بين الحين والآخر ترتفع الأصوات داخل المجتمعات الإسلامية منادية بالإصلاح، وعاملة على الأخذ بسبيله من أجل ما يتمناه الجميع من نهضة نرجو الله ـ عز وجل ـ أن تأخذ طريقها السليم على أساس مبادئ الإسلام الراسخة, وأهدافه الثابتة التي تدعونا دائما إلى الإصلاح والصلاح.

حول هذا الموضوع المهم تقدم لنا الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة من كتاب: »منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع« تأليف فضيلة الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق.

في البداية يؤكد المؤلف أن كل إصلاح ـ سواء نظرنا إلى الفرد في خاصة نفسه، أو إلى المجتمع في مجموعه ـ إنما يبدأ بالعلم: العلم الديني والعلم المادي والعلم بالمعني الإسلامي، أي: العلم بالله، والعلم بسنته الكونية التي تشمل الأرض والسماء، وما بين الأرض والسماء.

وسواء أكان العلم الذي يبدأ منه الإصلاح نظرياً أو مادياً، فإنه يجب أن يكون موجها، وتوجيهه إنما هو سبيل فرضه الدين، أي: فرضته العقيدة الإسلامية نفسها، يجب أن يكون العلم أساساً وهدفا في سبيل الله، بأوسع ما تتضمنه كله »سبيل الله« من معان.

أي أنه يجب أن يشعر المتعلمون ـ كل بقدر استعداده ـ إنه في تعلمه العلم إنما يعبد الله على نحو من الأنحاء، وأنه في تعلمه العلم مجاهد بلون من ألوان الجهاد الإسلامي.

من هذا المنطلق حث الإسلام على العلم ووجه إليه وجعله من أسس الدين نفسه.

لقد حث عليه في صور بلغت من الروعة حدا لا يجارى، والآيات والأحاديث التي وجهت الأمة الإسلامية إلى العلم كثيرة مستفيضة.

وإذا كان العلماء يشهدون التوحيد مع الله ومع الملائكة, فإن منزلتهم بالمكان السامي، ودرجاتهم سامية في الرفعة والسمو، يقول الله تعالى في سورة »المجادلة«: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

ولهذه الجوانب من فضل العلم والعلماء أمر الله سبحانه وتعالى رسوله ـ وهو قدوة المسلمين وأسوتهم ـ أن يقول: (رب زدني علماً).

توجيه الأنظار

ويشير المؤلف إلى أهمية العبادة في منهج الإصلاح، علما في جانبها العلمي، وعملا في جانبها العملي، وجانب العبادة العلمي يبدأ كجزء من العلم، وجانبها العملي يبدأ بمجرد استطاعة الطفل إدراك ما يعمل والقيام بما يدرك.

وكما تكون المدرسة دارا للعلم، فإنه في الأوضاع السليمة يجب أن تشتمل على ما يعطي التلميذ تأهيلا في العبادة.. نظريا في الجانب النظري، وعمليا في الجانب العملي، وإذا كانت المناهج ترى ضرورة إعطاء التلاميذ تطبيقات لا تكاد تنتهي في العلوم الرياضية وفي العلوم العربية، فإنه يجب ألا تهمل هذه التطبيقات في الجانب الديني.

ومن العبادة العلمية توجيه الأنظار إلى حكمة الله السارية في الكون، وإلى إبداعه سبحانه وتعالى في كل مجال من مجالات ملكه.

حبة خردل!!

ويتحدث المؤلف عن الأصول الإسلامية في إصلاح المجتمع وفي القيام على توجيهه التوجيه الصحيح، مستعرضا أصلاً من هذه الأصول المهمة متمثلا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«.

فالمجتمع، أي مجتمع كان، تختلف امكانات أفراده بحسب أوضاعهم، وأمكنتهم في المجتمع، فبعض الناس مسيطرون مهيمنون.. في أيديهم سلطة القانون وسلطة تنفيذه، وهؤلاء عليهم واجب الجهاد باليد، أي الجهاد بسلطة القانون الذي بأيديهم، وأن يقوم جهادهم على أساس من الدستور الإسلامي وهو القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, القولية والعملية، وبعض أفراد المجتمع هيأ الله لهم جو المعرفة والعلم، فنهلوا من هذا المعين العذب، وهؤلاء عليهم أن يبشروا بالفضيلة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا عن طريق الموعظة والاقناع والحجة والبرهان.

وتأتي بعد ذلك الطبقة التي تجاهد بقلبها، وهذا الطبقة وإن كانت ـ في المرتبة الأولى ـ طبقة الذين لا يستطيعون الجهاد باليد، ولا الجهاد باللسان، فإنها في حقيقة الأمر تعم جميع أفراد الأمة، أي أن المجاهد بيده يجب أن يكون في الوقت نفسه مجاهدا بقلبه. والمجاهد بلسانه يجب في الوقت نفسه أن يجاهد بقلبه، وينتفي الإيمان في وضعه السليم الصادق بانتفاء الجهاد القلبي، والجهاد القلبي معناه: عدم الرضا عن فعل المنكر، ومظهر عدم الرضا إنما هو اعتزال فاعل المنكر إذا لم يرعوي ولم يأخذ بالنصيحة، فإذا كان تاجرا لا يشتري الإنسان منه، وإذا كان مشتريا لا يبيعه، وإذا كان صديقا يقطع صداقته، فلا يؤاكله ولا يشاربه، ولا يجالسه، وإذا كان مرشحا لأية جهة لا يساعده ولا يعينه ولا ينتخبه.

مقدمة الأمم!

وفي النهاية يطالب المؤلف الدكتور عبدالحليم محمود بضرورة العمل على استعادة مكانتنا الطبيعية في مقدمة الأمم، موضحا أن تأخر المسلمين ليس ذنب الإسلام، وإنما هو ذنب تكاسلهم وخمولهم.

وهم بهذا التأخر آثمون إسلاميا، إنهم آثمون في نظر الإسلام وفي نظر القرآن الكريم، فهم أصحاب دعوة، والقرآن أعدهم من قديم لهذه الدعوة، وهم أصحاب رسالة.. وأصحاب الرسالات إن لم يكن عندهم القوة القوية، وإن لم يكن عندهم السلطان المسيطر، إن لم تكن عندهم السيطرة المتحكمة من أجل الخير ومن أجل العدل ومن أجل الحق، إن لم يكن عندهم هذا فإن رسالتهم تستمر حبراً على ورق.

ولم يرد الإسلام أن تكون الرسالة الإسلامية, أو أن تستمر الرسالة, حبراً على ورق.

فالإسلام يدعو المسلمين إلى أن يكونوا أقوى أمة في العالم، فإذا ما ضعفوا كانوا آثمين في نظر الإسلام، كانوا آثمين وكانوا مقصرين في حق رسالتهم التي كلفهم الله تعالى بها.

انها آخر الرسالات، إنها الرسالة الأبدية، إنها الرسالة الدائمة.. ولابد من قوة دائمة في هذا العالم تسندها، فإن لم تكن هذه القوة فإن هذه الرسالة، لا يكون لها من التأثير ومن النفوذ ما يريده الإسلام منها ومن أصحابها.

الكتاب: منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع

المؤلف: د. عبدالحليم محمود

الناشر: هيئة الكتاب ـــ مصر ـــ 2005

الصفحات: 232 صفحة من القطع المتوسط

غلاف الكتاب