رفض الرئيس العراقي السابق صدام حسين وسبعة من كبار مساعديه الإقرار بتهمة قتل 143 شخصاً في قرية الدجيل عام 1982، كما رفض صدام الذي بدا أنه يخوض معركته الأخيرة الاعتراف بشرعية المحكمة التي انعقدت وسط إجراءات مشددة في المنطقة الخضراء أمس برئيس كردي جديد عينته القوات الأميركية.
وقررت المحكمة التأجيل حتى 28 نوفمبر المقبل بناء على طلب الدفاع، مشيرة إلى أن الشهود خائفون من الكلام أمام المحاكمة التي لم يتم بثها على الهواء كما كان مقرراً بل بثت متأخرة عن وقتها الأصلي عشرين دقيقة وأقرب إلى طريقة «المونتاج». وبينما قال موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي الذي اجتمع مع صدام وبقية المتهمين قبل المحاكمة إن صدام بدا منهاراً ومتخاذلاً وخائفاً، قالت رغد ابنة صدام إن والدها كان «أسداً في طلعته ومظهره». وفي واشنطن قال الرئيس الأميركي جورج بوش الذي لم يشاهد مجريات المحاكمة إنه واثق أن المحاكمة ستسير وفق معايير القانون الدولي، في حين قالت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس إن بلادها ستنشر فرق إعمار عسكرية «مدنية» لإعادة الإعمار والقضاء على التمرد، رافضة التكهن بالمدى الذي ستبقى فيه القوات هناك.
وقد بدأ صدام كلامه ـ رداً على طلب القاضي الذي ينحدر من المنطقة الكردية ريزكار محمد أمين منه التعريف بنفسه ـ بتلاوة الآية القرآنية «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل»، لكن القاضي منعه من إكمال تلاوة الآية، أو الاستفاضة في الحديث وطلب منه الالتزام بالإجابة عن السؤال. وأكد صدام انه «بريء» ردا على سؤال القاضي الكردي ريزكار محمد أمين «هل أنت مذنب أم بريء»؟. وكرر القاضي السؤال للمتهمين الآخرين فأجابوا كلهم «بريء». وقال صدام لرئيس المحكمة الخاصة الذي كان يطلب منه هويته «لا أجيب المحكمة». وأضاف : «لا احمل لأي منكم أي ضغينة لكني مستنداً بالحق.. واحتراما لإرادة الشعب العراقي في اختياري رئيس جمهورية أنا لا أجيب على هذه التي سميت محكمة مع احترامي لشخوصها واحتفظ بحقي الدستوري كرئيس لدولة العراق«.
وقال صدام بعد جدل دام دقائق مع القاضي : أنا الآن لا اعترف بالمحكمة ولا بالجهة التي خولتكم ولا بالعدوان لان كل ما بني على باطل فهو باطل. وسأل صدام القاضي «من انتم؟» فأجاب الآخر «نحن المحكمة الجنائية الأولى».
وسأل القاضي صدام عن اسم موكله فقال «أنا خولت الأستاذ خليل الدليمي وحده». واعترض صدام على قيام القاضي بالتعريف عن هويته عندما ردد القاضي «صدام حسين رئيس الجمهورية السابق» وقال صدام معترضا انه مازال الرئيس الشرعي لجمهورية العراق وانتم تقولون الذي تقولونه ولكن عندما ينسب الأمر لي.. فهذا ليس من شأني».
وسأل القاضي نائب الرئيس السابق طه ياسين رمضان عن اسمه الثلاثي ولقبه فرد قائلا «اكرر ما قاله السيد الرئيس صدام حسين». ثم رد القاضي على صدام ورمضان قائلا «لدي اسمكما وعنوانكما».أما برزان التكريتي، الأخ غير الشقيق لصدام فقال موجهاً كلامه للقاضي لدى سؤاله عن اسمه «أنت رجل قانون لذلك لن أتطرق إلى شيء فاسمي وعنواني موجودان في الاستمارات التي بحوزتك».
ودخل صدام قاعة المحكمة مرتدياً بزة قاتمة بدون ربطة عنق وحاملاً مصحفاً يرافقه حارسان أشار لهما بيديه ليخففا من سرعتهما. وجلس في قفص للاتهام وحده بينما توزع الآخرون على القفصين الآخرين. وقال ممثل الادعاء في القضية «إن هذا يوم تاريخي انتظره الشعب العراقي والضمير الإنساني بفارغ الصبر ليشهد حكمكم العادل على من اقترف هذه الجرائم البشعة ضد الإنسانية من قتل وسفك للدماء وتشريد وتجويع وتعذيب وسلب ونهب ومصادرة للأموال وهتك للأعراض واغتصاب للنساء ومصادرة للحريات وتغيير للعرق وتهجير ونقل قسري .. وإذلال للإنسان واعتقال ..
وغير ذلك من الجرائم اللاأخلاقية».واعترض محامو الدفاع على ممثل الادعاء العام بابتعاده عن محور قضية المحكمة وطلبوا من القاضي أن يقتصر التحقيق على القضية التي تبحثها المحكمة.. وقد وافق. وبانتهاء مرافعة الادعاء العام طلب محامو الدفاع تأجيل المحاكمة، ووافق القاضي على تأجيل المحاكمة حتى 28 من شهر نوفمبر المقبل.
وقال القاضي ريزكار السبب الرئيسي لإرجاء المحاكمة هو أن كثيراً من الشهود كانوا خائفين من الحضور. وأضاف أن ما بين 30 و40 شاهداً لم يحضروا لبغداد للشهادة. وقال إن المحكمة ستعمل على حل هذه القضية في الجلسات المقبلة. وحدثت انقطاعات كثيرة في عملية بث نقل سير المحاكمات ولم يكن بالإمكان الاستماع بشكل واضح إلى سير المرافعات بسبب رداءة النقل التلفزيوني.
وعلى هامش المحاكمة، تظاهر عشرات من سكان الدجيل أمس مطالبين المحكمة بإعدام صدام، وفي المقابل توجه عشرات من سكان تكريت مسقط رأس صدام حسين وسط صمت وتوتر إلى ملعب المدينة للتظاهر احتجاجاً على محاكمة الرئيس العراقي المخلوع.
واحتج المتهم عواد البندر كبير القضاة السابقين بالمحكمة الثورية التي اتهمت بإجراء محاكمات صورية عدة لأهالي الدجيل، على نزع المحكمة «عقال الرأس» منه، مؤكداً أن هذا العقال هو هويته، واستجاب القاضي لطلب البندر، وأكد للمتهمين الثمانية الذين جلسوا في أقفاص مقابلة له أنه من حقهم أن يحضروا للمحكمة باللباس الذي يختارونه.
فيما استجاب لطلبات قاضي المحكمة المتهمون الستة الباقون، وهم رئيس جهاز المخابرات السابق برزان إبراهيم التكريتي وعواد أحمد البندر كبير القضاة السابقين بالمحكمة الثورية وأربعة مسؤولين محليين في حزب البعث هم عبدالله كاظم رويد وعلي دايم ومحمد عزاوي علي ومزهر عبدالله لطلب رئيس المحكمة التعريف بأنفسهم.
وقد شهدت المحكمة جدلاً حاداً بين المدعي العام وهيئة الدفاع التي احتجت على خروج الادعاء العام عن موضوع المحكمة، وأكد المدعي العام تورط المتهمين الثمانية بمقتل 148 شخصاً بالدجيل ودفنهم سراً وتشريد مئات آخرين من سكانها، وتجريدهم من أراضيهم وممتلكاتهم.وقال الادعاء العام إن الحرس الجمهوري اقتحم قرية الدجيل بعد ساعات من مغادرة موكب صدام حسين لها.
وطبقاً لقناة الجزيرة الفضائية فإن مصادر في بغداد قالت إن مستشار الأمن القومي موفق الربيعي كان اجتمع مع المتهمين الثمانية قبيل بدء المحاكمة.وقد كشفت واشنطن عن تعيينها القاضي الكردي ريزكار محمد أمين رئيساً للمحكمة. والقاضي أمين في أواخر الأربعينيات من العمر، وهو من مدينة السليمانية شمالي العراق. وجاء قرار التعيين في مذكرة إعلامية وزعها مسؤولون أميركيون على الصحافيين في قاعة المحكمة.
وقد فرضت إجراءات أمنية مشددة حول المنطقة الخضراء التي عقدت فيها المحاكمة، وسمح لنحو 25 صحافياً من وسائل إعلام عراقية وعربية وعالمية بالدخول إلى قاعة المحكمة لمتابعة تفاصيل المحاكمة، بالإضافة إلى عدد من موظفي السفارة الأميركية في بغداد.
وأحيطت المحاكمة بإجراءات أمنية لم يسبق لها مثيل حتى بالمقاييس العراقية، تضمنت التفتيش الذاتي والفحص بالأشعة السينية وتحريات عن المراقبين وتصوير بصمات العين وبصمات الحضور. ووضع ستار حول منصة الشهود يمكن إسداله حتى لا يُتعرف عليهم. كما فصل حاجز من الزجاج المضاد للرصاص بين الصحافيين والمراقبين وبقية قاعة المحكمة.
وأوضحت مصادر صحافية لقناة الجزيرة أن الذين سمح لهم بحضور الجلسة خضعوا لتفتيش صارم، واستبدلت هواتف الصحافيين النقالة بهواتف أخرى لأسباب أمنية ولتمكينهم من تغطية إجراءات المحاكمة. وفي ردود الأفعال على المحاكمة قال موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي إن صدام كان منهاراً ومتخاذلاً وخائفاً، لكنه رفض الإفصاح لقناة «العربية» الفضائية عن تفاصيل لقائه بمسؤول أميركي قبل المحاكمة، ورفض التأكيد بأن صدام معتقل في هيئة التصنيع العسكري،
وقالت القناة ان الربيعي التقى صدام أيضاً في حين قال إياد علاوي رئيس الحكومة السابق إن القضاة العراقيين لعبوا دوراً بطولياً وأن صفحة نظامه قد طويت ويجب أن تكون هذه المحاكمة هي محكمة لعصر من الجرائم التي ارتكبت ضد العراقيين.
أما رغد ابنة صدام فقالت لقناة «العربية» أيضاً إن والدها ظهر أشجع وأروع أب، ولم يكن خائفاً أو خانعاً وكانت سعيدة لرؤيته بهذا الشكل أسداً في مظهره وطلعته، وردت على كلمات الربيعي بالقول: «هل أكذب عيني وأصدق الأكاذيب». واصفة المحكمة بأنها مهزلة ولن تكون عادلة.
أما القاضي رائد جوحي الناطق باسم المحكمة الجنائية العراقية فقال في مؤتمر صحافي إن هناك قضايا أخرى ستنظر فيها المحكمة منذ الآن وحتى الثامن والعشرين من الشهر المقبل حين تستأنف محاكمة صدام حسين تتضمن اتهامات بقتل آلاف الأكراد وتهجير الكرد الفيلية أيضاً.
وحول سؤال أشار إلى أن محامي صدام خليل الدليمي الذي طلب تأجيل المحاكمة يراهن على وصول صدام (68 عاماً) سن السبعين وبذلك لن يسمح القانون بالحكم عليه بالإعدام أشار القاضي إن هذا الأمر سابق لأوانه ولا يمكن معرفة الحكم وهناك وقت ستستغرقه المحاكمة.. وأكد أن المحكمة شرعية ولن يؤثر عليها الاعتراضات التي أبداها الرئيس السابق.
قال سكوت ماكليلان الناطق باسم البيت الأبيض أمس إن الرئيس الأميركي جورج بوش واثق من أن محاكمة صدام حسين ستتم وفق «المعايير الأساسية في القانون الدولي».وصرح «هذه خطوة أخرى مهمة في بناء عراق جديد وديمقراطي يستند إلى حكم القانون. واعتقد أن المحاكمة رمز على أن حكم القانون بدأ يعود إلى العراق.
وقال ماكليلان إن الرئيس الأميركي حضر عددا من الاجتماعات الصباحية بدلاً من مشاهدة النقل التلفزيوني للجلسة الافتتاحية لمحاكمة صدام حسين إلا انه سمع عن مجرياتها من كبار موظفي البيت الأبيض. وأضاف الناطق «نأمل في أن تساعد المحكمة الشعب العراقي على أن تضع خاتمة للتاريخ الأسود للبلاد. وهذه لحظات لتذكر ضحايا نظام صدام حسين الوحشي وعائلاتهم».
كما أصدر السفير الأميركي لدى العراق زلماي خليل زادة أمس بياناً يعتبر محاكمة صدام حسين «خطوة مهمة في بناء عراق جديد».وقال إن «محاكمة صدام تشكل تحذيراً لكل الطغاة الذين لن يتمكنوا من الإفلات من قبضة العدالة». في موازاة ذلك أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أمس إن الولايات المتحدة ستنشر «فرق إعادة إعمار» عسكرية ـ مدنية في العراق للمساعدة في إعادة إعمار البلاد والقضاء على التمرد فيها.
وقالت أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي إن أولى «فرق إعادة الإعمار» التي عملت في أفغانستان في السابق، ستنشر في العراق الشهر المقبل.وأضافت «ستكون هذه الفرق مدنية ـ عسكرية تعمل بالتعاون مع القيادات الرئيسية وتدرب رجال الشرطة وتقيم المحاكم وتساعد الحكومات المحلية في مجال الخدمات الضرورية».
ودافعت عن سياسة إدارة الرئيس جورج بوش قائلة إن الإدارة لديها خطة تكفل النصر في العراق حيث يقاتل نحو 150 ألف جندي أميركي ضد أعمال عنف دموية.ورفضت رايس «التكهن» بشأن استمرار الوجود الأميركي المحتمل في العراق خلال خمس أو عشر سنوات.وعلى السؤال الذي وجهه إليها الديمقراطي بول ساربانس «اتعتقدين إن القوات الأميركية ستكون قد رحلت بعد خمس سنوات؟»، أجابت رايس «لا أريد التكهن .
أعلم أننا نحرز تقدماً بشأن ما يقدر العراقيون على فعله بأنفسهم».وفيما كرر ساربانس السؤال نفسه لكن هذه المرة بالنسبة لعشر سنوات، قالت رايس ان «حتى محاولة التكهن بشأن عدد السنوات التي ستبقى خلالها القوات الأميركية (في العراق) أمر غير مناسب».
وأضافت «اعتقد إننا نحرز تقدماً. وأرى إن قوات الأمن العراقية ستصبح قادرة في وقت سريع على الاهتمام بمشكلاتها الأمنية. وكما قال الرئيس (جورج بوش) فإننا لن نكون بحاجة لإبقاء قوات هناك للقيام بأمور ينبغي على العراقيين القيام بها.وأعتقد مثل الجميع إنه عندما سيصبح العراقيون قادرين على القيام بذلك فإن الأميركيين سيعودون إلى وطنهم».
بغداد ـ «البيان» والوكالات


