الفرنسية نشر أمس أن «الأميركيين والفرنسيين لديهم خطة لتصعيد الضغوط على سوريا وتقرير (المحق الدولي ديتليف) ميليس يشكل أداة تنفيذ هذه الخطة». وأضاف إن «المرحلة الأولى كانت التأثير على بعض الدول العربية لكي نقطع علاقاتنا مع العراق والفلسطينيين ولبنان.
ونحن الآن في المرحلة الثانية الهادفة إلى عزلنا». وتابع المعلم إن «المرحلة المقبلة ستكون فرض عقوبات اقتصادية عبر قرار صادر عن الأمم المتحدة» مضيفا «لكننا نعتقد أن الروس والصينيين يعارضون هذه العقوبات». وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد كشفت الأربعاء أن الولايات المتحدة وفرنسا تعدان مشروعي قرار سيعرضان على مجلس الأمن الدولي الأسبوع المقبل يدينان تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية .
لكن وزارة الخارجية الفرنسية نفت أمس صحة هذه المعلومات». وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتيي ان «المعلومات الصحافية التي تتحدث عن مساع بين بعض أعضاء مجلس الامن تتصل بمشروع قرار او اكثر حول تقريري (ديتليف) ميليس و(تيري) رود-لارسن غير صحيحة».
في غضون ذلك، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أمس عن رئيس القسم السياسي ـ الأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد قوله إن «المصلحة الإسرائيلية هي تحويل سوريا من دولة داعمة للإرهاب إلى دولة محبة للسلام». وأضاف جلعاد في مقابلة لـ «صوت الجيش» «إذا غيرت سوريا سياستها فسيكون لهذا تأثير مهدئ وباعث على الاستقرار في الشرق الأوسط. هذه هي المصلحة العليا: عدم تغيير الأنظمة، عدم تغيير الحكام وعدم التدخل في عمل المنظومات الدولية».
وقالت الصحيفة إن أوساط سياسية رفيعة المستوى في إسرائيل تقول إن الإدارة الأميركية ستشدد في الزمن القريب المقبل الضغط على النظام السوري، ولكنها ستفضل الخيار في أن «يتوب الأسد ويتحلل عن ذخائر الإرهاب لديه، على الدفع إلى إسقاطه، وذلك لان مسلمين متطرفين قد يحتلون مكانه».
ويتبين من تقارير وصلت مؤخرا إلى القيادة السياسية العليا في إسرائيل بأن الولايات المتحدة نقلت إلى سوريا سلسلة مطالب هي إغلاق الحدود مع العراق ومنع عبور المقاتلين والوسائل القتالية من سوريا إلى العراق؛ وإخراج قوات الاستخبارات السورية من لبنان؛ ووقف نقل الوسائل القتالية من سوريا إلى حزب الله ووقف الدعم السوري للمنظمات الفلسطينية العاملة من دمشق.
وبحسب المصادر الإسرائيلية، سيشتد الضغط الأميركي على سوريا كي «يتحلل حكم الأسد من ذخائر الإرهاب لديه ويصبح أكثر ديمقراطية» أما في المدى البعيد فلا تستبعد إبرام صفقة رزمة على نمط صفقة الزعيم الليبي معمر القذافي، وذلك لأن ليس للأميركيين مصلحة في إسقاط حكم الأسد في غياب البديل.
ولا يرى الأميركيون تهديدا على حكم الأسد، ففي رأيهم، التهديد من المعارضة الإسلامية ومن رفعت الأسد ضعيف للغاية، وهم يخشون من أن إسقاط حكمه سيؤدي إلى عدم استقرار في الشمال وفي الجبهة مع إسرائيل ومن شأنه أن يؤدي إلى إقامة حكومة إسلامية متطرفة مقربة من إيران.
