»الأغاني« لأبي الفرج الأصفهاني.. الحياة من خلال الموسيقى وأصحابها

ليس ثمة ما هو أكثر شعبية في كتب التراث العربي كلها من كتاب »الأغاني« لأبي الفرج الأصفهاني (897 ـــ 967) الذي ولد في أصفهان وتوفي في بغداد، المدينة التي عاش فيها ووضع أهم كتبه.

و»الأغاني« كتاب في ألوف الصفحات، لا يفوت القارئ حيثما دقق فيه وتفرس، أن يرى سمات الحضارة العربية، بأحلى ساعاتها وارفع فنونها وأبهى مؤلفيها ومبدعيها، تطل من خلالها. ومن هنا لم يكن غريبا أن يطلق ابن خلدون على هذا الكتاب اسم »ديوان العرب«.

حتى أيامه الأخيرة وقد اقترب من الثمانين من عمره كان المفكر المستعرب الفرنسي جاك بيرك حين يزوره احد في بيته الريفي في الجنوب الشرقي الفرنسي ويسأله عن جديد نشاطه، يشير إلى صف كامل من الكتب العربية ويقول: »هذا سيكون نشاطي المقبل إذا أعطاني الله ما يكفي من العمر«. الصف كان عبارة عن خمس وعشرين مجلداً تشكل في مجموعها كتاباً واحداً، هو الأشهر طبعا في التراث العربي »كتاب الأغاني«. لم يقيض لبيرك على أية حال أن ينجز مشروعه الأخير، أي ترجمة ألوف صفحات الأغاني إلى اللغة الفرنسية، لكن هذا لا ينقص بالتأكيد من أهمية هذا الكتاب الفريد من نوعه، ليس في الثقافة العربية وحدها، بل في ثقافات العالم كله، فنحن هنا لسنا أمام موسوعة شعرية (حتى وان كان الأغاني كذلك أيضاً) ولسنا أمام موسوعة في فنون الغناء (وهو أيضاً كذلك) ولسنا أمام موسوعة موسيقية أو أدبية أو في السيرة أو ما شابه. »الأغاني« هو كل ذلك بالتأكيد، ولكنه كذلك نتفاً نتفاً وفي جوانب منه. أما ما هو في الأساس وفي الجوهر فإنه يجعل منه كتاباً في الحضارة بالشكل الأعم للكلمة. هو كتاب عن الفصل الحضاري العربي منذ أقدم الأزمان، وحتى زمن مؤلفه أبو الفرج الأصفهاني.

»الأغاني« في ما عدا سماته التقنية والموضوعية، هو إذن، كتاب عن الحضارة العربية وتاريخها، ذلك أن مؤلفه إذ يسرد كل تلك التفاصيل المنطلقة دائما من الشعر ومغنيه ورواته، في أبعادها التاريخية والحديثة وفي الترابط بينها، إنما يقدم في نهاية الأمر صورة شاملة عن حضارة بأسرها، صورة تشمل السياسة والاقتصاد، ضروب الإبداع وحياة المجتمع، تاريخ التطور الاجتماعي، ثم بشكل خاص ضروب العلاقات بين هذا كله. ومن هنا أتت فرادة هذا الكتاب، الذي لم يكل عن تأكيد ذاته وتأكيد حضوره على مدى التاريخ العربي ككل، ومن هنا يمكننا ان نبدأ الحديث عن هذا الكتاب بالقول الأولي: انه عبارة عن موسوعة عن الشعر العربي وعن الغناء العربي حتى زمن الأصفهاني، أو بالأحرى بين بدايات تدوين هذا الشعر وربطه بحكاياته وحكايات أصحابه، والزمن الذي أعاد فيه الأصفهاني تدوين ذلك كله بلغة عصره ومنطقه، الذي كان قد صار عصرا موسوعيا بامتياز. ولئن كان الأصفهاني قد اختار أن يجعل من كتاب يتابع تاريخ الشعر، كتابا يحمل اسم »الأغاني« ويبدو أيضاً وخاصة كتاب موسيقى وغناء وطرب، فان هذا لم يكن من قبيل الصدفة في شيء. إذ حيث يترجم الأصفهاني لأكثر المغنين شهرة في صدر الإسلام والدولتين الأموية والعباسية، فإنه إنما يترجم في الوقت نفسه للحضارة التي أنجبتهم وسمحت لهم بأن يكونوا ويبدعوا.

وهكذا إذا تمر أمام أعيننا ونحن نطالع أجزاء هذا الكتاب الفذ أسماء ابن محرز وابن سريج والفريض والابجر والهندي والموصلي ومعبد ودنانير وعريب وعزة، ولكن أيضاً أسماء كبار الشعراء من الذين انشد هؤلاء قصائدهم، وهم تقريبا كل الشعراء الذين كانوا معروفين حتى ذلك الحين، حيث إن قارئ الأغاني لن يفوته ملاحظة ذلك الترابط بين الشعر والغناء، لكأن الشعر إنما كتب دائماً ليغنى وهو إذ يغنى فإنه يموسق قبل ذلك. ومن هنا يكون للموسيقى حصة من الكتاب كبيرة.

والمغنون لم يكونوا أيام الأصفهاني ومن قبل أيامه أناساً من عامة الشعب فقط أو من الخاصة فقط، إذ ها هو »الأغاني« يفيدنا بأنه كان ثمة مغنون من الحكام أيضاً، ليس اقلهم الواثق والمنتصر وابن المعتز والمعتمد، وفي كتابه هذا كان الأصفهاني بالطبع من جمع الأغاني العربية القديمة والحديثة، وانفرد بذكر الغناء العربي وقواعده، وآلات الطرب والموسيقى التي كانت شائعة ومستعملة في أزهى العصور الإسلامية، مثل الأرغن الرومي والدف والطبل والطنبور والعود والناي والرباب، واللافت في هذا كله أيضاً أن أبا الفرج قد بنى كتابه على مئة صوت كان هارون الرشيد أمر إبراهيم الموصلي، أن يختارها له، ثم زاد عليها بضع أصوات أخرى. وهكذا راح الأصفهاني في فصول كتابه يذكر الصوت وتوقيعه، ويذكر قائله ويترحم عليه، ويستطرد من ذلك إلى غيره من الشعراء والأدباء والمغنين والمغنيات وهو »في كل ذلك يتقلب ما بين الجد والهزل وبين الآثار والأخبار والسير والأشعار المتصلة خاصة بتاريخ العرب وملوكهم«، ولم يكن غريبا في هذا المجال أن يصف ابن خلدون كتاب الأغاني بأنه ديوان العرب.

إذن كما اشرنا يمكننا أن نفهم تماما تلك الرغبة التي كانت تساور عالما اشتغل طوال حياته على منتجات الحضارة العربية الفكرية ـــ من طينة جاك بيرك ـــ حين كان يبدي رغبته وأمله في أن يمد الله في عمره حتى ينجز عمله بكتاب الأغاني، أن بيرك كان مثل غيره من كبار المفكرين الذين ارتبطوا بالحضارة العربية يرى أن هذا الكتاب »إنما يختصر تلك الحضارة كلها« طالما أن معظم ما حدث في تلك الحضارة، ودائماً حسب بيرك، »كان يتجلى في نهاية الأمر شعراً وبالتالي غناء«.

ومع هذا لابد لنا من أن نقول هنا إن »ديوان العرب هذا وتأريخ الجانب الزاهي من حضارتهم« بقي غير معروف تماماً، وغير داخل في الوعي العربي العام، حتى منتصف القرن التاسع عشر ميلادي، حيث ظهر للمرة الأولى كسفر مطبوع، وبدأ العلماء من قراء العربية يتداولونه، بل حتى في ذلك الحين، اقتصر الأمر على جزئه الأول الذي كان مستقلاً في أوروبا العام 1840 مع ترجمة له إلى اللاتينية، أنجزها المستشرق روز غارتن الذي ضبط كلماته بشكل متكامل. لكن ذلك الجزء كان يتوقف عند »أخبار ابن محرز ونسبه«. والكتاب إذ طبع على ذلك الشكل، ظل معروفاً لدى الخاصة المتخصصين إلى درجة أن الأمر احتاج إلى انتظار ربع قرن آخر، إلى انتظار العام 1868 حتى يعاد اكتشاف كتاب »الأغاني« كله ويصار إلى إصداره في طبعة كاملة عن مطبعة بولاق القاهرية. ولقد أكمل المستشرق رودولف برونو تحقيقه لاحقا، حتى أنجز جزأه الحادي والعشرين في العام 1888. وعلى هذا النحو جرى التعاون الموضوعي بين مستشرقين كبار وبين مطبعة بولاق ليتمكن قراء العربية، في أول مرة في تاريخهم، من حيازة هذه الموسوعة الفريدة وقراءتها.

ولقد أتاح هذا الأمر إعادة التعرف على أبي الفرج الأصفهاني الذي لم يكن مع هذا مجهولا بالنسبة إلى الثقافة العربية. وهو صاحب العديد من المؤلفات الموسوعية ومن بينها كتاب »أيام العرب« و»نسب بني عبد شمس« وهو كان مؤلفا مشاكسا تتضح مشاكسته ربما من عنوان واحد من كتبه وهو »الفرق والمعيار بين الأوغاد والأحرار«. وهو لم يكن على أية حال، مجرد باحث عالم، بل كان أيضاً رجل فكر وإيديولوجيا. ومن اللافت ما قاله عنه المؤرخ التنوخي ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصفهاني، كان يحفظ الكثير من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظه مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخرى منها اللغة والنحو والخرافات والسير، ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأثرية وغير ذلك.