»بوفيه المطاعم« مشهد رمضاني يجمع الأصدقاء

عادة ما يردد بعض كبار السن مقولة رمضانية فحواها »عين الصائم فارغة«، فالكثيرون ممن تنهكهم أو تأخذ من وقت أعمالهم يجدون بانتظارهم في بيوتهم بعد صوم نهار يوم مائدة تزخر بعديد الأصناف والأشكال ومما لذ وطاب من الطعام ، وآخرون ممن لا يجدون متنفساً ولا تسعفهم ظروفهم في السكن يجدون »مكرهين أو أبطالاً« المطاعم خير سند وخير مكان يقصدونه لإفطار سهل ومقنع وربما مكلف، ويا حبذا أن يكون »بوفيه مفتوح«.

على طول شوارع إمارات الدولة تنتشر مطاعم تقدم أطعمة بنكهات عالمية مختلفة، وبعضها صار علامة بارزة وراسخة في أذهان الكثيرين، فمع اقتراب موعد أذان المغرب يهرع الصائمون وغيرهم لحجز مقاعد لهم في أحد هذه المطاعم في دبي، ويا لسوء حظ من جاء متأخراً حيث يجبر على الأكل وقوفاً منتظراً أن ينتهي البعض من تناول إفطارهم فيتيح لغيره مكاناً يأكل فيه قدر ما يستطيع من »البوفيه المفتوح«.

ربما أو حقيقة أن الكثيرين منهم وخصوصاً من كانوا مع عائلاتهم أو على شكل مجموعات من الأصدقاء لم يأتوا إلى ذلك المطعم بفعل ظروف اختارت لهم ذلك، وتغيير نمط الإفطار في رمضان كان سبباً عند البعض في اختيارهم للمطاعم كمكان يروحون فيه عن أنفسهم.

طبيب الأسنان أحمد سرور الشاب المتزوج الذي يعمل في أبوظبي ترك زوجته تفطر في ذلك اليوم مع عائلتها هناك، وحضر إلى دبي للقاء الأصدقاء والإفطار معهم، حيث يقول إنه لا يفضل أبداً الإفطار في المطاعم، ولا يوجد أي بديل عن البيت كمكان مليء بالأجواء المبهجة والمؤثرة في هذا الشهر، ولكن العلاقة القوية التي تربطه مع عدد من الأصدقاء هنا في دبي أجبرته في ذلك اليوم لترك عائلته ولقائهم في أمسية رمضانية تعيد له بعضاً من رائحة »العزوبية«، وحتماً لا مكان لذلك سوى المطعم.

أما أحمد سعدون الذي يعمل في شركة للمقاولات وعلى الرغم من أنه يقضي معظم نهاره في العمل، فلا يتردد للحظة أن يفطر مع والديه الوحيدين في الشارقة، حتى لا يشعران بالوحدة كما يقول، وإفطاره في المطعم لا يكون إلا في المناسبات القليلة، ولقاء الأصدقاء أيضاً واحدة من تلك المناسبات، وفي كل رمضان من كل عام يتعمد وأصدقاؤه الالتقاء في بعض الليالي والإفطار معاً، ومن مميزات وحسنات هذا الشهر أنه يجمع الأصدقاء والعائلات والأقرباء ولا بأس في أن تكون هذه الحسنة في مطعم بالرغم من أن إفطار البيت لا يعوض بما فيه من متعة روحانية وحرية شخصية وبعداً عن التقيد »بالإتيكيت« والمثالية هنا في المطاعم.

ومجيء عبد الجبار الإمام، صاحب إحدى شركات المقاولات مع مجموعة من الموظفين عنده إلى المطعم لم يكن إلا من باب »دعوته للشباب« للإفطار الجماعي هناك، وسبب ذلك لا يعدو كونه شهر رمضان وفيه الدعوات واللقاءات، أما هو فلا يهوى عادة أكل المطاعم، ولديه زوجة وأبناء يأكل معهم باستمرار، ومع وجود الأصدقاء يكون المطعم المكان المناسب حيث يقدم وجبات الإفطار المتنوعة من دون عناء الطبخ وبأسهل الطرق وأقصرها إضافة إلى الحاجة لتغيير الجو الرمضاني، ورغم ذلك فالأكل والإفطار في البيت له رونق خاص في هذا الشهر لا يمكن لأي مطعم أن يوفره.

ميثم الجنابي شاب يعمل في محل للصرافة وهو قليل ما يأتي إلى المطعم، وفي كثير من الأحيان يطبخ مع الشباب في البيت في أجواء وصفها »بلمة الشباب العفوية«، ففي البيت للطعام ومهما كان نكهة مختلفة وهنا في المطاعم ورغم جودة وإتقان الأصناف المختلفة من الأطعمة إلا أن أجواءها لا تمنح الشخص الراحة والثقة والحرية التي يحتاجها، ومع أن الإفطار هنا يناسب الجميع، إلا إنه لا يحبذ الإتيان إلى المطعم إلا في الحالات النادرة.

المهندس مصطفى العيسى تفاجأ كما يقول بالحراس على مدخل المطعم يطلبون اسمه ليتأكدوا من وجود الحجز أم لا، فأجابهم بشيء من الاستغراب والعصبية »بدي آكل أنا صايم«، لكن مشهد الاكتظاظ والأزمة التي عاشها وبقية الموجودين بينت له سبب سؤال الحارس عن الحجز.

يقول العيسى إن زوجته وأبناءه ليسوا معه هذا العام، وبالتالي لا يوجد من يطبخ رغم محاولاته القليلة في هذا المجال وهو يأتي إلى المطعم كثيراً، وفي هذا اليوم جاء أخوه في زيارة إلى دبي، فكان المطعم مكاناً يجمعه مع أخيه وصديقه في يوم أخيه الأول في الإمارات.

أكل المطاعم ليس بأفضل مما هو موجود في البيت ومهما كان، فهناك الأكل النظيف والطعم الأصيل والجمعة العزيزة، وفي المقابل تجد المطعم مكاناً جيداً يجتمع فيه الأصدقاء أو من لا وقت لديهم في الطبخ والإفطار في البيت، وفيه أيضاً الخدمة الجيدة والراحة والاستقلالية، وبعيداً عن عذاب »الجلي والطبخ والنفخ«.

في المطاعم توجد كذلك أجواء عائلية مختلفة، وعلى الرغم من تخصيص مكان للعائلات إلا أن المظاهر العائلية بالنساء والأطفال انتشرت في كل زاوية من زوايا المكان، وعماد عبود الذي يعمل مسؤولاً للعلاقات العامة في إحدى الشركات كان وعائلته واحداً من بين تلك العائلات، ويعجبه في هذا المكان الجلسة الحلوة والمسلية التي يتمتع بها والموجودون بعد الانتهاء من تناول فطورهم، إضافة إلى إنه توجد فيه أصناف عدة من الأطعمة التي تناسب جميع الأذواق.

عماد قصد الإفطار في المطعم مع زوجته وأبنائه بالإضافة إلى صديق آخر وعائلته، وهو يأتي إلى المطاعم في بعض المرات حتى يغير من أجواء البيت، والذي يعتبره أمراًً واجباً في رمضان، وخصوصاً للأطفال والأجواء المبهجة هذه تجعلهم يأكلون ويمرحون في صورة مختلفة عما هي عليه في البيت.

محمد السعيد، مدير المطعم الذي يوفر إفطاراً مفتوحاً على مدار الشهر الكريم، ويومياً يؤم المكان المئات ما بين أشخاص وعائلات، ويوما السبت والأحد تكون الأعداد قليلة إذا ما قيست بباقي أيام الأسبوع، وهذا اليوم وصل عدد من في المطعم إلى نحو 450 شخصاً، وسبب الإقبال نوعية الأكل الجيد المقدم والطعم الشهي والسعر المناسب للشخص الواحد وهو 30 درهماً مقابل بوفيه مفتوح من الطعام.

مدير المطعم قال إن الإقبال الكبير استدعى من الإدارة استقبال الزبائن وفق نظام الحجز المسبق وهو ما قد يزعج البعض، ولكن الأعداد الكبيرة هذه يمكن أن تعيق عمل الموظفين، والحجز هدفه تنظيم الزبائن وترتيب أماكن جلوسهم، وبالتالي لا يمكن ألا يفطر أحد جاء إلى المطعم لوجود طاولات إضافية يمكن أن تمتص الضغط الزائد، والصائمون وغيرهم مسلمون أو مسيحيون ومن مختلف الجنسيات يأتون إلى المطعم وينتظرون سماع الأذان ثم يبدأون إفطارهم سوياً ضمن البوفيه المفتوح الذي يقدمه المطعم طيلة شهر رمضان المبارك.

عنان كتانة

إقبال كبير وطوابير طويلة

تبديل لأجواء البيت عند العائلات

المطعم.. مكان يجمع الأصدقاء