استبقت واشنطن ولندن وباريس إعلان تقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري غداً الجمعة وبدأتا في الإعداد لطرح مشروعي قرارين على مجلس الأمن الدولي يدينان تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية، وأعلنتا أنهما تجريان اتصالات مفيدة في الأمم المتحدة لهذا الشأن.

وقالت واشنطن إنها بدأت فعلاً في اتخاذ إجراءات دبلوماسية جديدة ضد سوريا، ومع تزايد الضغط الدولي بفعل تسريبات عن تقرير ميليس تدين سوريا باغتيال الحريري أكد الرئيس السوري بشار الأسد براءة سوريا مئة في المئة من دم الحريري. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إنه من المتوقع طرح مشروعي القرارين الدوليين اعتباراً من الثلاثاء المقبل، حسبما أفادت مصادر مطلعة على النقاشات، موضحة أنهما سيكونان أقوى تحرك دولي يتخذ حتى الآن في حق سوريا.

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة تريد أن يدين القرار سوريا بشدة لدعمها الإرهاب لكن بطريقة تسمح أيضا بالضغط على دمشق بسبب المساعدة التي توفرها للمتطرفين في العراق. في المقابل تريد فرنسا ودول أخرى حصر القرار بلبنان لتجنب اعتراضات الدول العربية.

ونقلت إذاعة «سوا» الأميركية عن مصادر دبلوماسية أميركية في الأمم المتحدة قولها إن واشنطن وباريس بصدد إعداد مشروع قرار آخر يسلط الضوء على المزاعم التي ثارت خلال الفترة الأخيرة بشأن ضلوع سوريا في «إثارة الاضطرابات في المخيمات الفلسطينية في لبنان ونقل أسلحة إليها».

ونقلت «واشنطن بوست» عن دبلوماسيين غربيين قولهم إن سوريا لا تحظى بدعم بعض الحكومات العربية ولا سيما مصر والسعودية. وأضاف الدبلوماسيون أنفسهم أن الرئيس المصري حسني مبارك طلب من الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارة إلى القاهرة الشهر الماضي، التعاون الكامل مع ميليس وألا يتوقع مساعدته في حال تبين أن مسؤولين سوريين ضالعون في اغتيال الحريري.

ورفض مسؤول أميركي بارز في وزارة الخارجية طلب عدم الكشف عن هويته تأكيد تقرير الصحيفة مباشرة إلا انه قال «تجري مناقشات حول الآلية المناسبة للتعامل مع التصرفات السورية في إطار الأمم المتحدة»، لكن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس كانت أكثر وضوحاً حين قالت أمس إن الولايات المتحدة بدأت باتخاذ «خطوات دبلوماسية جديدة» ضد سوريا بسبب دعمها المزعوم للمسلحين في العراق.

وقالت أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي إن الولايات المتحدة اتخذت خطوات عسكرية لإغلاق الحدود بين سوريا والعراق، مضيفة «لقد بدأنا باتخاذ خطوات دبلوماسية للإعراب عن جدية مخاوفنا». إلا أن رايس لم تحدد تلك الخطوات.وقالت رايس إن كلا من سوريا وإيران يسمح بوصول المقاتلين والمساعدة العسكرية إلى المسلحين في العراق. وأضافت يجب أن تقرر سوريا وإيران ما إذا كانتا ترغبان في تأييد الحرب أو تأييد السلام.

وتحت ضغط من أعضاء مجلس الشيوخ بشأن ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تخطط لعمل عسكري ضد سوريا تحديدا قالت رايس إن الولايات المتحدة ما زالت تنتهج «المسلك الدبلوماسي» مع دمشق لكن الخيار العسكري ما زال مطروحا.وعندما سئلت عن الخيار العسكري قالت رايس إن الرئيس لا يستبعد مطلقا أي خيار ويجب ألاّ يفعل.

من ناحيته قال جون بولتون مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة انه يجري بحث احتمالات كثيرة لكن قرارا لن يتخذ إلاّ بعد دراسة تقرير ميليس.وأعلنت بريطانيا أمس أنها تبحث مع فرنسا والولايات المتحدة مشروع قرار جديد يقضي بتجميد الأرصدة السورية لتدخلها في السياسة اللبنانية ولعلاقتها باغتيال الحريري. وقال اماير جونز باري المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة: «تجري حاليا مناقشة عدة قضايا ونحن نعمل فيها جميعا عن قرب».

وأوضح أن الدول الثلاث الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي تناقش «ردا شاملا» على تقرير ميليس. من جانبها أكدت فرنسا أمس أنها تجري «اتصالات مفيدة» في الأمم المتحدة تتناول الملف السوري. وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن التقريرين الدوليين حول اغتيال الحريري وحول الانسحاب الفعلي لسوريا من لبنان «سيرفعان في الأيام المقبلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة على أن يحالا لاحقاً على مجلس الأمن ليناقشهما».

وأوضح الناطق باسم الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتيي أنه من الطبيعي أن تجري بعثتنا في الأمم المتحدة كل الاتصالات الضرورية مع مختلف شركائنا لإعداد المراحل اللاحقة»، من دون أن يدلي بمزيد من التوضيحات. في موازاة ذلك أكد الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة «دي تسايت» الأسبوعية الألمانية ان سوريا ليست متورطة بأي شكل من الأشكال في مقتل الحريري.

وقال «نحن أبرياء مئة بالمئة». وأضاف أن اغتيال الحريري جريمة لا تفهمها سوريا. وأشار إلى أن ما حدث أيضاً في لبنان ليس في مصلحة سوريا. بل العكس. انه يضرنا. إذا فلماذا نؤيد مثل هذه الأعمال... مضيفاً أن سوريا تتعاون كلياً مع محققي الأمم المتحدة.

وقال مصدر سوري أمس إن بلاده استأنفت حوارها مع الولايات المتحدة الأميركية عبر قنوات رسمية وخاصة بالسفارة السورية في واشنطن، وهو ما جعل وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله يعبر عن تفاؤله في برنامج تلفزيوني تم بثه ليل أول من أمس معتبراً أن الموقف السوري «يتفق مع طبيعة الأشياء».

وقال رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في مقابلة مع صحيفة «لو موند» الفرنسية أمس انه قد يكون أفضل أن تختص محكمة دولية بمحاكمة من اغتالوا الحريري بدلاً من محكمة وطنية. وأكد أن لبنان «سيداً مستقلاً حراً لن يكون عدواً لسوريا وان مسألة سلاح حزب الله مرتبطة ب«الحوار» اللبناني».

من جانبه طمأن الرئيس اللبناني إميل لحود اللبنانيين أمس إلى انه لن يكون لتقرير لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري أي تداعيات أمنية، في وقت يخيم القلق على لبنان عشية صدور التقرير. وأكد لحود أن «لا داعي لحالة القلق والخوف التي يعيشها اللبنانيون» عشية صدور التقرير، مشيراً إلى أن الدولة «ساهرة» بهدف «إحباط أية محاولة تهدف إلى إحداث إرباكات على الساحة الداخلية». ودعا اللبنانيين إلى «عدم الاستسلام إلى الشائعات».

وكان تقرير ميليس المنتظر محور محادثات أجراها النائب اللبناني سعد الحريري في القاهرة أمس مع كل من الرئيس المصري حسني مبارك والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. وقال الحريري بعد اللقاءين وقبل أن يتوجه إلى السعودية إن هناك إيماناً لبنانياً بضرورة علاقات سورية لبنانية أفضل، وأشار الحريري إلى أن هناك دولاً تريد أن تتخذ من دم والده قميص عثمان، مؤكداً أنه لا يريد توزيع الاتهامات على أية جهة قبل إعلان تقرير ميليس.

واشنطن، دمشق ـ «البيان» و«الوكالات»