بدأت الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية التمهيد لفرض عقوبات دولية اقتصادية وسياسية على سوريا مع تعاظم الاتهامات لدمشق بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري قبل ثلاثة أيام من تقديم رئيس لجنة التحقيق الدولية في الاغتيال ديتليف ميليس تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي التقى أمس وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لبحث المسألة السورية خصوصاً.
ومع اقتراب تسليم التقرير قالت مجلة ألمانية إن الرجل الثاني في النظام السوري وصهر الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الاستخبارات العسكرية آصف شوكت سيشير إليه التقرير باعتباره متورطاً في اغتيال الحريري.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك إن رايس عقدت اجتماعاً مع عنان في نيويورك أمس وكانت سوريا «موضوعاً مهماً» في النقاش. وأشار ماكورماك إلى أن رايس وعنان «تبادلا المعلومات. وعقدت رايس مؤخراً الكثير من الاجتماعات في أوروبا وكانت سوريا ولبنان موضوعاً مهماً تمت مناقشته في تلك الاجتماعات. وأطلعت (عنان) على بعض ما سمعته حول تلك المسألة».
وحول ان كان سيتم اتخاذ إجراءات ضد سوريا، قال الناطق إن الولايات المتحدة وغيرها من الدول ستدرس أولاً التقارير التي ستقدم لعنان الجمعة. وأضاف «إن سياستنا هي.. أن على المجتمع الدولي إلقاء نظرة على التقرير واتخاذ قرار حول أية إجراءات إضافية يجب أن تتخذ إذا لزم الأمر».
وكشف مصدر في الإدارة الأميركية لـ «البيان» أن العمل جار لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي الأسبوع المقبل، بعد أن يقدم ميليس تقريره. وقال: «إنه إذا تضمن التقرير ما يؤكد ضلوع سوريا في عملية الاغتيال، فستكون لذلك نتائج بالغة السوء عليها من المجتمع الدولي، وليس من الولايات المتحدة فقط، وأكد أن الكثير من الخطوات سيتوقف على ما سيتضمنه التقرير الذي قامت به لجنة تحقيق دولية، لا أميركية».
ولفت المصدر إلى ما قالته رايس قبل ثلاثة أيام وهو إننا سنعمل مع الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن الدولي لتقرير وتحديد الخطوات التالية. والتي سيكون أولها، إذا ثبتت علاقة لسوريا بعملية الاغتيال، فرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها، وعزلها، وهذا ما كان حذر منه الرئيس جورج بوش عندما طلب قبل أيام من سوريا أن تنفذ المطلوب منها.
وعما إذا كانت العقوبات أمراً مؤكداً، خصوصاً وأن سوريا، حسب تقارير قالت إنها أجرت اتصالات وبذلت جهوداً مع روسيا والصين مؤخراً، لمعارضة العقوبات باستخدام حق النقض (الفيتو)، قال المصدر لقد سمعنا بهذه المعلومات، ولكن المجتمع الدولي، ومجلس الأمن لن يتساهل إذا ثبت تورط سوريا، أو دورها في عملية الاغتيال.
وأضاف المصدر «إن انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان الأسبوع الماضي مثير للكثير من التساؤلات والشكوك، وإن لموته أبعاداً كثيرة، أولها أن موته مؤشر على حدوث تصدع في النظام السوري وجهازه الأمني. ويشير التساؤل عما إذا كان موته قطع للطريق من أن تصل التحقيقات إلى الرئيس بشار الأسد ودائرته وعائلته».
وأكد المصدر أنه ومهما كانت النتائج التي يتضمنها تقرير ميليس فإن على النظام في سوريا أن يغير سلوكه وطريقته في الحكم وتقبل الواقع الجديد في المنطقة والعيش معه، بعد أن يغير سلوكه وسيزداد تكثيف العمل مع الدول الأخرى في مجلس الأمن لتحقيق ذلك».
وعن الكثير الذي يتردد عن صفقة أميركية مع سوريا، قال المصدر، «لا توجد صفقات، فالمطلوب من سوريا واضح وقد أعلنه الرئيس بوش والوزيرة رايس وغيرهما مرات كثيرة». والمطلوب أن يغير النظام السوري سلوكه.
وتعتقد بعض الأوساط والدوائر في واشنطن أن العد التنازلي للعقوبات الدولية على سوريا وللنظام في دمشق قد بدأ، خصوصاً وأن سوريا لم تقدم على خطوات حقيقية قبل صدور التقرير لتخفف من أزمتها وحدة الضغوط عيها، ولم يبق أمامها من فرصة أو وقت لذلك، وأن الضغوط عليها ستتعاظم، وستكثف الإدارة الأميركية عملها وجهدها في الأيام القليلة المقبلة، لاستصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية على سوريا، كخطوة أولى.
وتنظر هذه الأوساط، لترى ما إذا كان ميليس في تقريره قد استجوب مسؤولين سوريين كباراً من بين المسؤولين الذين استجوبهم. وهؤلاء المسؤولين الكبار من عائلة الرئيس بشار، هم شقيقة ماهر الأسد قائد الحرس الجمهوري، وصهره آصف شوكت رئيس الاستخبارات العسكرية.
وتتوقع الأوساط بعد أن يجد النظام نفسه في زاوية وتحت الضغط الدولي، أن تبدأ القلاقل الأمنية في لبنان.في غضون ذلك أشارت مجلة «شتيرن» الألمانية في مقتطفات من تقرير تنشره غداً الخميس إلى آصف شوكت باعتباره مشتبهاً به في اغتيال الحريري.
وينظر على نطاق واسع إلى شوكت باعتباره ثاني أقوى رجل في سوريا بعد الأسد ودون أن تذكر مصدر معلوماتها قالت «شتيرن» أن ميليس استجوب شوكت «ليس كشاهد ولكن كشخص مشتبه به».
ومن المقرر أن يرفع ميليس الجمعة المقبل إلى عنان تقريره بشأن مقتل الحريري و20 آخرين في انفجار شاحنة ملغومة في بيروت في 14 فبراير الماضي.
ويقول دبلوماسيون ومصادر سياسية لبنانية أنهم يتوقعون أن يذكر ميليس في تقريره أسماء بعض المسؤولين السوريين. لكن قيامه بتوجيه إصبع إلى شخص ضمن الدائرة المقربة من الأسد سيكون قنبلة سياسية.
وعين الأسد شوكت رئيساً للمخابرات العسكرية في فبراير الماضي. وأعلن مسؤولون سوريون نبأ التعيين بعد أربعة أيام من اغتيال الحريري.وقالت «شتيرن» إنه من بين عشرة دبلوماسيين كبار ومسؤولي مخابرات سوريين استجوبهم ميليس اعتبر خمسة مشتبهاً بهم في الاغتيال. ومن بينهم رستم غزالة رئيس الاستخبارات السورية السابق في لبنان.
في بيروت ذكرت مصادر قضائية أمس أن لبنان وجه اتهاماً بالقتل إلى العسكري السوري زهير محمد الصديق الشاهد المعتقل في فرنسا في جريمة اغتيال الحريري.
وكانت الشرطة الفرنسية قد اعتقلت في باريس الأحد الصديق الشاهد في التحقيق الدولي بمقتضى أمر دولي بالقبض عليه. وقالت مصادر قضائية لبنانية إنها طلبت اعتقال الصديق في اتهامات بالقتل لأنها تعتقد إنه قام بدور غير مباشر في قتل الحريري وضلل المحققين الدوليين.
وتابعوا أن لبنان طلب تسليم الصديق لكنه ينتظر قرار فرنسا في هذا الشأن. وقالت مصادر قضائية فرنسية إن أمام بيروت مهلة 30 يوماً لتقديم الوثائق اللازمة لطلب التسليم.
في دمشق، قال النائب السوري محمود وهب في تصريح لـ «البيان» إن عدداً من نواب مجلس الشعب السوري طلبوا من رئيس المجلس الدكتور محمود الأبرش استدعاء وزير الخارجية فاروق الشرع ووزير الإعلام مهدي دخل الله لمناقشة التطورات السياسية .
ووضع النواب في صورة المحادثات التي أجراها المستشار القانوني لوزارة الخارجية رياض الداوودي مع رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس وما تمخض عن هذه المحادثات، وكل ما يتصل بهذا الموضوع على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية.
ويفترض أن يناقش مجلس الشعب اليوم (الأربعاء) أو غداً الخميس مع وزير الإعلام أسباب التقصير الذي ميز الأداء الإعلامي السوري في مواجهة الهجمة الإعلامية التي تعرضت لها سوريا في الفترة الماضية.
واشنطن ـ محمد صادق:
دمشق ـ تيسير أحمد: